الجمعة، 31 ديسمبر 2010

بعد تجميد دحلان: ألم تكن حماس على حق يا محمود عباس؟

تعامل مؤيدو فتح ووسائل الاعلام الفتحاوية الرسمية وغير الرسمية بالكثير من الشك مع الأخبار التي ترددت بداية الشهر الحالي حول الخلافات المتصاعدة بين محمد دحلان ومحمود عباس، والتي وصلت إلى إغلاق فضائيته "فلسطين الغد" وسحب الحراسات من حول منزله وتشكيل لجنة تحقيق معه ومع عدد كبير من المقربين إليه.

كما سخروا من تقارير أخبارية لمواقع مقربة من حماس تكلمت عن تفاصيل الخلاف بين الرجلين؛ مثل تقرير فلسطين الآن في 6/12/2010م والذي تكلم عن اعتقال 20 من مؤيدي دحلان في مخيم بلاطة وضبط مخزن للسلاح، وتقرير أجناد الأخباري في 8/12/2010م والذي تكلم عن تدريبات للأمن الوطني في مدينة نابلس من أجل التصدي لأي محاولة استيلاء لمجموعات دحلان على المقرات الأمنية.

واليوم بعد أكثر من ثلاث أسابيع على هذه التقارير والأخبار، والتي قوبلت بقدر كبير من السخرية والتشكيك، بدأنا نسمع تقارير من الجزيرة والبي بي سي ووكالات أنباء محايدة أخرى عن مؤامرة دحلان، وعن قيام محمود عباس وسلام فياض بتغيير طاقم حراستهم بناء على معلومات سرية وصلتهم من أحد مخابرات الدول العربية تتعلق بمخططات دحلان.

وأصدرت اللجنة المركزية لحركة فتح يوم أول أمس الثلاثاء قراراً بتجميد عضوية محمد دحلان في اللجنة و"إيقاف إشرافه على مفوضية الثقافة والإعلام بحركة فتح" وتعيين نبيل أبو ردينة مكانه، كما "طالبت اللجنة المركزية بالإسراع بالتحقيق مع محمد دحلان موضحة أن التهم المنسوبة إليه هي: تسليح عناصر خارج الأجهزة الأمنية الرسمية، شق الصف الوطني، وحول مصادر ثرائه"، مثلما نقلت وكالة (أ ف ب) عن بيان اللجنة المركزية.

فبعد أسابيع من الإنكار اعترفت حركة فتح أخيراً بوجود المشكلة وقررت أن محمد دحلان هو سببها، وفجأة اكتشفت أن لديه مصادر ثراء مشبوهة وأنه خطر على الصف الوطني وأنه شخص متآمر من الطراز الأول، ويمكن القول أن محمد دحلان قد انتهى دوره في حركة فتح وأن قرار تجميد عضويته هو بمثابة الرصاصة السياسية القاضية.

لكن حتى لا تمر الأمور بكل سهولة وكأن فتح صححت خطأ وجود مثل هذا الرجل داخل صفوفها، أو تعتبر أنها مجرد خلافات داخلية خاصة بها ولا يحق لأحد من خارج صفوفها التدخل بها، نتساءل: ألم تتذمر حركة حماس من وجود هذا الرجل ومن ممارسته أكثر من مرة؟ ألم تقل حماس في عام 2007م أنّ مليشيا دحلان هي التي اضطرت حماس للقيام بالحسم ضد حركة فتح؟ ألم تقل حماس يومها أن مشكلتها مع دحلان وليس مع حركة فتح؟ لماذا قيل يومها أن كلام حماس مجرد محاولة لبث الفرقة في صفوف فتح؟

عندما وصلت محادثات المصالحة بين فتح وحماس إلى نقطة مناقشة إعادة تشكيل الأجهزة الأمنية في غزة قبل أشهر قليلة، اشترطت حماس أن لا يكون دحلان أو أي شخص من رجاله جزءاً من هذه الترتيبات الجديدة، ويومها اتهمت حماس بأنها تضع العصي في الدواليب وأنها تريد إفشال المصالحة.

اليوم تصل اللجنة المركزية لحركة فتح ورئيس السلطة محمود عباس إلى نفس النتيجة التي وصلت إليها حماس عام 2007م، وإذا كانت حركة فتح المعتادة على الصراعات الداخلية لم تحتمل درجة تآمر دحلان على محمود عباس وقررت التخلص منه وهو ابنها الذي دافعت عنه بشدة وبعد أن كان مؤيدو فتح في المنتديات يصفونه بقاهر الظلاميين، فهل يمكن لوم حماس على عدم تحملها تجاوزات هذا الرجل؟ وهل ما زال قادة فتح يعتبرونها انقلابية بعد أن تصدت لعصابات تتبع لرجل يقولون اليوم أنه شخص متآمر ومشبوه؟

الآن حركة فتح ولجنتها المركزية أمام لحظة الحقيقة: إما أن محمد دحلان كان شخصية متآمرة ومخربة منذ زمن طويل وكانوا "غافلين عنه" واكتشفوا حقيقته فجأة، وإما أنهم كانوا يعلمون حقيقته لكنهم سكتوا عنه ما دام أذاه لا يطال حركة فتح ورموزها وعندما تجاوز الخطوط الحمراء وحاول المس بعباس قرروا وقفه عند حده، وإما أن ما ينسب إليه فيه مبالغة وكذب وأن كل ما في الأمر أنه سخر من محمود عباس في أحد المجالس الخاصة واتهمه وأولاده بالتكسب المادي من السلطة وبالتالي توضع حركة فتح على كف عفريت من أجل مصالح وصراعات شخصية لا أكثر ولا أقل.

نحن اليوم أمام أسئلة مطروحة على اللجنة المركزية لحركة فتح وهي: بعد عزلكم لرجل كان المتسبب الأول بالصراع مع حركة حماس وحالة الانقسام الفلسطيني ألم يأن الأوان لمراجعة سياستكم تجاه حركة حماس؟ ولماذا السكوت عنه طوال هذه السنوات وقد تذمر منه القريب والبعيد؟ وبعد ما قيل هل ستقبلون بعودة دحلان إلى اللجنة المركزية وإلى داخل حركة فتح ليواصل مسيرته وكأن شيئاً لم يحصل؟

نحن لا نتكلم عن صراع داخلي يخص حركة فتح، بل نتكلم عن رجل تآمر على ياسر عرفات وحرض على تمرد مسلح ضده وقوّى موقف الصهاينة وهم يحاصرون عرفات وكان بطريقة أو بأخرى سبباً في استشهاده، ثم تآمر على حماس وحمل السلاح ضدها وشكل فرق الموت في غزة وكان سبباً أساسياً للانقسام الفلسطيني، واليوم يتآمر ليخرب الضفة الغربية ويقود تمرداً ضد محمود عباس ومثلما قال المحلل السياسي بلال الحسن فالدور المطلوب من دحلان كان التخلص من عباس في حال اصراره على عدم اكمال المفاوضات مع الصهاينة، فهل هذا شأن فتحاوي داخلي أم شأن فلسطيني عام؟

زيارة النواب للمختطفين وألاعيب السلطة

حقق المختطفون المضربون عن الطعام نجاحاً كبيراً عندما تمكنوا من جعل قضيتهم قضية رأي عام تجندت لها مؤسسات حقوق الإنسان وتناولها الإعلام المحلي والعربي والعالمي بشكل موسع، كما تمكنوا من دفع قيادة حركة حماس على إعطاء قضيتهم الأولوية رقم واحد وتعليق جلسات المصالحة مع حركة فتح حتى تحل قضيتهم.

وبعد أن كانت السلطة تنكر لفترات طويلة احتجازها لأي معتقلين سياسيين اضطرت للاعتراف بوجودهم تحت ضغط الإضراب عن الطعام وتحرك الجمعيات الحقوقية والحملة الإعلامية، وبدأت السلطة تحت الضغط الهائل بالتحرك من أجل إنهاء أزمة الإضراب، الأمر الذي يثبت أمرين أساسيين:

1- ما حك جلدك مثل ظفرك، قضية المعتقلين السياسيين لم يكن لها أن تتحرك لولا إضرابهم عن الطعام، وبعدها تجند أهاليهم وحركة حماس والإعلام والمؤسسات الحقوقية من أجل قضيتهم، وهذا درس لأي صاحب حق: إذا أردت مساعدة الآخرين فيجب أن تتحرك أولاً وأن ترفع من صوتك، وإلا فلن يساعدك أحد ولو كان أقرب المقربين.

2- التحرك على الصعيد الإعلامي والحقوقي أثبت أنه يمكن أن يحدث الفرق الكبير، فالأزمة التي عاشتها وما زالت تعيشها السلطة للآن ليست بالهينة، ويمكن بمزيد من التفاعل الشعبي والإعلامي والعمل الحقوقي أن نرى نتائج حقيقية على أرض الواقع.

في بداية الاضراب حرصت السلطة على كسر الإضراب بالقوة والتنكيل بالمضربين عن الطعام وقمعهم إلى سجون مختلفة، وعمدت إلى إهانتهم وتعريتهم من ملابسهم، إلا أنها وبعد فشلها بقمعهم وفي ظل تصاعد الحملة الإعلامية انتقلت للمرحلة التالية مرحلة الخديعة والهاءنا بقضايا ثانوية.

وضمن هذا الإطار جاء سماح الأجهزة الأمنية للنواب الإسلاميين بزيارة المضربين في سجني جنين وبيت لحم، ولم يكن هذا السماح احتراماً للنواب ودورهم المفترض في المجتمع، لأنه ومنذ اليوم الأول لنتائج انتخابات التشريعي وأجهزة السلطة المدنية والعسكرية تحارب نواب التغيير والإصلاح وتحاصرهم وتحرص على إفشالهم، وتزايدت الحملة هذه بعد الحسم عام 2007م، وطوال السنوات الثلاث الماضية منع النواب دخول المجلس التشريعي، بل إن بعض الاجتماعات التي عقدت مؤخراً لنواب في التشريعي بالضفة الغربية اقتصرت على نواب منظمة التحرير فيما استثني النواب الإسلاميين منها بشكل مطلق.

وبالتالي لا يمكن فهم التعامل المفاجئ مع النواب والسماح لهم بمثل هذه الزيارات التي كانت طوال الوقت من المحرمات إلا في إطار الخديعة ومحاولة تخفيف الضغط الإعلامي عن السلطة، ويعزز هذا الرأي اصرار الأجهزة الأمنية على مرافقة ناصر اللحام مدير وكالة معاً (المعروفة بانحيازها للسلطة) للنائبين أنور زبون ومحمود الخطيب والتقاط الصور مع الأسرى.

برز التلاعب والخداع عندما أخذت وكالة معاً وأجهزة السلطة الإعلامية مقاطع محددة من بيان النائبين زبون والخطيب والتي تكلمت عن وضع المختطفين الجيد نسبياً وعن وجود بوادر اتفاق لحل مشكلتهم، وحذفت الفقرات التي تتكلم عن استمرار الاضراب أو عن إصابة المعتقلين بالهزال نتيجة الاضراب عن الطعام، فكل ما تريده السلطة هو تهدئة الإعلام وتقوية موقفها أمام المؤسسات الحقوقية، من خلال الإيهام بأن المشكلة حلت وانهت معاناة المختطفين وتحققت مطالبهم.

تحاول السلطة إماتة قضية المخطتفين من خلال تحويلها إلى قضية مطلبية تتمثل بنقلهم إلى سجون قريبة من أماكن سكنهم، مع وعد بدراسة الافراج عنهم خلال شهر، ولا أفهم سبباً لمهلة الشهر إلا إماتة القضية والمماطلة حتى ينسى الجميع وبالتالي تتملص الأجهزة من الإفراج عنهم؛ لأنه يوجد قرار من المحكمة العليا وقرار آخر من النائب العام بالإفراج الفوري عنهم، وهذه القرارات صدرت منذ حوالي العام، فاحتجازهم أصلاً مخالف لقانون السلطة.

وهنا أريد أن أوجه همسة في أذن النواب الأربعة الذين زاروا المختطفين وأقول أن زيارتهم والاهتمام بهم أمر جيد ومطلوب، لكن الخروج على الإعلام والقول بأن المشكلة في طريقها للحل هو خطأ قاتل، لأننا تعودنا الغدر وعدم الالتزام بالوعود من السلطة، فالضغط الاعلامي على السلطة هو نقطة ضعفها الذي يدفعها لمحاولة حل الأزمة وأي تصريح يخفف عنها يقوي موقفها وعندها لن تعود القضية تهمهم من قريب أو من بعيد، وما طلب مهلة الشهر إلا دليل على نيتهم المبيتة بالغدر وعدم الالتزام، كما أن عدم خروج أي من مسؤولي السلطة لتأكيد وجود وعد بالإفراج عنهم بعد شهر يعني أن السلطة ستتملص وبكل سهولة من التزامها، وبعد شهر ستقول السلطة وبكل بجاحة "لم نلتزم لأحد بأي شيء".

وهنا أذكر موقف المناضل الجنوب أفريقي نيلسون مانديلا عندما أفرج عنه نظام الفصل العنصري في بداية التسعينات كبادرة حسن نية ولاثبات رغبته بإنهاء التمييز العنصري، وعندما سأله الصحافيون وهو على باب السجن عن رأيه بخطوة الإفراج عنه لم يشكر سجانيه ولا نظام الفصل العنصري الذي سجنه لأكثر من عشرين عاماً بل حتى لم يقل أنها خطوة في الاتجاه الصحيح، كل ما قاله أن نضاله ضد نظام الفصل العنصري لم ينته بل سيستمر حتى زوال النظام. وأوضح في وقت لاحق أنه كان خائفاً من أن يستغل النظام الإفراج عنه من أجل تحسين صورته.

لذا كان من الضروري عدم إعطاء السلطة هذه المكافأة المجانية، لأنها عملياً لم تقدم شيء حقيقي للمعتقلين ولم تلتزم بشيء، وكان بالإمكان أن يكتفي النواب بالقول أنه يجب الإفراج الفوري عن المعتقلين، أو حتى رفض الادلاء بتصريحات من الأصل، لأن كل مراد السلطة الحصول على تصريحات بأن كل شيء انتهى والمشكلة حلت وأصبحت من الماضي، وبما أنها حصلت على هذا التصريح فكل الخطوات التي وعدت بها لن تنفذ.

يجب مواصلة النضال والكفاح حتى كسر الاعتقال السياسي، ويجب الإبقاء على الزخم الإعلامي الضاغط على سلطة، وكان قرار حماس بوقف لقاءات المصالحة مع فتح حتى حل قضية المعتقلين السياسيين في مكانه والمهم أن تتمسك به حتى النهاية، لأنه حصل سابقاً وأن قبلت الاجتماع مع فتح مقابل وعود مصرية بإنهاء قضية المعتقلين لكن سرعان ما تم التهرب منها. لتأتي فتح وتنهي قضية المعتقلين السياسيين أو لا داعي للاجتماع معها، وعندها ستبدأ الدول العربية بالتواسط والضغط على السلطة، وموقف حماس والمختطفين هذه المرة قوي.

الجمعة، 17 ديسمبر 2010

بعد مهرجان انطلاقة حماس: متى "انطلاقة" المسجد الأقصى؟

تمكنت حركة حماس من حشد مئات الألوف لمهرجان ذكرى انطلاقتها الثلاثة والعشرين، في استعراض للقوة للتأكيد على قوتها وشعبيتها المتماسكة، وكجزء من الحرب النفسية في مواجهة الكيان الصهيوني وحكومته التي تحاصر غزة أملاً في اسقاط تجربة حكومة المقاومة الإسلامية، وتدجين قطاع غزة كما دجنت من قبل الضفة الغربية بمساعدة حكومة دايتون – مولر.

وقد نجحت حركة حماس في رفع معنويات عشرات الملايين من مؤيديها على امتداد العالم العربي والإسلامي، وطمأنتهم بأنها ما زالت قوية ولم يزدها الحصار إلا قوة وثباتاً، كما نجحت بتوجيه رسالة قوية لكل من راهن ويراهن على انهيارها وتركها للحكومة أو تخلي الشعب عنها أو القدرة على تدجينها وادخالها بيت الطاعة الأمريكي بأن هذه مجرد أوهام لا تزداد إلا بعداً عن التحقق، وأن عامل الزمن الذي يراهنون عليه لا يلعب في صالحهم.

إلا أننا نطرح هنا تساؤلاً لماذا يقتصر حشد حماس الجماهيري الضخم على هذه المناسبة فقط؟ لماذا لا يكون الحشد مخصصاً للمسجد الأقصى ونصرته؟ لقد استطاع مهرجان الانطلاقة لفت أنظار ملايين البشر الذين اهتموا وتابعوا هذا الحدث، بينما يعاني المسجد الأقصى من الإهمال وعدم الاهتمام الاعلامي والجماهيري والشعبي، لماذا لا تستغل حماس قدرتها على الحشد والتنظيم من أجل عمل مهرجان ضخم على مستوى حشدها لمهرجان الانطلاقة لكن هذه المرة من أجل المسجد الأقصى.

والهدف هو حشد الرأي العام وراء قضية المسجد الأقصى، وتحريك الجماهير من أجل الاهتمام بالأقصى الذي يتعرض لحملة تهويد ممنهجة، وصلت إلى بناء الكنس اليهودية على مقربة منه بل وتحت جداره الغربي، وغداً سنجدها وسط المسجد الأقصى دون أن يحرك أحداً ساكناً.

من البديهيات أنه لا يمكن الحشد لهذه المهرجانات كل يوم والآخر، لذا تلجأ حماس لادخار جهدها وإمكانياتها من أجل مهرجان الانطلاقة، فالاعداد لمثل هذا المهرجان يحتاج لأسابيع طويلة من التحضير، والجماهير لا تستطيع حضور مهرجان بهذا الحجم كل بضعة أشهر، لذا الأمر يحتاج أن تستبدل حماس مهرجان انطلاقتها السنوي بمهرجان آخر لنصرة المسجد الأقصى ومخصص لنصرة المسجد الأقصى، على غرار ما تفعله الحركة الإسلامية داخل الخط الأخضر.

فالمسجد الأقصى يستحق أكثر من مهرجان، وحماس لديها من قدرات الحشد والقدرة على جذب وسائل الاعلام والحرية في التصريحات واتخاذ المواقف ما لا تملكه الحركة الإسلامية داخل الخط الأخضر. صحيح أن رئيس الوزراء إسماعيل هنية ذكر في خطابه المسجد الأقصى والقدس وشدد على هويتهما الإسلامية، بل وأكد على أن الاحتلال لا مستقبل له في فلسطين، "كل فلسطين من بحرها إلى نهرها" كما قال حرفياً قاطعاً الطريق على المشككين بمواقفه ومواقف حركة حماس، لكن هنالك فرق بين مهرجان حزبي - فصائلي ومهرجان مكرس لقضية الأقصى، وأكثر الناس تهتم بالعناوين أكثر من اهتمامها بالمضمون، وبالتالي عندما يكون العنوان انطلاقة حماس فسيذهب فكرها لحماس التنظيم والحركة و"حماس منافسة حركة فتح"، أما عندما يخصص مهرجان عن المسجد الأقصى فسيتوجه كل الانتباه والاهتمام إلى المسجد الأقصى.

لقد وصل الوضع الداخلي الفلسطيني إلى مرحلة تعتبر فيها انطلاقة الفصائل والتنظيمات بأنها المناسبات المفصلية التي تحرك الشارع الفلسطيني، وهذا وضع غير صحي اطلاقاً، خاصة وفي ظل حالة الانقسام الداخلي وتحول اهتمام الجميع عن محاربة الاحتلال إلى محاربة "الخصم الفلسطيني"، فالبوصلة انحرفت منذ أكثر من ثلاث سنوات، ولم يعد الكيان الصهيوني هو العدو الأول في نظر الكثيرين، وخاصة عندما نتكلم عن القواعد الشعبية وبكل أسف.

أدرك أن قيادة حماس تحاول إبقاء البوصلة في اتجاه العدو الصهيوني، ولذا تحاول عقد المصالحة مع حركة فتح بالرغم من تجاوزات فتح وجرائمها، لكن من الواضح أن المصالحة ليست قريبة ولا حتى شبه قريبة، ولن تكون كذلك على المدى المنظور، ومحادثات المصالحة أصبحت مجرد مناوة عند سلطة فتح تلجأ لها كلما تأزم الموقف التفاوضي مع الكيان الصهيوني، ومناورات إعلامية لا أكثر ولا أقل، وبالتالي يجب على قيادة حماس أن تفكر بطرق أخرى للخروج من دوامة الصراع الداخلي الذي يجر الجميع برغبتهم أو بدون رغبتهم.

طبيعي أن مهرجان جماهيري من أجل المسجد الأقصى لن يحرره ولن يطرد الصهاينة من المدينة المقدسة، لكنه ضروري من أجل توجيه أنظار الناس، ومن حشدهم وراء قضية هامة ومصيرية بدلاً من الحشد حول الصراع الداخلي الفلسطيني، ومثل هذا المهرجان يمكن أن يكون مناسبة لتوحد فصائل المقاومة وأتكلم تحديداً عن حركة الجهاد الإسلامي وغيرها من فصائل المقاومة التي يمكن أن تقبل بمثل هذا الحشد؛ للأسف هنالك فصائل ليست جريئة لأن تنتظم في تحالف من أجل الأقصى.

ولا يجدر بحماس أن تستخف بغيرها أو أن تظن أنه يمكن الاستغناء عنهم، صحيح أن عدد مناصريها أكبر بكثير من مناصري الجهاد الإسلامي أو الجبهة الشعبية – القيادة العامة أو حركة فتح الانتفاضة أو لجان المقاومة الشعبية، لكن عندما تقف هذه الفصائل مجتمعة على منصة واحدة ويعلنون غضبة من أجل الأقصى ويعلنون بدء الحشد والنفير من أجل المسجد الأقصى، فسينضم الالاف من المستقلين (وربما بعض مؤيدي حركة فتح) إلى مثل هذا الحلف، فمتى نفكر بما هو جديد؟ ومتى نفكر بتغيير طريقة تعاملنا مع الانقسام الفلسطيني؟ حماس ليست كغيرها من الفصائل وهي عودتنا على المبادرة والابداع، لذا ننتظر منها ما يفاجئنا كما عودتنا.


اتفاقية سايكس بيكو في ظل وثائق ويكيليكس

سمع الكثير منا باتفاقية سايكس بيكو وكيف كانت المقدمة لتقسيم البلدان العربية إلى كيانات ودول قطرية، وهي العلاقة التي يعلق العرب شماعة فشلهم بالوحدة حتى يومنا هذا، بالرغم من الاستقلال "الظاهري" للدول العربية، إلا أننا نود تسليط الضوء على بعض الجوانب التي يجهلها الكثير من الناس (لكنها معروفة جيداً للمؤرخين ودارسي التاريخ).

نظرة سريعة على اتفاقية سايكس بيكو:

الأطراف الموقعة لهذه الاتفاقية ليست بريطانيا وفرنسا كما تعلم أغلبنا، بل هي أربع دول: بريطانيا وفرنسا وايطاليا وروسيا القيصرية، وهي عبارة عن مراسلات وتفاهمات بين وزراء خارجية هذه الدول لبحث تقسيم تركة الدولة العثمانية بعد نهاية الحرب، وجرت هذه المباحثات خلال عامي 1915م و1916م وسط معمعان الحرب العالمية الأولى.

اتفقت الأطراف أن تأخذ روسيا القيصرية أقساماً واسعة من شرق تركيا، فيما يأخذ البريطانيون العراق وتكون البصرة وبغداد تحت حكمهم المباشر، فيما المناطق الداخلية تقام فيها دولة عربية تتبع للتاج البريطاني، أما الفرنسيون فكانت حصتهم بلاد الشام والموصل ومناطق تقع اليوم جنوب تركيا (محافظات مرسين وأضنة والاسكندرونة)، وترك للايطاليين السيطرة على جنوب غرب تركيا، فيما أعطي لليونان الشواطئ الغربية لتركية.

أما فلسطين فقد تقرر أن تكون تحت إدارة دولية، نظراً لأهميتها الدينية ورغبة جميع الإطراف أن تكون تابعة لهم، مع إعطاء البريطانيين مدينة حيفا لتكون ميناء لهم، إلا أن الثورة البلشفية في روسيا أواخر عام 1917م أخرجت روسيا من الحرب العالمية ومن الاتفاقية.

كيف خرجت الوثيقة للعلن:

وكان من بين ما قام به البلاشفة بعد ثورتهم واستيلاءهم على وثائق وزارة خارجية روسيا القيصرية في مدينة بتروجراد، هو نشر هذه الوثائق من أجل فضح الحلفاء والدول الاستعمارية الامبريالية، وكان من بين الوثائق اتفاقية سايكس بيكو، والتي أرسلوها للأتراك العثمانيين، والذين بدورهم نشروها، وأوصلوها للشريف حسين قائد "الثورة العربية" حتى يقولوا له هؤلاء من تتحالف معهم يتآمرون عليك أيضاً، وحاول والي بيروت جمال باشا عرض الصلح مع الشريف حسين في بدايات عام 1918م مستدلاً باتفاقية سايكس بيكو.

إلا أن الشريف حسين كان أخذ قراره وانتهى، وركن إلى مراسلاته مع ممثل حكومة بريطانيا العظمى السير مكامهون والتي أجريت في وقت قريب من اتفاقية سايكس بيكو (عام 1915م)، واكتفى بالاستفسار من بريطانيا حول صحة الاتفاقية والتي اكتفت بدورها بالالتزام بما اتفق عليه في المراسلات بينهما، وكان هذا كافياً بالنسبة للشريف حسين وقادة الثورة لكي يدفنوا رؤوسهم بالرمال ويمضوا قدماً في ثورتهم. بالرغم من أن تصرفات الفرنسيين على الأرض تشير لصحة ما جاء في الوثيقة ، فقد بدأوا باحتلال مدن ساحل بلاد الشام منذ عام 1918م، في مخالفة واضحة لما اتفق عليه مع البريطانيين.

كان الشريف حسين يأمل بقيام دولة عربية على المشرق العربي، وهي المنطقة التي تضم الجزيرة العربية والعراق وبلاد الشام وأن ينصب ملكاً عليها، وهكذا ضمنت له بريطانيا (أو هكذا ظن أن بريطانيا وعدته)، لكن عندما عقد الحلفاء المنتصرون مؤتمر فرساي عام 1919م لتقاسم الغنائم، لم يتحقق أي من أحلامه، بل وأكثر من ذلك بدأ الفرنسيون يهددون ما كسبه من أرض.

وجه الفرنسيون إنذاراً لابن الشريف حسين بالخروج من دمشق (لأنها من "حصتهم") وبعد معركة سريعة في ميسلون عام 1920م قبل الملك فيصل وخرج من سوريا، وأوجد له البريطانيون حلاً وسطاً عندما نصبوه ملكاً على العراق، فيما أنشئت إمارة شرق الأردن لترضية شقيقه الأصغر الملك عبد الله، وهنا نرى كيف فشل الشريف حسين بإقامة دولته العربية، ليس فقط لأن القوى الاستعمارية تآمرت عليه، بل حتى أبناءه لم يساعدوه وذهب كل واحد منهم لإقامة دولته الخاصة، ونقلت بعض المصادر التاريخية عن الشريف وصفه لأبنائه بالأفاعي.

ما بعد سايكس بيكو:

من المفارقات أن الحدود التي رسمتها اتفاقية سايكس بيكو لم يلتزم بها، فجاءت اتفاقية سان ريمو عام 1920م لترسم الحدود كما نعرفها اليوم، فرنسا تولت الحكم المباشر لساحل الشام والمنطقة الداخلية أيضاً، باستثناء فلسطين وإمارة شرق الأردن، فيما تنازلت عن حصتها في الموصل لصالح بريطانيا ودولة العراق التي أنشئت كمكافئة للملك فيصل، أما فلسطين فقد وضعت بريطانيا الجميع تحت الأمر الواقع عندما احتلتها خلال الحرب العالمية الأولى ولم تقبل بتحويلها لإدارة دولية.

أما في تركيا فعقدت معاهدة سيفر عام 1920م والتي قسمت تركيا بطريقة مشابهة، وأعطي للأكراد دولتهم وللأرمن دولتهم، وجعلت اسطنبول منطقة تحت الإدارة الدولية، وبدأت جيوش اليونان بغزو الساحل التركي، فقام كمال اتاتورك بجمع شتات الجيش العثماني وبدأ بخوض حرب عصابات ضد الاستعمار الفرنسي في جنوب تركيا، وضد الهجوم اليوناني في غربها، وأحرز انتصاراً كبيراً على اليونانيين عند مدينة أزمير عام 1920م، وكان نصراً مؤزراً خلده أمير الشعراء أحمد شوقي بالقصيدة التي يقول مطلعها:


الله أكبر كم في الفتح من عجب ....... يا خالد الترك جدد خالد العرب

وبينما كان أتاتورك يخوض حربه ضد القوى الاستعمارية وقف السلطان العثماني ضده، وأصدر علماء السلطان فتاوي تحرم قتال القوى الاستعمارية بدعوى حرمة خرق الاتفاقيات التي عقدها ولي الأمر، وهذا كان أحد المبررات التي دفعت أتاتورك لمحاربة الخلافة وإلغائها والانسلاخ عن التاريخ والإرث الإسلامي لتركيا، مع الإشارة إلى خلفيته العلمانية متأثراً ببعثته الدراسية إلى فرنسا في مطلع حياته.

استطاع أتاتورك أن يفشل معاهدة سيفر، وعقد اتفاقية لوزان عام 1923م التي أعادت لتركيا وحدتها، وانسحب الفرنسيون من محافظات أضنة ومرسين، وفي وقت لاحق من الاسكندرونة، ولم تعد اسطنبول مدينة تحت الإدارة الدولية، أما من كان يقود العرب (الأسرة الهاشمية) فقد رضوا باتفاقية سايكس بيكو وسان ريمو، والباقي معروف لديكم.

التاريخ يعيد نفسه بطرق عديدة:

ما يلفت الانتباه في هذه اللمحة التاريخة هي توفر الوثائق والمعلومات للعرب والأتراك، لكن كما اليوم دفن قادة الثورة العربية رؤوسهم في الرمال، بل وحتى بعد الخديعة بقي من يبرر لهم، فنرى المؤرخ القومي جورج أنطونيوس يبرر للبريطانيين إصدار وعد بلفور ملقياً اللوم على تعنت الفرنسيين، فحسب زعمه كان البريطانيون ينوون الوفاء بعهدهم للشريف حسين، لكن الفرنسيين تمسكوا باتفاقية سايكس بيكو التي تجعل فلسطين تحت إدارة دولية، فيما البريطانيون يحتاجونها لحماية قناة السويس، فاضطر البريطانيون لإصدار وعد بلفور حتى يتهربوا من الإدارة الدولية وتعنت الفرنسيين.

تبدو اليوم رواية أنطونيوس عجائبية، لكنها لا تختلف في شيء عن تبريرات صحافي وكتاب الأنظمة في أيامنا هذه، الذين يخترعون قصص وروايات لا يقبلها عقل ولا منطق حتى يقنعونا بأن القيادة السياسية حكيمة وتعلم ما تفعل، فيما نفس الأخطاء التي ارتكبت في الحرب العالمية الأولى يعاد صنعها وبنسخ عصرية.

نرى اليوم هذه الشريحة على رأس المشككين بوثائق ويكيليكس، وبطريقة مثيرة للسخرية تظهر وطنيتهم فجأة ويستنكروا الاستشهاد بوثائق أمريكية، مع أنهم طوال الوقت من المبشرين بالعدل الأمريكي، والنزاهة الأمريكية، والذكاء الأمريكي، وبدأت تساؤلاتهم" لماذا الآن" و"ما الهدف من نشرها"، لكن نسألهم أليست حقيقية؟ وبغض النظر عن نية من نشرها أو توقيتها، ألا تكشف لكم أموراً تتعامون عنها؟

كان للبلاشفة السوفيات أسبابهم الخاصة، لكن لم نصدقهم لأن من أوصل إلينا المعلومة كانوا الأتراك العثمانيين، وكانوا أصحاب مصلحة "بالكذب" في هذا الشأن، وفيما كانت الشواهد تتوالى على الملك فيصل وعلى الشريف حسين بصدق المؤامرة: احتلال الفرنسيين لساحل الشام، والاحتلال الانجليز لكامل فلسطين، وصدور وعد بلفور، لكن لم يهمهم لا الوثيقة ولا الشواهد التي تؤكدها، فقد كان خيارهم محسوماً مسبقاً.

وثائق ويكيليكس:

وثائق ويكيليكس لم تكشف أموراً مجهولة، على الأقل عندما التكلم بالعموميات، هي كشفت لنا أموراً ندركها ونلمسها ونشعر بها، لكنها جاءت لتوثقها ولتقولها بشكل صريح لا يقبل التأويل، ولطالما استمر كتاب وصحافيو الأنظمة بدفن رؤوسهم في الرمال، وهم يقولوا لنا هذه مجرد تكهنات ومجرد تخمينات، فلا الأدلة على الأرض تقنعهم ولا الوثائق المكتوبة تقنعهم لأنهم حسموا خياراتهم مسبقاً، ومثل أسلافهم أغلقوا عقولهم.

سايكس بيكو جاءت لتقسم العالم العربي وتركيا، في العالم العربي لم تكن هنالك مقاومة ومضت المؤامرة وأصبحنا أكبر المدافعين عن الحدود القطرية التي رسمها لنا الاستعمار، وأصبحنا نقدس الحواجز التي رسموها لنا، واليوم تبين لنا وثائق ويكيليكس (وهي وثائق مسربة مثلها مثل اتفاقية سايكس بيكو) أن الحكام الذين يحكموننا هم من طينة الشريف حسين والملك فيصل، عطلوا عقولهم وارتموا في حضن الاستعمار.

في المقابل أتاتورك لم يقبل بما رسمه الاستعمار له، وحارب وانتصر وحقق ما فيه مصلحة لبلده، وبالرغم من علمانيته الشديدة ومن محاربته للدين فإن تركيا التي أسسها هي أفضل حالاً من عالمنا العربي الذي أسس له أسلاف الزعماء العرب المعاصرين، وهي أقرب لمصالح الإسلام والمسلمين من الأنظمة العربية المعاصرة، فما يجب أن ندركه أننا هزمنا لأننا عطلنا عقولنا ولأننا قبلنا بتفوق الغرب علينا واستسلمنا لمخططاته.

الخميس، 9 ديسمبر 2010

بعد انتخابات مجلس الشعب: مصر إلى أين؟

كان قرار المحكمة الإدارية العليا في مصر القاضي ببطلان الانتخابات في عدد من الدوائر بمثابة ضربة إضافية وجهت لشرعية الانتخابات التي شابتها الكثير من التجاوزات منذ أن تم تعديل القوانين بحيث يضمن النظام ابعاد الرقابة القضائية على الانتخابات، مروراً بمنع الكثير من المرشحين من تقديم أوراقهم (وهو سبب حكم المحكمة الإدارية ببطلان العملية في الدوائر تلك نظراً لرفض لجنة الانتخابات الالتزام بأحكام قضائية سابقة)، وانتهاءً بأعمال البلطجة والتزوير خلال الجولة الأولى من العملية الانتخابية.

انقسمت المعارضة المصرية إلى قسمين: قسم قاطع الانتخابات لأنه متيقن أنها انتخابات مزورة، وهذا ما أثبتته الوقائع، وقسم قال نريد المشاركة ومحاولة انتزاع حقنا بانتخابات شرعية، وإذا حاول النظام التزوير فسنقوم بفضحه، وحكم المحكمة الإدارية العليا (ومن قبلها الأحكام القضائية لمحاكم إدارية أقل) أثبتت صحة كلامهم وصحة قرارهم بمقاطعة الجولة الثانية من الانتخابات (جولة الإعادة).

ومن المفارقات أن أعمال العنف والبلطجة اختفت (أو على الأقل هكذا بدا لي كمتابع) في جولة الإعادة، وهذا يثبت على أنها أعمال مبرمجة وموجهة من أجل سرقة نتيجة الانتخابات وليست مجرد تجاوزات لأنصار النظام والحزب الوطني الحاكم.

المعارضة بشقيها تقول أن الانتخابات غير شرعية، وأثبتت ذلك إعلامياً من خلال التقارير الاعلامية بالصوت والصورة التي أثبتت تجاوزات النظام وتزويره للنتائج، وسياسيا من خلال المقاطعة (سواء كانت المقاطعة من البدء أو الانسحاب بعد الجولة الأولى)، وشعبياً من خلال نسبة المشاركة المتدنية التي لم تتجاوز العشرين بالمئة، وقضائياً حيث يوجد معها الآن حكم قضائي ببطلان الانتخابات، وفي حال لم يستجب لقرار المحكمة العليا، سيكون المجلس القادم مجلساً باطلاً قانوناً، مما يجعل المعارضة المصرية أمام تحدي وهو ترجمة هذه الانتصارات الاعلامية والسياسية والقضائية إلى انجازات على أرض الواقع، لكي تستطيع الانطلاق بمسيرة الاصلاح ومحاربة جرائم النظام المصري.

قرار المحكمة الإدارية العليا مهم جداً، فعندما نقول أن مجلس الشعب باطل والانتخابات باطلة، فهذا يعني أن النظام كله باطل وغير دستوري (لأن الرئيس القادم سينتخبه مجلس الشعب)، مما يجعل مبارك وفتحي سرور وكل الوزراء مجرد قادة حزب سياسي مثلهم مثل حزب الوفد أو الاخوان المسلمين أو حركة كفاية (هذا من ناحية قضائية)، ويجعل جاهز أمن الدولة مجرد مليشيا تنفذ سياسة حزب ومصالح شخصية لا أكثر ولا أقل.

النظام سيلتف على الأمر ويحاول تجميل نفسه وإيجاد المخارج القانونية التي تجعل العملية تبدو وكأنها شرعية، لكن الرصاصة التي تخرج لا يمكن ارجاعها، وكل ما كان مجرد مزاعم للمعارضة أصبح موثقاً الآن بقرار هيئة قضائية مصرية من قلب النظام نفسه، وهذه فرصة لمحاربة التزوير ومحاربة من يقومون على التزوير والتضييق عليهم وعلى جرائمهم.

المطلوب الآن تجاوز الخلافات الداخلية في صفوف المعارضة المصرية، والتي عطلت لحد اللحظة من وجود جبهة معارضة قوية تقف في وجه النظام، بالإضافة لتجاوز الخلاف الناجم عن عدم اتفاق المعارضة على قضية المشاركة من عدم المشاركة، لأن الهدف تحقق الان وهو اثبات عدم مشروعية الانتخابات، ويوجد بيدهم ورقة قوية ليلعبوا بها.

يفضل دوماً الالتقاء على هدف واحد بسيط ولا خلاف عليه، لأن المعارضة المصرية طيف واسع ويستحيل الاتفاق على كل شيء، فليكن هنالك هدفاً بسيطاً يتفق عليه الجميع، وهو المطالبة بعدم اعتماد نتيجة الانتخابات الحالية، وشن حملة واسعة النطاق لكي لا يبدأ مجلس الشعب نشاطه ولتعطيله عن البدء بمسرحية التوريث، مع وضع الاحتمالات المختلفة في الحسبان؛ مثل إذا رفض النظام الخضوع وإعادة الانتخابات وفق شروط نزيهة وضمانات حقيقية، فكيف يكون التعامل معه؟ هل يتم الدعوة لعصيان مدني وكيف يكون ذلك وغير ذلك من الترتيبات.

من أخطاء المعارضة وخاصة الأحزاب والتنظيمات الكبيرة، ظنها أنها تستطيع الاستغناء عن الأحزاب والتنظيمات الأصغر، وبالتالي ترفض استيعابها أو مناقشة مطالبها (والتي ربما لا تكون محقة لكن يجب مناقشتها)، ومن الضروري أن يدرك الجميع أنه لا يمكن تحريك الشارع المصري إلا إذا كانت هنالك جبهة موحدة من الجميع، لا الإخوان لوحدهم يستطيعون تحريكه، ولا حتى لو تحالفوا مع حزبين أو ثلاث أحزاب، وأي محاولة تغيير لا تستند إلى قاعدة شعبية عريضة تمثل المجتمع المصري بكليته لن تنجح، وسيبقى النظام ممسكاً بقوة على رقبة الشعب المصري إلى أن يشاء الله.

ومن المهم هنا التوضيح أن تحالف المعارضة لا يعني مجرد الزيادة العددية لمجموع الاحزاب والجماعات المشكلة للتحالف، فلو فرضنا أن الإخوان يمتلكون 30 ألف نشيط وكفاية تمتلك 5 آلاف نشيط والحزب الناصري يمتلك ألف أو ألفي نشيط، فتحالفهم لا يعني أنهم سيمتلكون 38 ألف نشيط، بل سيكون هنالك اندفاع للكثير من الأشخاص العاديين وغير المؤطرين حزبياً الذين سيتشجعون من وجود هكذا تحالف وسنتكلم وقتها عن تحالف من مئة ألف نشيط أو أكثر، مع التأكيد على أن الأرقام التي ذكرتها هي افتراضية حتى أوضح فكرة أن التحالف والجبهة الموحدة ليست مجرد عملية جمع للأنصار بل ستضفي زخماً لا يمكن أن يكون بدون هذا التحالف، وأن مثل هذه التحالفات لا تحتكم لقانون (1+1=2)، بل (1+1= 11).

نأمل أن تتمكن المعارضة المصرية من اغتنام الفرصة، لأن النظام يسير بغرور وتكبر نحو تكريس التوريث ونحو تكريس الفساد ونحو تخريب البلد وادامة التخلف الاقتصادي والاجتماعي في سبيل مصالح شخصية لقلة متنفذة.

السبت، 4 ديسمبر 2010

حريق جبل الكرمل: عندما تعاقب السماء جلادي الأرض

لست من الذين يشمتون بأعدائهم حتى لو كان الكلام يدور عن من قتل وهجر أبناء شعبي، ولست من الذين يفرحون عندما تحل مصيبة أو مأساة على عدوي، وإن كنت أفرح لعمل المقاومة الفلسطينية فذلك لأنها تسرع في عودة الحق المسلوب وفي خلاص الشعب الفلسطيني، وإن كنت أؤيد قتل الصهاينة فذلك لأن الصهاينة لم يتركوا لنا مجالاً سوى ذلك، فالمسلم لا يحارب ولا يقاتل حباً في رؤية دماء الآخرين، بل لأجل استعادة الحق ودفع العدوان.

لكن لحريق جبل الكرمل وضع خاص، ولأسباب كثيرة ففي مدينة حيفا بدأ اللاجئون الفلسطينيون الأوائل بالتوافد أوائل عشرينات القرن الماضي عندما طردهم الانجليز من قراهم حتى تقام المستوطنات لصالح الصهاينة اليهود قبل أن تطردهم مرة أخرى العصابات الصهيونية عام 1948م، وعلى قمة جبل الكرمل كانت قرية الدامون الفلسطينية والتي دمرها الاحتلال الصهيونية وطرد أهلها وما زال حتى يومنا هذا يرفض عودتهم إلى قريتهم مثلهم مثل ملايين اللاجئين الفلسطينيين، وذلك من أجل الحفاظ على نقاء الدولة العبرية وطابعها اليهودي.

وأقاموا مكان قرية الدامون المدمرة سجن الدامون سيء السمعة، وقد كان في الأساس مصنعاً للتبغ وتم تحويله إلى سجن، وأغلقته سلطات الاحتلال الصهيوني عام 1999م بعد تقرير حكومي بأنه لا يصلح للاستعمال الادمي، لتعيد افتتاحه دون ترميمات جوهرية بعد اندلاع انتفاضة الأقصى، بعد أن امتلأت سجون الاحتلال بالاف الفلسطينيين.

ومن عاش فيه من الأسرى الفلسطينيين يعرف معنى كلمة "لا يصلح للاستعمال الادمي"، غرف قديمة تتساقط قطع من الجدران والأسقف على رؤوس الأسرى، ورطوبة خانقة، وشبابيك مغلقة لمنع الأسرى من رؤية الغابات الجميلة المحيطة بالسجن، وعند أحد الشبابيك هنالك ثغرة صغيرة في قطعة الحديد التي تغلقه تتيح للأسير رؤية شجرة عملاقة من بعيد، ربما الان تحولت هذه الشجرة إلى رماد.

وقريباً من سجن الدامون هنالك مركز تحقيق الجلمة، والذي يحتجز فيه الأسرى الفلسطينيون في زنازين ضيقة لفترات تصل إلى شهر أو شهرين أو ثلاث شهور، معزولين تماماً عن العالم الخارجي، ويمارس فيه ضباط المخابرات الصهيونية كافة أشكال التعذيب النفسي والبدني، وأكثرها شيوعياً هو المنع من النوم لأيام وليالي متواصلة مع اجبار الأسير على الجلوس مكبلاً على كرسي طوال هذه الفترة.

كان من بين قتلى الحريق حوالي 40 سجاناً صهيونياً في طريقهم لنقل سجناء من سجن الدامون إلى سجن آخر، من بينهم أسرى وأسيرات فلسطينيون، وإن كان الموت حرقاً هو من أصعب الأمور والتي لا يملك الإنسان إلا أن يحزن لضحاياه، إلا أنه يصعب على من ضرب يوماً على أيدي سجاني الاحتلال الصهيوني أن يتعاطف مع جلاده، ومن الصعب على من ضربه رجال قوة النحشون (قوة الحراسة في سجون الاحتلال) أن يتسامح وأن يتناسى آلامه ويتعاطف مع الوحوش البشرية التي ابدعت في ساديتها واجرامها اثناء تنقله من سجن إلى آخر.

السجانون الصهاينة يتم تدريبهم على اشعار السجين الفلسطيني بالمهانة بكافة الطرق والوسائل، كي لا ينسى أنه في السجن، أما قوة النحشون فبمجرد ذكر اسمهم أمام أسير فلسطيني حتى تسري القشعريرة في بدنه، فلا احترام له أو لادميته أثناء نقله من مكان لآخر، وأسهل شيء عند رجال النحشون هو الضرب والضرب والضرب، ولاتفه الاسباب، فاذا كان الاسير مصاباً ويمشي ببطء وهو مكبل فهذا ذنب لا يغتفر يستحق عليه الضرب والصراخ والاهانة، وإذا طلب الذهاب إلى المرحاض في الطريق فلا يستحق إلا الصراخ واذا اعترض أو احتج فالضرب، وضربهم لا حدود له، وكم من أسير فقد السمع في احدى اذنيه، أو كسرت يده أو رجله لأنه تباطئ بالاستجابة لأوامر قوات النحشون.

نحن لا نشمت ولا نتمنى الشر لغيرنا، لكن من الصعب على الضحية أن تتعاطف مع جلادها، خاصة عندما تعلم علم اليقين أنه بمجرد زوال مصيبته سيعود للتنكيل به، ربما يتمنى الكثير من الفلسطينيين أن تدوم الحرائق، ليس حقداً ولا كراهيةً، بل كي يخف الظلم عنهم ولو لبضعة أيام.

يصعب علينا كفلسطينيين أن نرى دولاً عربية واسلامية وأوروبية وهي تساعد المحتل الصهيوني، والسجان الصهيوني، والجلاد الصهيوني، ليس لأننا نتمنى الشر ولا لأننا نحب الموت والدمار لغيرنا، لكن يحز في نفسنا أن يهب العالم أجمع لمساعدة من سرق أرضنا وشرد شعبنا وسجن أبناءنا، وبعدها تعود الأمور لطبيعتها ونبقى ممنوعين من دخول أرضنا وبلدنا، ويعود السجان ليعذب السجناء والأسرى، وكأن شيئاً لم يكن، فإلى متى نتحسر على بلدنا التي نمنع من دخولها وإلى متى نحرم من أسرانا؟ لكننا ندرك النفس الإنساني الذي يحكم العالم ويوجههم، لذا نوجه تساءلنا للمحتل الصهيوني هل أدركت بعد أن الظلم لا يدوم؟ هل أدركت أن الأرض لا تقبل بك وترفضك؟ هل أدركت أنه إن عجز جنود الأرض عن هزيمتك فإن جنود السماء أقوى منك وأقدر عليك؟

يعرف الصهاينة باستعداداتهم الأمنية الدائمة، وحرصهم على اتخاذ الاحتياطات المختلفة، والتدريبات لمواجهة المقاومة الفلسطينية ولمواجهة الكوارث الطبيعية، ومن عايش المجتمع الصهيوني عن قرب يدرك حجم الهوس الأمني لديهم، وهوسهم المبالغ به في اتخاذ اجراءات الأمن والأمان، لكن كل هذا تهاوى وتساقط في لحظة واحدة أمام غضب السماء، أدرك أن الصهاينة لن يلقوا لكلامي بالاً فأنا مجرد "فلسطيني"، ويعتقدون أنه يمكنهم تجنب كوارث مستقبلية بشراء المزيد من طائرات اطفاء الحرائق والمزيد من المواد والمزيد من الأسباب المادية، لكن مهما اشتروا وجهزوا من الأسباب الأرضية، إلا أن عدالة السماء لهم بالمرصاد.

الاثنين، 22 نوفمبر 2010

مجزرة مسجد فلسطين: ذاكرة الناس القصيرة

مرت علينا قبل ايام قليلة ذكرى مذبحة مسجد فلسطين في مدينة غزة، والتي ارتكبتها الأجهزة الأمنية التابعة لسلطة ياسر عرفات في 18/11/1994م، وربما أكثر قراء هذا المقال كانوا وقتها ما زالوا اطفالاً، ولسنا بصدد استحضار آلام الماضي أو نكأ الجراح، لكن من المفيد العودة إلى التاريخ كيف نفهم واقعنا بطريقة أفضل.

ظروف وملابسات المجزرة:

في 2/11/1994م: اغتيال القيادي في حركة الجهاد الإسلامي الشهيد هاني عابد على أيدي المحتل الصهيوني، بالرغم من أن قطاع غزة أصبح تحت سيطرة سلطة الحكم الذاتي منذ ستة شهور.

في 11/11/1994م: الاستشهادي هشام حمد من الجناح العسكري للجهاد الإسلامي (والذي كان يسمى "قسم" وقتها) يفجر نفسه وسط جنود الاحتلال قرب مستوطنة نتساريم مما أدى لوقوع عدداً من الجرحى والقتلى في صفوفهم.

جن جنون سلطة عرفات لأن العملية تستهدف "التزاماتها" تجاه المحتل الصهيوني، وشنت حملة اعتقالات، ومنعت حركة الجهاد الإسلامي من تشييع الشهيد بجنازة كبيرة تليق به، حتى لا تظهر السلطة وكأنها تقبل بما يسمى "الإرهاب"، فدعت حركة حماس إلى مسيرة بعد صلاة يوم الجمعة 18/11/1994م تضامناً مع حركة الجهاد الإسلامي وتأييداً للعمل البطولي الذي قام به الشهيد.

في 18/11/1994م: كان مسجد فلسطين أحد أكبر مساجد مدينة غزة المكان المقرر انطلاق المسيرة منه بعد خطبة وصلاة الجمعة، واستنفرت أجهزة أمن السلطة وأقامت الحواجز على الطرق المؤدية للمسجد، مع ذلك حضر المئات والالاف للمسجد الذي امتلئ بالمصلين وامتلأت ساحته والساحة المجاورة بالمصلين الذين جاءوا من كافة المناطق.

ألقيت خطبة الجمعة وأديت الصلاة بشكل طبيعي، وأثناء الصلاة طوق رجال الأمن المصلين حول المسجد، وما أن انتهت الصلاة وبعيد التسليمة الثانية بدأ اطلاق النار من قبل الأجهزة الأمنية وأكثر المصلين لم يصلوا ركعتي السنة بعد، استشهد 17 من المصلين وأصيب العشرات بجراح مختلفة، واكتظت مستشفيات القطاع بهم، وامتدت المواجهات بعدها لمناطق أخرى لكن أغلب الشهداء والجرحى وقعوا في المسجد.

وبما أن المجزرة وقعت في عصر بدايات الانترنت وما قبل اليوتيوب، فلم توثق المجزرة بالشكل الذي تستحق، وماتت في ذاكرة الكثيرين ممن عاصروها وجهلها أكثر من لم يعاصرها، وقمت بالبحث على الانترنت عن فيديو يوثق للمجزرة فوجدت الرابط أدناه، وهو شريط مدته 25 دقيقة، وتظهر في الدقائق الأولى صور خطبة الجمعة ونلحظ أنها خطبة تقليدية دعا خلالها الخطيب إلى الوحدة الوطنية، ثم يظهر المصلون داخل وخارج المسجد أثناء أداء الصلاة، ونرى رجال الشرطة وهم يتحركون ويحاصرون المصلين أثناء أداء الصلاة.

ثم يظهر الفيديو المواجهات في بداياتها، وإن لم يكن قد وضح كيف اندلعت شرارة المواجهة بالضبط، لكن كان واضحاً أن المصلين كانوا ما زالوا في المسجد لم يخرجوا منه، ونرى كيف أن سلاح المصلين الوحيد كان الحجارة التي يردون فيها على اطلاق النيران الحية، ونسمع طوال الشريط الناس وهم يرددون كلمات: "عملاء"، و"مثل اليهود" في إشارة للأجهزة الأمنية، نعم لقد نجحت هذه الأجهزة بترسيخ في ذهن الناس أنهم عملاء للاحتلال منذ الشهور الأولى لقدوم السلطة الفلسطينية.

ويظهر الفيديو في الدقيقة 8 والثانية 30 صورة أحد الجرحى وهو مصاب برصاصة من الخلف، وعند الدقيقة 11 والثانية 58 نشاهد اثنين من الشباب وهما يصبان بالرصاص عن بعد أثناء هروبهما من اطلاق النار، وهذا أن دل على شيء فيدل على أن اطلاق النار كان عشوائياً في أحسن الأحوال ولم يكن "دفاعاً عن النفس".

وابتداءً من الدقيقة 13 والثانية 15 نرى مشاهد من داخل مستشفى الشفاء ونرى المكان وقد اكتظ بكافة أنواع وأشكال الإصابات، ولكثرة المصابين كان الكثير منهم ممداً على الأرض يتلقى العلاج، وفي الدقيقة 18 والثانية 40 نرى أحد دوريات حرس الرئاسة وهي تمر بشكل مستفز أمام المستشفى مما أدى لتجدد المواجهات ولحدوث فوضى وهرج، وفي الدقيقة 20 و42 ثانية نرى أحد رجال الأمن بالزي المدني وهو يركض بين المتظاهرين، ويبدو أنه كان ضل طريقه، ومن الملفت أن المتظاهرين لم يمسوه بأذى بل اكتفى بعضهم بالصراخ عليه فيما عمل آخرون على توفير الحماية له حتى وصل للطرف الآخر حيث يوجد رجال أمن بلباس رسمي ومدني، وبعد وصوله للطرف الآخر نسمع اطلاق نار كثيف من قبل أجهزة الأمن تجاه المتظاهرين.

العبر المستفادة بعد ستة عشر عاماً:

الناس وبكل أسف ذاكرتها قصيرة، وكلما ذكر اليوم شيء عن تصرفات السلطة قيل أن الانقسام الفلسطيني هو السبب، وكلما ذكرت جرائم السلطة في الضفة قيل لنا أن هذا كان رداً على ما قامت بها حماس في غزة، حسناً هذا دليل حي على أن جرائم السلطة سبقت الانقسام الفلسطيني بثلاثة عشر عاماً، وهذا دليل على أن السلطة تقوم بما تقوم به لمرضاة الصهاينة ولاثبات "حسن نيتها"، لذا نرجو من الذين يحملون جهتي الانقسام مسؤولية الوضع الحالي أن يستحضروا في أذهانهم صورة مجزرة مسجد فلسطين، وليقولوا لنا هل كان الوضع السابق أفضل من الوضع الحالي؟ ألم تكن التجاوزات والجرائم ترتكب قبل دخول حماس الانتخابات وقبل الانقسام الفلسطيني؟
 

تثبت حادثة مجزرة مسجد فلسطين أن بوصلة السلطة الفلسطينية تحددها دوماً ما يسمى بالتزاماتها تجاه المحتل الصهيوني، وهذا ليس بالتصرف المتوقع من حركة تحرر وطني، ولا من منظمة تسمي نفسها "منظمة التحرير الفلسطينية"، فكيف يأتي التحرير واستراتيجيتنا الأبدية هي الدفاع عن أمن الصهاينة والحفاظ عن مشاعرهم، فالمسيرة التي قمعت قبل أن تنطلق وسالت دماء المصلين كي لا تقوم لها قائمة كانت ستجرح مشاعر الصهاينة فقط لا غير، لم تكن لتؤذيهم جسدياً.

اعتبرت السلطة العمليات الاستشهادية والمسيرة بأنها تخريب على جهودها، وطلبت أن تعطى مهلة لانجاح اتفاقية أوسلو، بالرغم من أنها وقعت وفرضت على الشعب الفلسطيني دون أن يؤخذ برأيه، وحينها طالبت حماس بالاستفتاء على اتفاقية أوسلو، ورفضت منظمة التحرير لأنها تدري ما النتيجة ستكون، نعم هذا صحيح حماس طالبت بالاستفتاء في تلك الأيام وليتذكر هذا الجميع عندما يصرح أحد قيادات حماس مستقبلاً بأنه يقبل باستفتاءً ما، لأنه كلما خرج مثل هذا التصريح تبدأ اللطميات التي تقول أن حماس تغيرت بعد دخولها الانتخابات، حسناً حماس من يومها وهي تقبل بالاستفتاء فرجاءً صححوا معلوماتكم.

ردود الفعل:

فضلت حماس العض على الجراح وتجاوز الحدث لأن بوصلتها كانت تجاه الاحتلال الصهيوني، وكانت ردود فعلها دوماً تجاه المحتل الصهيوني، إلا أن المجزرة أثرت في أبناء فتح والكثير من مؤيديها، ومن بين من أثرت فيهم الشهيد خليل الشريف وقد كان منسق عام حركة الشبيبة الفتحاوية في جامعة بيرزيت، وقد ترك حركة فتح أثر المجزرة وانضم لاحقاً لحماس وكتائب القسام، وكان مشاركاً بعملية ضد عدد من المستوطنين قرب رام الله مما أدى لمقتل اثنين منهم، وأثناء العملية انقلبت السيارة التي نفذوا بها العملية واضطروا للخروج منها وقد نسي أحد كراساته وراءه مما أدى لانكشافه وأصبح مطلوباً لكل من السلطة والصهاينة، إلى أن كان أحد منفذي العملية الاستشهادية الثلاثية في شارع بن يهودا عام 1997م.

نذكر الشهيد خليل الشريف لكي يكون قدوة لكل من أبناء فتح وحماس، قدوة لأبناء فتح كي لا يقبلوا بالعار الذي يعيشوه وأن تكون لهم كلمة، ونذكر هنا أحد أبطال فتح الذين ساروا على درب محو عار التنسيق الأمني وهو الأسير محمد الخطيب من بلدة يعبد، وهو ضابط شرطة سابق في أجهزة دايتون الأمنية، قرر أن لا يكون جزءاً من مهزلة التنسيق الأمني وأحيل على التقاعد المبكر، وخرج في 10/2/2010م إلى حاجز زعترة وقام بذبح أحد الجنود الصهاينة بسكين كان يحمله.

والشهيد خليل الشريف هو قدوة أيضاً لأبناء حماس لأنه كان مطارداً لكل من الصهاينة والسلطة لكنه لم يكل ولم يستسلم ولم يبك ولم يضعف، واستمر بالعمل مع خلية عصيرة الشمالية القسامية لأكثر من ثلاث سنوات، لم ينتظر النصرة من قيادة حماس التي كانت جميعها (في الضفة وغزة) معتقلة أو محاصرة، ولم ينتظر مصالحة لكي يخف الضغط عنه، لأن السلطة كانت تعتبر حقها مطاردته ومطاردة أي مقاوم دون أن يحق لحماس مجرد الاعتراض، فمن يخرج في سبيل الله لا ينتظر النصرة من البشر مهما كان أولئك البشر.

ملاحظة على الهامش:

قد يشبه البعض ما حصل في مسجد فلسطين بأحداث مسجد ابن تيمية، ويقول هذا مسجد وهذا مسجد، وهنا هجوم وهناك هجوم، وهنا سقط قتلى وهناك سقط قتلى، حسناً هذه مقارنة غير سليمة ولا تستقيم، ففي مسجد فلسطين لم يكن أحداً مسلحاً داخله، فيما قد رأينا جميعاً كيف كان مسجد ابن تيمية يعج بالمسلحين، بل خلال الخطبة كان الشباب يحيطون بالخطيب وهم يلبسون الأحزمة الناسفة، في مسجد فلسطين أطلق النار والمصلين ما زالوا داخله بينما في مسجد ابن تيمية كان الجميع قد غادر وبقي المسلحون، وفي مسجد فلسطين جميع من قتلوا من المصلين، بينما في مسجد ابن تيمية قتل من رجال الأمن ومن المواطنين الذين يسكنون بمحيط المسجد ومن المسلحين أنفسهم، في مسجد فلسطين قمع لمسيرة سلمية كانت ستخرج نصرة للعمليات الاستشهادية ضد اليهود، وفي مسجد ابن تيمية تمرد وعصيان عسكري لإقامة حكومة تنافس الحكومة الشرعية.

ربما ارتكبت حماس أخطاء في مسجد ابن تيمية، ولسنا بصدد مناقشتها، ولا أحد منزه عن الخطأ، لكن ما أردنا توضيحه في هذه الذكرى أن آفة السلطة منذ انطلاقتها هي التنسيق الأمني مع الكيان الصهيوني وما تسمى بالتزاماتها الأمنية، وما دامت هذه الآفة موجودة فلن يستقيم الوضع الداخلي الفلسطيني ولو عقدت مليون جلسة مصالحة. 

*ملاحظة (31/7/2016) الفيديو الأصلي محذوف وهذا فيديو بديل غير كامل:
 

سلطة عباس - فياض: قصة نجاح صهيونية


تقف المصالحة بين حركتي فتح وحماس عند عقبة كأداء ألا وهي الملف الأمني، وفي حين تنازل الطرفين في كافة الملفات ووصلوا إلى نقاط التقاء، إلا أنه وعندما يتعلق الأمر بالأجهزة الأمنية فلدى حركة فتح خطوط حمراء، وهي لا تتعلق بترتيبات الوضع الداخلي الفلسطيني، بل تتعلق بما يسمى "التزامات السلطة"، التزامات اتفاقية أوسلو والتزامات خارطة الطريق.

ومن المفارقات أنه في الوقت الذي تتمسك السلطة بأوسلو وخارطة الطريق، وتطبقهما بحذافيرهما، وتعرض المصالحة للخطر الداهم بسبب إصرارها على التمسك بالتزاماتها، فإنها لا تطالب الصهاينة بالالتزام بما عليهم (باستثناء كلام اعلامي لا رصيد له)، بل توافق ضمنياً على خروقات الصهاينة لاتفاقية أوسلو والتزامات خارطة الطريق.

فعلى سبيل المثال تنص خارطة الطريق على وقف الصهاينة للاستيطان مقابل محاربة السلطة للـ "إرهاب"، لكن ما نراه اليوم أن تجميد الاستيطان (وليس وقفه) هو مادة للتفاوض، والصهاينة يريدون مقابل له (مع أنه حسب خارطة الطريق فقد أخذوا المقابل منذ زمن).

أما إتفاقية أوسلو فهي اتفاقية مؤقتة كان يجب أن تحل مكانها اتفاقية "دائمة" عام 1999م، لكنها ما زالت لليوم شماعة تعلق عليها السلطة كل ما تريد تمريره من تنازلات، مع التغاضي عن خروق الاحتلال للإتفاقية، فمثلاً الترتيبات الأمنية حسب أوسلو تتضمن عدم دخول الصهاينة للمناطق أ إلا ضمن دوريات مشتركة تسير في شوارع محددة أو من خلال "المطاردة الساخنة" لمقاومين، لكن عندما استعادت السلطة "سيطرتها" على مناطق (أ) وافقت على شرط الاحتلال بسحب قواتها ليلاً لكي تمكن لقوات الاحتلال دخول المدن متى شاءت.

فما الذي دفع السلطة للقبول بهذا الواقع؟ لماذا تقبل بتخريب المصالحة من أجل اتفاقيات تلتزم بها من جانب واحد، ودون "أي مقابل"، هل ما نراه وضع طبيعي؟ هل هو امتداد لسلطة أوسلو التي أسسها ياسر عرفات؟ وأين هي مناورات عرفات المعهودة عندما كان يصعد الوضع على الأرض كلما أحس أن الصهاينة يتلكأون بالالتزام بتعهداتهم؟

ما نراه اليوم في الضفة الغربية هو قصة نجاح صهيونية بامتياز، قصة تدجين السلطة وترويضها واحتوائها، بدأت منذ عملية "الجدار الواقي" عام 2002م ومروراً بحصار عرفات في المقاطعة، وانتهاء بالرسالة التي أوصلها قادة الأجهزة الأمنية إلى عزام الأحمد قبل ذهابه إلى دمشق أن العودة للمواجهة مع الاحتلال في الضفة الغربية هي خط أحمر لا يمكن القبول بها مهما كانت الأسباب، وتصريحات الناطق باسم شرطة دايتون عدنان الضميري أن عناصر حماس يتم اعتقالهم لأنهم يهددون "التزامات السلطة" الأمر الذي اعتبره اسهتدافاً للسلطة نفسها.

وهنا سنحاول تلخيص سلسلة الخطوات والأحداث التي حصلت في السنوات الثمانية الأخيرة، والتي انتجت لنا قصة النجاح الصهيونية في الضفة الغربية:


1- هنالك مبدأ في العقيدة الأمنية الصهيونية يسمى "كي الوعي"، أي الرد على أي مقاومة عربية بعنف وقسوة مبالغ فيها حتى يصل الطرف المقابل إلى مرحلة منع أي شخص يفكر بمهاجمة الصهاينة حتى لا يعم الضرر على الجميع وتخوين كل من يهاجم الاحتلال، وتكلم موشية يعالون رئيس أركان جيش الاحتلال عام 2003 عن ضرورة "كي وعي الفلسطينيين"، وهو ما كان ممارساً قبل ذلك من خلال الضربات العسكرية لمقرات الأجهزة الأمنية، فكانت رسالة الصهاينة للسلطة وللأجهزة أنكم لا تقومون بمنع عمليات المقاومة لذا يجب أن تدفعوا الثمن (بسبب عدم المنع).

2- لكن عرفات استمر بالمراوغة، وكان يحاول الامساك بالعصا من المنتصف مما أعطى المجال للمقاومة من أجل الاستمرار بالعمليات الاستشهادية ورفع وتيرتها، بحيث وصل الصهاينة في نهاية المطاف إلى قناعة أنه يجب إزاحة نهج عرفات المراوغ من الطريق، وانتهاج استراتيجية جديدة لضرب المقاومة وتحجيمها.

3- ابتداء من نيسان – 2002م (عملية الجدار الواقي) وحتى عام 2004م شنت عمليات عسكرية واسعة النطاق في الضفة الغربية من أجل ضرب خلايا المقاومة العسكرية، وتصفية قادة المقاومة، من كافة التنظيمات والأطياف السياسية، وبدأت عملية تفريغ الضفة من الأجهزة العسكرية الضاربة.

4- بدأ حصار ياسر عرفات بشكل مشدد منذ عام 2003م وصولاً إلى وفاته (أو اغتياله) عام 2004م، وهي لم تكن عملية للتخلص من شخص مزعج فحسب، بل ليكون عبرة لمن يخلفه، وما زال ما حصل له يخيم في ذاكرة السلطة وحركة فتح، والخوف من تكرار ما حصل معه يدفع عباس وفياض وقادة الأجهزة الأمنية لهذه التصرفات الغريبة والمستهجنة.

5- منذ توليه رئاسة السلطة حاول محمود عباس نزع سلاح المقاومة، وفي البداية طرح على الأمريكان احتواء حماس ونزع سلاحها من خلال ادماجها بالعملية السياسية، وحتى يستدرجها طلب منها أكثر من هدنة في العام 2003م (أثناء رئاسته للوزراء) والعام 2005م، وكان ينوي الاستمرار ليصل إلى مطلب نزع سلاحها بالكامل (هي وكافة فصائل المقاومة). كان عباس نموذجاً للقيادة الفلسطينية الجديدة التي طالب بها الأمريكان.

6- في موازاة جهود محمود عباس اعتمد الصهاينة على سلسلة من الخطوات الاضافية ابتداء ببناء جدار الفصل العنصري، وتلا ذلك البدء بحملة اعتقالات واسعة النطاق بحق نشطاء حماس في الضفة الغربية أواخر عام 2005م، طالت قطاعاً واسعاً من نشطاء الحركة بما فيهم نشطاء قدماء ونشطاء انقطعوا عن العمل منذ سنوات، وأطلق المعتقلون عليها تندراً حملة "نبش القبور"، لكنها في الحقيقة كانت قراراً استراتيجياً صهيونياً بضرب البنية التحتية لحركة حماس في الضفة الغربية ومطاردة مؤسساتها المدنية ومصادر تمويلها، وعدم اعطاء حماس الفرصة لالتقاط الأنفاس.

7- بعد انتخابات عام 2006م وتشكيل حماس للحكومة لم يعد بالإمكان الاستمرار بمخطط محمود عباس، لأن الحركة لم تقبل الخضوع لسياسة الاحتواء بل حاولت جر السلطة إلى مربعها هي، وتم تحريض حركة فتح لإفشال تجربة حركة حماس وفق سياسة "الفوضى الخلاقة" حسب تعبير كونداليزا رايس، وحوصرت الحكومة مالياً لكي تعجز عن دفع الرواتب، وبدأت الأمور بمناكفات حزبية لكنها انتهت إلى زرع قناعة في وعي القاعدة الفتحاوية بأن الراتب رهينة بيد الاحتلال الصهيوني، لذا نجد اليوم الاشاعات تخرج بأن السلطة تمر بأزمة مالية قبل كل جولة مفاوضات للسلطة مع الكيان الصهيوني، وذلك لقتل كل معارضة لهذه المفاوضات من خلال الايحاء "إذا لم تذهب السلطة للمفاوضات سيتكرر ما حصل مع حماس."

8- عندما وصل سلام فياض لرئاسة الحكومة بعد الانقسام عام 2007م بدأ بسلسلة تغييرات جوهرية على بنية حركة فتح والسلطة، فقام باحالة أكثر من أربعة آلاف ضابط من الأجهزة الأمنية على التقاعد المبكر وبشروط مغرية، والقاسم المشترك بينهم أنهم أعضاء من حركة فتح يمثلون العهد السابق (عهد عرفات) بمعنى آخر يوجد خطر من تكرار تجربة بداية انتفاضة الأقصى وحملهم السلاح ضد الصهاينة، وبدأ بالتنسيق مع الأمريكان والصهاينة من أجل إعادة بناء الأجهزة من جديد.

9- وهنا أتى دور الجنرال الأمريكي دايتون، وحتى نفهم دوره بالشكل الصحيح، فدايتون "الرجل" جاء من أجل تدريب الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة وإعادة بناءها من ناحية فنية ومهنية، وهو لا يتخذ قرارات الاعتقال ولا يشرف مباشرة على رسم سياسات الأجهزة الأمنية، لكن حتى يعاد تشكيل عقيدة الأجهزة الأمنية تم "خلق" شماعة اسمها دايتون، فحتى لا يعترض ضباط ومنتسبي الأجهزة على القرارات التي تخالف قناعاتهم الوطنية أو الدينية يقال لهم "هذه أوامر دايتون"، ويحوم في ذهنهم مصير عرفات الذي "اغضب الأمريكان"، ومرحلة "قطع الرواتب"، فيقبلون القيام بالمهمات القذرة ويقنعون أنفسهم بأنهم "مضطرين"، فتم خلق أجهزة أمنية جديدة فبدلاً من الفتحاوي المتمرد على الأوامر والذي يعمل ما يحلو له أصبح الفتحاوي منضبطاً لا يخالف الأوامر ما دامت "صادرة" عن دايتون.

10- في موازاة ذلك بدأت حملة تهيئة نفسية لقاعدة فتح الشعبية، وقد أصبحت مهيأة لقبول الكثير من الأمور، فأصبحت الحرب مع حماس هي المعركة المصيرية، وأصبح كل شيء يمرر على أنه من متطلبات الحرب مع حماس، ومن أجل تبرير التعامل مع العدو الصهيوني تم الحرص على إبراز حماس كعميل لإيران "العدو العقائدي"، و"ما فيه حدا أحسن من حدا" و"نحن عملاء وهم عملاء" وهو ما يسمى في علم النفس الاسقاط؛ أي أن تسقط عيوبك على الآخرين حتى تبرر لنفسك ما تقوم به، وإذا سألتم لصاً يوماً لماذا تسرق فستكون إجابته "كل الناس حرامية".

11- بدأ الصهاينة بعدها بتسليم الأجهزة التابعة للسلطة مهمات للقيام بها بشكل تدريجي حتى يتاكدوا من التزامها بمعايير محددة تثبت "كفاءتها"، وكلما أثبتوا كفاءتهم كلفوهم بمهمة جديدة وهكذا، وحتى يعطوهم شعوراً بالانجاز وحافزية يسمون المهمات بتسليم السيطرة الأمنية للسلطة، علماً بأنها تسمية فارغة المضمون لأن السيطرة النهائية هي لجيش الاحتلال الذي يحتفظ بحقه في التدخل متى شاء، لكن يتم تغليفها بمسمى براق لكي يشعر قادة الأجهزة الأمنية أن لديهم "ما يخسرونه" وبالتالي يحرصوا على السير قدماً في إثبات "كفاءتهم" للصهاينة.

12- وصلنا إلى مرحلة تمكن الصهاينة ترويض الأجهزة الأمنية، وإعادة تشكيل تفكير القائمين عليها بحيث يعرفوا ما "المطوب" منهم بدون أن يقول لهم أحد أو (يفهموها على الطاير) كما هو التعبير الشعبي، وبالتالي الحديث عن المصالحة مع حماس يستحضر عدة هواجس لدى الأجهزة الأمنية: حماس عدو، وحماس لها "أجندة خارجية"، والمصالحة مع حماس تعني الاخلال بالتزامات السلطة تجاه "الطرف الآخر" – أي الصهاينة، والمصالحة تعني عودة الحصار وتكرار مأساة قطع الرواتب وما حصل لعرفات.

13- فهكذا نجد الأجهزة الأمنية ومنظومتها تبدأ العمل كلما اقترب الحديث عن جلسات للمصالحة: تصعد من اعتقالاتها لمؤيدي حماس وتخترع قصصاً عن مؤامرات حمساوية لاغتيال مسؤولين في السلطة، تبدأ ببث الاشاعات عن تهديدات صهيونية بإعادة احتلال الضفة في حال تم التوصل لمصالحة (وكأنه الضفة ليست محتلة أصلاً)، وتحاول التمسك بشكليات تافهة (مثل مكان انعقاد جلسة الحوار)، ففتح والسلطة لا تجرؤ اليوم على التفكير بمصالحة مع حماس، ما لم تتضمن هذه المصالحة جر حماس إلى مربع ارتباطات فتح الأمنية وبالتالي الحصول على مباركة صهيونية وأمريكية.


الأربعاء، 27 أكتوبر 2010

كيف تنقلب فتح على مناضليها!! آل البرغوثي نموذجاً

كانت المقاومة في الضفة الغربية وقطاع غزة تمر بمرحلة ركود في الفترة بين منتصف السبعينات وبداية الثمانينات، وكان الهدوء النسبي واللهاث وراء لقمة العيش هو السمة السائدة، باستثناء عمليات متفرقة ساهمت باستمرار شعلة المقاومة والجهاد.

وكان من ضمن ذلك ما قام به ثلاثة شبان من قرية كوبر شمالي رام الله في مطلع عام 1978م: عمر البرغوثي (أبو عاصف) وشقيقه نائل، وابن عمهما فخري، فقد قام ثلاثتهما بقتل أحد المستوطنين، وسرعان ما ألقي القبض عليهم -كان أولهم (وأصغرهم عمراً): نائل البرغوثي ولهذا هو اليوم أقدم الأسرى وعميدهم- وحكم عليهم بالسجن المؤبد، كان الثلاثة مثلهم مثل أغلب المواطنين الفلسطينيين المحافظين في تلك الأيام من مؤيدي حركة فتح ومناصريها، ومن المتأثرين بالمقاومة المسلحة التي كانت تقودها حركة فتح في تلك الأيام.

سمى عمر البرغوثي ابنه الأكبر عاصف تيمناً بالعاصفة الجناح المسلح لحركة فتح في حينه، وكان ثلاثتهم من المؤمنين بالعمل المقاوم المسلح في وقت كان غيرهم غارقاً في هموم الحياة والسعي خلق الرزق، وكان ثلاثتهم (لفترة من الزمن) من رموز حركة فتح في سجون الاحتلال، إلى حين بدأت حركة فتح تتنازل عن مسيرة المقاومة والكفاح المسلح وتلقي بسلاحها وترفع غصن الزيتون.

عمر البرغوثي "أبو عاصف" أطلق سراحه في صفقة التبادل مع الجبهة الشعبية القيادة العامة عام 1985م، ولعل نوعية الأسرى الذين حرروا في تلك الصفقة مثل الشيخ أحمد ياسين وأبو عاصف ودورهم في الانتفاضة الأولى وما بعدها جعل الصهاينة يندمون شديد الندم على تلك الصفقة، ودفعهم للتشدد في كل الصفقات التالية.

أبو عاصف لم تنته مسيرته المقاومة مع صفقة التبادل، بل بدأت (حتى عندما تركت فتح السلاح وركنت إلى مدريد وأوسلو) فاستمر مؤمناً بالكفاح المسلح والمقاومة والجهاد، وعمل مع يحيى عياش ووفر له المأوى والمساعدة، وعندما سجن عام 2003م كانت تهمته مساعدة خلية عين يبرود القسامية وتزويدها بالسلاح، كما عمل مع المقاومة بدون أي انحياز لتنظيم دون آخر، فقد حرص على أن يكون وحدوياً يعمل مع الكل ما دام الهدف هو محاربة المحتل الصهيوني.

فسجن أبو عاصف مرات عدة في سجون الاحتلال ووصل ما أمضاه في سجون الاحتلال إلى 22 عاماً من سنوات عمره الـ55، وأبو عاصف لمن لا يعرفه كان أسطورة في الصمود بالتحقيق، وكان يرفع معنويات الشباب في زنازين التحقيق بالمسكوبية وكان دائم الترداد على أسماعهم مقولة "المعنويات عالية والمسكوبية واطية"، وكان يرفض الاعتراف أمام المحققين حتى لو كانت أمور يعرفونها تمام المعرفة.

أبو عاصف لم يعرف الانهيار أو الضعف عندما رأى زوجته في زنازين المسكوبية حيث اعتقلها المحققون ليضغطوا عليه وليبتزوه، كما عرف أبناؤه سجون الاحتلال، وكان أول عمل قام به ابنه الثاني عاصم بعد خروجه من سجون الاحتلال قبل أربعة أعوام هو محاولة أسر أحد المستوطنين ليقضي اليوم حكماً بالسجن لمدة 12 عاماً على محاولته تلك.

نائل البرغوثي (أبو النور) ما زال في الأسر المتواصل منذ أكثر من 32 عاماً، يعيش اليوم عند حركة حماس داخل السجن، لكنه مثل شقيقه وحدوي الفكر وصاحب عزيمة متوقدة وقدوة لغيره من الأسرى، وبدلاً من أن يرفع الأسرى معنويات هذا الطود الشامخ بعد أن عاش أكثر سنوات عمره في سجون الاحتلال يعمل هو على رفع معنوياتهم بشكل مستمر، ويتميز أبو النور بميزة لا توجد لدى غيره من الأسرى الفلسطينيين، فأبو النور يرفض أن يشتري أي من احتياجاته من كنتينا السجن ولا أن يحضر أهله له على الزيارة الملابس أو أي من احتياجاته (باستثناء الملابس الداخلية ولسبب بسيط أن ادارة السجن لا تزود الاسرى بها)، ولأبي النور فلسفته الخاصة وهي أن المحتل يجب أن يتحمل مسؤولية الأسير لا أن يستغل احتياجات الأسير ويبتز منه الأموال ويدفعه للحياة على حسابه الخاص.

تصوروا إنساناً يعيش 32 عاماً فقط على الملابس والطعام الذي يقدمه له السجان، أي سجين آخر في العالم يتمنى لو يغير هذا الروتين القاتل، وأبو النور تتاح له الفرصة لكن لديه رسالة ليؤديها، ولديه عزيمة الصخر، ولم يفت في عضده أن أحداً من الأسرى لا يشاركه فكرته ومبدأه هذا، فما دام مقتنعاً ومؤمناً بما يقوم به فهو سعيد ومسرور.

الأسير فخري البرغوثي ما زال يعيش في السجن مع حركة فتح بالرغم من تخلي الحركة عنه، ولا تتذكره إلا عندما تريد المتاجرة بآلامه ومعاناته لتطهر سمعتها التي لطختها ممارسات الأجهزة الأمنية، ربما ما زال يأمل خيراً في أبناء فتح، وربما يأمل أن طول مدة بقائه في حركة فتح تتيح له فرصة التغيير من الداخل، وانضم إليه قبل سنوات قليلة ابنه شادي والمحكوم بالسجن لمدة 29 عاماً.

ومن قبل أبو عاصف وأبو النور كان والدهما المرحوم أبو عمر من المشاركين بثورة عام 1936م وسجنه الأنجليز، لكن كل هذا التاريخ المقاوم لم يشفع لأبي عاصف عند سلطة دايتون، كما أن نفسه الوحدوي لم يعن للسلطة شيئاً، وبالرغم من عمله مع حركة حماس، إلا أنه حرص على أن يحافظ على مسافة متقاربة من جميع الفصائل، وهذا يثبت أن السلطة لا تحارب فقط من تظن بهم "النفس الانقلابي الحمساوي"، بل هي تعتبر أن كل من يمس بالتزاماتها (حسب تعبير عدنان الضميري) تجاه المحتل الصهيوني خطراً يجب وقفه عند حده.

فقامت السلطة باعتقاله قبل حوالي الثلاثة أسابيع وأمضى 15 يوماً في زنازين الوقائي، بدون احترام لسنه ولا احترام لتاريخه، ولا احترام لكونه ابناً سابقاً لحركة فتح، ولا احترام لنفسه الوحدوي، ولا احترام لشقيقه عميد الأسرى ولا ابن عمه عميد أسرى حركة فتح، كلها ذهبت أدراج الرياح فهي لا تعني شيء لأجهزة دايتون – مولر، التي تعتبر أن أرضاء "الجانب الآخر" هو عقيدتها القتالية ورسالتها السامية.

لا ندري ماذا دار في زنازين التحقيق، لكن تهديد شقيقه وابن عمه بالاضراب عن الطعام، والتحركات الواسعة لاطلاق سراح أبو عاصف أحرجت السلطة فلم تجد بداً من اطلاق سراحه الخميس الماضي، ومثلما يحصل في مثل هذه الحالات يتولى المحتل الصهيوني متابعة المهمة، فداهمت قوات الاحتلال منزله في قرية كوبر بنفس اليوم الذي أطلق فيه سراحه، لم يكن أبو عاصف موجوداً في المنزل فقد كان ذهب للإطمئنان على شجر الزيتون التابع للعائلة فقد حان موعد الحصاد وهو في زنازين الوقائي (ونلوم بعدها المستوطنين الذين يمنعون الفلاحين من قطاف زيتونهم)، فعاث جنود الاحتلال خراباً في منزل أبو عاصف وكسروا الأثاث وتركوا له تبليغاً بضرورة مراجعة مخابراتهم.

وقع أبو عاصف في أسر المحتل الصهيوني بعد ذلك بأيام قليلة (الأحد الماضي)، وهو الآن في زنازين التحقيق، وربما كان مشبوحاً في زنازين المسكوبية (فلا أحد يدري مكانه) يسأله المحققون الصهاينة عن ما دار معه في أقبية الوقائي من أجل استكمال استجوابه، ربما تمنع وحدوية أبو عاصف لعن جهاز الأمن الوقائي وكل من ساهم بتسليم معلومات عنه إلى المحتل الصهيوني، لكني متأكد ومتيقن أن القيود التي تلف قدميه ويديه في التحقيق تلعنهم ألف مرة، فهذا رجل قضى أغلب حياته بين زنازين التحقيق وغرف سجون الاحتلال، أفلم يخجل أبناء الوقائي من فعلتهم هذه؟ لماذا يزيدون في معاناة مناضل كبير مثله؟ ألا يكفيه 22 عاماً في السجن؟ أيقبلون أن يفعل بوالد أحدهم مثل هذا؟

أبو عاصف كان ابناً لحركة فتح قبل أن يكون اباً لحركة حماس، وبدل من أن تكرمه حركة فتح وتحتفي به، ها هي تساهم باعتقاله وتسليم المعلومات عنه للمحتل الصهيوني، والله أعلم ما طبيعة المعلومات التي زودوا بها المخابرات الصهيونية والتي دفعت المخابرات لمداهمة منزله بنفس اليوم الذي أفرج عنه وتكسير أثاث منزله وتفتيشه شبراً بشبر، وربما لن نعرف أبداً لأن أبو عاصف عودنا على الصمود في التحقيق وعدم الافصاح عن ما يختزنه صدره من أسرار، ولو كان على حساب حياته ولو كان على حساب حياة أسرته.

من العار أن تتخلى حركة فتح عن مناضليها وتتنكر لهم وتغدر بهم، وفي الوقت الذي ترتكب التجاوزات في الضفة الغربية بحجة الصراع مع حركة حماس، فقصة أبو عاصف وآل البرغوثي لتدل على أن تجاوزات حركة فتح لهي أخطر من ذلك بكثير، إنها تصل لمرحلة العمالة المقنعة (وربما العمالة الصريحة).

الأربعاء، 20 أكتوبر 2010

تصريحات عبد ربه وعباس: عذر أقبح من ذنب

خرج علينا ياسر عبد ربه قبل أيام بتصريح خلال لقاءٍ مع صحيفة هارتس بأنه لا يمانع بالاعتراف بيهودية الدولة العبرية بعد ترسيم حدود الدولة الفلسطينية، ومثل هذه اللقاءات معتادة بين رموز السلطة والصحيفة الصهيونية يسارية التوجه، فقبل عامين قال سلام فياض في لقاء مع الصحيفة أنه يطالب برفع الحواجز التي لا تخدم أمن الاحتلال، وقال أنه سيوافق على حواجز الاحتلال التي تقدم حماية للمستوطنين والمحتل الصهيوني (فقط يريد إزالة ما لا لزوم له).

في اليوم التالي لتصريح عبد ربه خرج نافياً ما نسب إليه، وقد نشرت وكالة معاً وموقع البي بي سي بالعربية توضيحاً لتصريحاته كما خرج موضحاً على قناة الجزيرة، وليته ما وضح حيث قال أن السلطة مستعدة لبحث أي شيء بعد تحديد حدود الدولة الفلسطينية والتوصل إلى تسوية وأنه سيتم الاعتراف بـ"إسرائيل كما هي"، بمعنى هو لا يرفض مبدأ الاعتراف بيهودية الدولة بل يريد التباحث بشأنها لاحقاً.

أما محمود عباس فقد رد على أسئلة الصحفيين خلال مؤتمر صحفي عقده مع وزيرة الخارجية الفلندية الخميس الماضي بقوله: "موقفنا اليوم أننا معترفون باسرائيل، ولكن إذا أراد الإسرائيليون أن يسموا أنفسهم أي اسم فعليهم أن يخاطبوا الأمم المتحدة، لأن هذا الموضوع ليس من شأننا"، أي أن تسمية الصهاينة لدولتهم بدولة اليهود ليس من شأن السلطة.

قد يقول قائل: "وما أدراك أنه سيقبل بيهودية الدولة عند بحث أمرها في وقت لاحق؟" ببساطة لأن تاريخه وتاريخ سلطته يثبت أنهم خلال السنوات الماضية قد وافقوا عملياً على أي شيء طرحه الصهاينة، فلو أخذنا خارطة الطريق التي وافقت عليها السلطة ووافق عليها الصهاينة مع 14 تحفظاً، الصهاينة لم ينفذوا أي شيء مما التزموا به فيما السلطة نفذت كل شيء، وبعد ما نفذت كل شيء بدأت التفاوض من جديد.

السلطة باختصار عودتنا على الخضوع لكل ما يطرحه الصهاينة، ومن الناحية الأخرى فتهرب عبد ربه وعباس من الرفض الصريح ليهودية الدولة يعني إما أنهما يقران ويعترفان بيهودية الدولة أو أنهما يخافان من رفض يهودية الدولة، وعلى كلا الوجهين النتيجة واحدة: "الخضوع لرغبة الصهاينة بدولة يهودية".

كلا يا ياسر عبد ربه؛ يهودية الدولة العبرية ليست أمراً مطروحاً للنقاش لا اليوم ولا بعد ألف عام، وكلا يا محمود عباس يهودية الكيان المصطنع ليس شأناً صهيونياً داخلياً، هذه تبريرات أقبح من الاعتراف بيهودية الدولة، فاستعداد عبد ربه لنقاش أي شيء يعني استعداده لمناقشة قرار صهيوني بطرد مليون ونصف فلسطيني مستقبلاً، واعتبار محمود عباس أن للصهاينة شؤون داخلية لا ينبغي التدخل فيها يعني حقهم بهدم الأقصى وتهويده بوصفه شأناً داخلياً، وحقهم بتهجير الفلسطينيين المقيمين داخل فلسطين المحتلة بوصفه شأناً داخلياً، ربما يحق له رفض استقبالهم في الضفة الغربية فقط لا غير.

قد يقول قائل: "وما يضير الاعتراف بيهودية الدولة ما دامت السلطة اعترفت بما تسمى إسرائيل؟" في الواقع الاعتراف بالكيان الصهيوني جريمة، والاعتراف به كدولة لليهود جريمة مضاعفة، لأنه في الوقت الذي يتم محاصرة الكيان الصهيوني دولياً وعالمياً بوصفه دولة عنصرية بغيضة يأتي ومن يعتبر عنصرية الصهاينة شأناً داخلياً أو أمراً قابلاً للنقاش، وكأنه يقول لكل من يحارب عنصرية الكيان الصهيوني أنتم مخطئون هذه الدولة لليهود وليست لنا، وبالتالي يضعف موقف كل من يدعم الشعب الفلسطيني ويقوي موقف أنصار الصهيونية في كل مكان بالعالم.

الأخطر من ذلك هو إعطاء الصهاينة المبررات لتهجير الشعب الفلسطيني من داخل الخط الأخضر، واعتبارهم مجرد مقيمين في دولة "اليهود"، وإذا عارض أحد ما التهجير عندما يحصل فعلياً في المستقبل سيقول لهم الصهاينة انتظروا الأمر خاضع للتفاوض مع السلطة ولا داعي لأن تتدخلوا بالمفاوضات بيننا وبينهم ولا أن تكونوا أكثر فلسطينية من الفلسطينيين، ومثلما هو الأمر مع المستوطنات اليوم سينفذ الصهاينة ما يريدون والمفاوضات تسير وتسير وتسير دون أن نحقق أي شيء.

وأذكر هنا بأنه عندما بدأت منظمة التحرير التفاوض عام 1991م كانت الحجة هي وقف الاستيطان وكبح جماح المستوطنات. حسناً تضاعف عدد المستوطنين من يومها أربع مرات تقريباً في الضفة الغربية، ومعدل زيادتهم السكانية تصل إلى 6% سنوياً مقابل 1.8% الزيادة السنوية للصهاينة في الكيان، والاستيطان مستمر ومستمر، والمفاوضات تسير وتتوقف دون أن تنجز السلطة شيئاً.

وبعد فتح يهودية الدولة للنقاش سينفذ الصهاينة ما يريدون، وبنفس المنطق سيتفاوضون وسيتفاوضون وسيتفاوضون فيما الصهاينة يحولون دولتهم إلى دولة يهودية خالصة دون أي معارضة حقيقية؛ مجرد اعتراض خجول، مثل اعتراض عباس وعبد ربه الذين يتهربان من رفض يهودية الدولة بجعلها مسؤولية دولية أو شأناً داخلياً صهيونياً.

فلتكن الأمور واضحة: يهودية الكيان الصهيوني ليس أمراً خاضعاً للنقاش والجدال، بل يجب استغلال المطالب الصهيونية هذه لفضح الكيان ولفتح الملفات المغلقة: ملف اللاجئين وملف من طردوا من أرضهم من أجل إقامة دولة يهودية نقية. فمطالب الصهاينة بدولة لليهود فقط دون غيرهم، وتبرير ذلك لطرد أهل البلاد الأصليين عام 1948م ولطرد ما تبقى منهم مستقبلاً هي فضيحة أخلاقية، ولا يجب تفويتها بتصريحات جبانة تميع القضية الفلسطينية وتقدم الخدمات المجانية للصهاينة.

الخميس، 14 أكتوبر 2010

المصالحة الفلسطينية وعقدة العقد

يعقد بعد حوالي أسبوع أيام لقاء في دمشق بين حركتي حماس وفتح من أجل بحث الملف الأخير العالق من ملفات المصالحة الفلسطينية، وهو ما يسمى بالملف الأمني، بعد أن حلت بقية نقاط الخلاف التي أخرت التوقيع على الورقة المصرية والمضي قدماً في المصالحة.

وتأخير الملف الأمني لم يكن عبثاً ولا صدفة، بل لا نبالغ إن قلنا أن الملف الأمني هو عقدة العقد وهو السبب الرئيسي لكل ما وقع بين حماس وفتح من صراع منذ انتخابات عام 2006م؛ صحيح يوجد خلافات وتنافس بين التنظيمين على قيادة الشعب الفلسطيني، وصحيح أنه سبق وأن وقعت بينهما صدامات ومواجهات في أكثر من مناسبة وذلك منذ أيام الانتفاضة الأولى (وهنا نتذكر مواجهات عامي 1990م و1991م بين الحركتين)، لكن كلها قضايا يمكن حلها ويمكن الوصول إلى حلول وسط والتعايش معاً وإن كان على مضض.

أما الملف الأمني فيختلف عن غيره لأن له ارتباط بجهات خارجية غير فلسطينية، فالملف الأمني مرتبط بالاحتلال الصهيوني، وذلك لأن الاحتلال الصهيوني نجح بتحويل العلاقة بينه وبين السلطة إلى علاقة أمنية، ونجح بتحويل القضية الفلسطينية إلى معادلة توفير الأمن للصهاينة مقابل الراتب، ففي الوقت الذي تتجمد فيه المفاوضات ولا يتحقق شيء بين السلطة وحكومة الاحتلال يستمر التنسيق الأمني بشكل سلس وبدون أي عراقيل.

فالسلطة الفلسطينية حريصة على الإيفاء بالتزاماتها الأمنية تجاه الاحتلال الصهيوني، وهذا يعني استمرار مطاردة المقاومين، واستمرار اعتقالهم، واستمرار تقديم المعلومات للمحتل الصهيوني، وهذا يعني بالضرورة بقاء أبناء حركة حماس في سجون السلطة، وتقييد حركتهم وحركة المقاومين في الضفة الغربية بشكل كبير، وهذا يعني أن حماس لن تحصل على شيء من المصالحة مقابل تنازلات تقدمها للسلطة وحركة فتح.

ولا تظهر حركة فتح أي جدية في التوقف عن التنسيق الأمني حتى عندما يصرح شخص مثل حاتم عبد القادر بأن فتح ستقدم المصالحة على التنسيق الأمني في حال تعارضهما معا، فهذا يعني أنه يقبل بالتنسيق الأمني، والسؤال الذي نطرحه على حاتم عبد القادر وغيره لماذا التنسيق الأمني من أساسه؟ التنسيق الأمني كما عهدناه منذ قدوم السلطة يعني تقديم المعلومات الاستخبارية للمحتل الصهيوني، وتعني اعتقال "المطلوبين" للاحتلال الصهيوني، ومؤخراً باتت تعني القيام بأعمال استباقية لمنع أي عملية ضد المحتل الصهيوني.

وقبل أيام صدر بيان عن حركة فتح أقليم بيت لحم يستنكر زيارة أشكنازي للمدينة واجتماعه مع المسؤولين، واستهجن البيان "لقاءات غير أمنية جرت في عتصيون، من بينها إفطار جماعي في رمضان حضره عدد من المسؤولين الفلسطينيين،" وكأن اللقاءات الأمنية مبررة، وكأن التنسيق الأمني مسموح لكن ليبقى أشكنازي بعيداً ولا يزورنا.

إن مشاركة مسؤولين في السلطة بإفطارات جماعية في مستوطنة صهيونية لهو أمر مقزز وعديم الذوق تماماً، نتفق في ذلك مع حركة فتح، لكن التنسيق الأمني أسوأ من ذلك بكثير لأنه يعرض حياة الناس للخطر، ويعرض حياة المقاومين للخطر مثلما حصل مع الشهيدين نشأت الكرمي ومأمون النتشة والذين ساهمت الأجهزة الأمنية الفلسطينية بالكشف عن هويتهما وعن تسريب معلومات عنهما إلى الصهاينة، والتنسيق الأمني يزج بخيرة الشباب في سجون السلطة وسجون الاحتلال لتضيع سنوات غالية من عمرهم، وأخيراً التنسيق الأمني يحول حركة فتح وأجهزتها الأمنية إلى جيش لحد من حيث يدرون أو لا يدرون.

بناء على ما سبق أشك في نجاح لقاء دمشق نظراً لحرص حركة فتح والسلطة على إبقاء علاقة التنسيق الأمني مع الصهاينة، فرغم تعطل كل شيء بين السلطة والكيان الصهيوني إلا أن التنسيق الأمني مستمر ولم يقطع يوماً واحداً حتى في ذروة سنوات انتفاضة الأقصى، وبقاء التنسيق الأمني يعني الآتي:

1- عدم اطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين في الضفة، ستبقى نسبة كبيرة منهم معتقلين لأن اعتقالهم هو استحقاق يقدم للصهاينة.

2- رفض إشراك أبناء حماس في الأجهزة الأمنية بالضفة الغربية ورفض إعادة بنائها.

3- سعي فتح للعودة إلى ممارساتها السابقة في قطاع غزة، من خلال عودة أجهزتها الأمنية إلى القطاع، وستكون البداية من خلال الاكتفاء برفع التقارير الأمنية إلى الصهيانة والتجسس على المقاومة لتطور لاحقاً وتصبح مضايقة للمقاومة إن سمحت الأمور بذلك.

بدون ذلك فالصهاينة والأمريكان سيمنعوا محمود عباس من قبول الاتفاقية، وحتى لو وقعت فلن تطبقها الأجهزة الأمنية، فهل السلطة قادرة على مخالفة ما يأتيها من الصهاينة؟ ما نراه من مواقف وممارسات خطيرة تتم في الضفة الغربية تثبت أن الأجهزة الأمنية لا تقودها فتح ولا محمود عباس ولا حتى دايتون وفياض لهما تلك القوة والتأثير على تلك الأجهزة مقارنة بما يملكه ضباط الارتباط الصهاينة، لأن هنالك ثقافة معششة في عقول الأجهزة الأمنية أنه لكي تسير الأمور يجب أن يثبتوا ولاءهم واخلاصهم للصهاينة.

لكي تسير المصالحة قدماً يجب أن تسحب فتح الحاضنة الشعبية للأجهزة الأمنية في حال رفضت الالتزام بما يتم الاتفاق عليه، ويجب قبل ذلك أن تتمسك بما يتم التوصل إليه بخصوص الأجهزة الأمنية وأن تتحدى الصهاينة والأمريكان، وأن ترفض شروطهم وضغوطهم.

وفي المقابل على حماس أن لا تحرج فتح بطلباتها، فلا أظن (مثلاً) أنه من الضروري الاصرار على إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية بالضفة لأن ذلك غير ممكن في ظل الظرف الراهن، يكفي حماس تحقيق أمرين اثنين: اطلاق أبنائها من سجون السلطة في الضفة، والسماح لها بممارسة نشاطها في الضفة كما كان سابقاً، لا يجب أن تثقل حماس بشروطها حتى وإن كانت شروطاً عادلة.

عند النزول إلى مستوى التفاصيل ستجد حماس نفسها أمام الكثير من النقاط التي من الممكن أن تفجر المصالحة، والأصل أن تتحلى بمرونة فالضغط الممارس على فتح كبير جداً، وفتح أمام خيارين: إما العودة إلى المعسكر الوطني الفلسطيني أو الاستمرار بالارتماء في الحضن الصهيوني، والخيار الثاني مدمر لحماس ولفتح وللشعب الفلسطيني، وبالتالي يجب أن توفر حماس الأجواء المناسبة لفتح كي تعود إلى المعسكر الوطني، وهذا يعني عدم التمسك بكل المطالب والاقتصار فقط على التمسك بما هو مهم وضروري: رفع الحظر عن نشاط حماس بالضفة، اطلاق سراح الأسرى، والاشتراط بأن تكون عملية إعادة بناء الأجهزة الأمنية في غزة على أسس تضمن عدم تكرار تجربة الضفة الغربية من ممارسات معادية للشعب الفلسطيني ومقاومته.

توضيحات لا بد منها حول رفع ضريبة المحروقات في غزة

هنالك من يحاول التصيد للحكومة الفلسطينية الشرعية بقيادة اسماعيل هنية في غزة، ولا يوفر شاردة ولا واردة لتصويرها على أنها تضيق على الناس أرزاقهم وتجبي الأموال والضرائب، وكأنه لا يوجد حكومة في العالم لا تجبي الضرائب والرسوم إلا حكومة غزة.

بداية لا يوجد دولة في العالم منذ فجر التاريخ إلا ولها مصدر للدخل لكي تصرف على موظفيها والعاملين لديها وللأنفاق على النفقات العامة بكافة أشكالها. والدولة الإسلامية قديماً كان لها الزكاة مصدراً للدخل للانفاق على الفقراء والمحتاجين ومصارف الزكاة، بالإضافة للعشر والخراج وكانت تصرف على النفقات العامة المختلفة.

الضريبة اليوم مثلها مثل العشر والخراج هي للإنفاق على النفقات الحكومية العامة، من أجل تنفيذ المشاريع وصرف رواتب الموظفين، ومثل أغلب الحكومات الفقيرة لا يوجد لحكومة غزة مصدر للدخل سوى الضرائب بأشكالها المختلفة.

الأمر والأدهى أنه فيما تنتقد الضرائب التي تحصلها حكومة غزة نجد المنتقدين ساكتين عن الضرائب التي تجبيها حكومة رام الله من أهل غزة (ولا أتكلم عن الضرائب التي تجبى في الضفة فهي خارج موضوعنا). ففي حين أن الضريبة على المحروقات التي تجبيها حكومة غزة أصبحت 60 أغورة عن كل ليتر محروقات بدلاً من 30 أغورة، يتعامون عن حقيقة وهي أن المحروقات التي تدخل عن طريق اليهود أكثر من 70% من قيمتها عبارة عن ضريبة تفرضها السلطة، يعني 4 أو 5 شيكل من قيمة كل ليتر بنزين أو سولار، بما فيه السولار لمحطة الكهرباء يذهب ضريبة للسلطة في رام الله.

هذه حقيقة يتعامى عنها البعض ويجهلها الكثيرون، فالمحروقات التي تأتي من اليهود سعرها مرتفع ليس لأنها تشترى بثمن باهظ، بل لأن معظم ثمنها يذهب للسلطة في رام الله على شكل ضريبة محروقات، والفرق بينها وبين الضريبة التي تفرضها على المحروقات المهربة من مصر هو أن اليهود يحصلوا الضريبة ثم يعطوها للسلطة كاملة غير ناقصة. فيما الضريبة التي تفرضها حكومة غزة تحصلها مباشرة.

وليس هذا فقط بل أن البضائع التي تدخل عن طريق المعابر الصهيونية إلى غزة يدفع أهل غزة 17% من قيمتها للسلطة على شكل ضريبة القيمة المضافة، وتذهب للسلطة في رام الله مباشرة فيما لا تحصل حكومة غزة ضريبة على البضائع المهربة من غزة (باستثناء المحروقات والسجائر) ولا على القادمة عن طريق المعابر مع الكيان الصهيوني.

كل هذه الرسوم تذهب إلى سلطة دايتون، ثم يمنوا على الموظفين بغزة ويقولون نحن نتكفل بالرواتب ويمنعوا الرواتب عن هذا وذاك، وهي كلها أموال يدفعها أهل غزة وهي لهم، وفوق ذلك يلوموا حكومة غزة الشرعية ويقولوا يجب أن تنفق على الجميع ولا يجب أن تجمع الضرائب ويجب أن تخلق الوظائف ويجب ويجب، من أين؟ تأتيها مساعدات لكن المساعدات كم ستغطي من مصاريفها؟ وهل المساعدات تدوم للأبد؟

وللعلم فقط المساعدات من العالم الخارجي التي تقدم للسلطة في رام الله تذهب جميعها تقريباً لتنفيذ مشاريع، أما الرواتب فتغطى من الضرائب المختلفة التي تحصلها السلطة من أهل الضفة وغزة: ضريبة القيمة المضافة، وضريبة المحروقات وضريبة الجمارك، وضريبة الدخل.

وهنا أشير إلى نقطة حتى أكون منصفاً: حسب اتفاقية باريس (الملحق الاقتصادي لاتفاقية أوسلو) السلطة مقيدة بأسعار المحروقات التي تبيعها (لكن الأرباح والضرائب تذهب لهيئة البترول التابعة لوزارة المالية). لا تستطيع السلطة خفض اسعار المحروقات لأقل من الأسعار الصهيونية إلا ضمن شروط معينة، وهذا ليس لأنها تشتريها بثمن غالي بل لأن الاتفاقية تقيدها بذلك.

كل هذه الأمور وغيرها سأثبتها لكما من خلال أرقام وزارة المالية التابعة لفياض ومن خلال نصوص القوانين ومن خلال كتب دراسية معتمدة.

أبدأ ببرتوكول اتفاقية باريس الاقتصادية التي جعلت الاقتصاد الفلسطيني تابعاً للاقتصاد الصهيوني بشكل كامل:


http://ar.wikisource.org/wiki/%D8%A8%D8%B1%D9%88%D8%AA%D9%88%D9%83%D9%88%D9%84_%D8%A8%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%B3_%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%AF%D9%8A

هذا ما نصت عليه الاتفاقية بخصوص المحروقات والضرائب المفروضة عليها وطرق استيرادها للسلطة:

[QUOTE]تضمن اتفاق باريس الاقتصادي الموقع بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي في نيسان من العام 1994 ، بنودًا خاصة تتعلق بآلية إدارة و تنظيم الشؤون المتعلقة بالمنتجات البترولية، حيث أشارت المادة ( 3/بند 12 ) إلى أنه:

"أ- ستكون المقاييس الأردنية كما حددت في الملحق المرفق بالاتفاقية، مقبولة في استيراد المنتجات
البترولية إلى المناطق، في حالة استجابتها لمتوسط المقاييس القائمة في بلدان الاتحاد الأ وروبي، أو
مقاييس الولايات المتحدة الأمريكية، التي وضعت معاييرها حسب المعايير المحددة للظروف الجغرافية
لإسرائيل وقطاع غزة والضفة الغربية . وستحال حالات المنتجات البترولية التي لا تستجيب لهذه
المواصفات، إلى لجنة خبراء مشتركة من أجل إيجاد الحل المناسب لها. وللجنة أن تقرر ثنائيا قبول
مستويات مختلفة لاستيراد البنزين تستجيب للمقاييس الأردنية رغم أنها لا تستجيب في بعض المعايير
لمقاييس المجموعة الأوروبية أو المقاييس الأمريكية. وستعطي اللجنة قرارها في غضون ستة أشهر .
وفي انتظار قرار اللجنة، ولفترة لا تزيد عن ستة أش هر من توقيع الاتفاقية، للسلطة الفلسطينية أن
تستورد البنزين للسوق الفلسطينية في المناطق وفقًا لاحتياجات هذا السوق، على أن:"
-1 يكون هذا البنزين معلمًا بلون مميز مختلف عن البنزين المسوق في إسرائيل،...
-2 وتتخذ السلطة الفلسطينية كل الخطوات الضرورية لضمان عدم تسويق هذا البنزين في إسرائيل.
ب-لن يتجاوز الفرق في الثمن النهائي للبنزين للمستهلكين في المناطق، 15 % من السعر الرسمي
النهائي للمستهلك في إسرائيل. وللسلطة الفلسطينية الحق في تحديد أثمان المنتجات البترولية، عدا
البنزين للاستهلاك في المناطق.
ج- إذا اتفقت مستويات البنزين المصري مع شروط الفقرة الفرعية (أ) أعلاه، فسوف يسمح أيضًا باستيراد البنزين المصري."[/QUOTE]

اتفاقية باريس تسمح للسلطة باستيراد المحروقات من الخارج بشروط فنية، وبشرط عدم بيعه لليهود، وبشرط عدم نزول سعره 15% عن السعر الصهيوني، ما عدا بنزين السيارات (لأن الاحتلال خاف أن يذهب الصهاينة لمحطات البنزين الفلسطينية إن كان فرق الأسعار كبيراً).

طبعاً السلطة لم تستغل السماح لها بالاستيراد وعقدت اتفاقية مع شركة دور ألون الصهيونية لتحتكر هذه الشركة تزويد السلطة بالمحروقات، مع أن الكيان فيه 10 شركات بترولية 6 منها مؤهلة فنياً للتصدير إلى مناطق السلطة الفلسطينية.

ويمكنكم الاطلاع على تقرير مؤسسة أمان حول تجاوزات هيئةالبترول التابعة للسلطة:

http://www.aman-palestine.org/Documents/Publication/Petrolum.pdf


عندما أصبح سمير أبو عيشة وزيراً قائماً بأعمال وزير المالية (عن حركة حماس) عام 2006م قرر كسر احتكار شركة دور ألون للبترول في مناطق السلطة، وتم التفاوض مع شركة باز وعمل اتفاقية وفرت على السلطة مبلغ 80 مليون شيكل سنوياً فروقات أسعار بين سعر دور ألون وشركة باز.

للمزيد حول هذا الأمر في الموضوع التالي:

http://www.paldf.net/forum/showthread.php?t=86266

أعرض عليكم تقارير وزارة المالية التابعة لسلطة رام الله (لعام 2007) حسب ما ورد في موقع وزارة المالية التابعة لفياض.

http://www.pmof.ps/news/plugins/spaw/uploads/files/table2%20arabic%20quarter%2024032007.pdf


هنالك بند اسمه إيرادات المقاصة، وإيرادات المقاصة حسب تعريف وزارة المالية:
[QUOTE]إيرادات المقاصة: هي عبارة عن الإيرادات التي يتم تحصيلها نتيجة المعاملات التجارية بين السلطة الوطنية الفلسطينية والجانب الإسرائيلي، ويتم تحويلها إلى وزارة المالية وفقاً لجلسات المقاصة الشهرية. وتشمل الجمارك (وهي الجمارك على المستوردات للسلطة الوطنية الفلسطينية أو نتيجة للاستيراد المباشر عبر المواني وتحصلها إسرائيل نيابة عن السلطة الوطنية الفلسطينية )، ضريبة القيمة المضافة، ضريبة المحروقات، ضريبة الشراء. [/QUOTE]
المرجع: http://www.pmof.ps/index.php?pagess=monreportx_2


وحسب أرقام وزارة المالية بلغت إيرادات السلطة من ضريبة المحروقات لعام 2007م : 187 مليون دولار، مقابل 310 مليون دولار ايراداتها من ضريبة القيمة المضافة، وهذا ليس بالمبلغ التافه فيما أظن. في المقابل إيرادات ضريبة الدخل كانت 65 مليون دولار لنفس العام.

الخميس، 30 سبتمبر 2010

همسة في أذن عملاء الاحتلال

مع كشف وزارة الداخلية في غزة عن تسجيلات لعملاء ألقت القبض عليهم مؤخراً أود توجيه همسة في أذن عملاء الاحتلال، لأقول لهم: ماذا تنتظرون؟ هل ما زلتم تظنون أن المحتل يحميكم؟ أما زلتم تظنون أنكم بعيدين عن المساءلة والمحاسبة؟ أول شيء يحرص عليه ضابط المخابرات عند تجنيدكم هو إقناعكم بأنكم لن تكشفوا وأن ما يعلن عنه من القبض على العملاء والجواسيس هو مجرد عمل إعلامي وأن المقبوض عليهم أبرياء وليسوا عملاء حقاً.

إذا افترضنا أن العملاء اعترفوا تحت التعذيب المزعوم (كما يقال لكم دوماً)، فمن أين جاءت أجهزة التصنت والاتصال التي عرضت في المؤتمر الصحفي، وقبل ذلك في لبنان رأينا شبكات الموساد تتساقط الواحدة تلو الأخرى وأجهزة التصنت عالية الكفاءة بيد الحكومة اللبنانية، فهل يعقل أن التعذيب يأتي بوسائل التصنت والاتصال من الفراغ؟ هل ما زلتم تعتقدون أنهم ليسوا عملاء؟ هل هذه هي وسائل التواصل الآمنة التي وعدكم بها ضابط المخابرات؟

قالوا لكم لا يوجد عميل يكتشف وأن أحداً لن يعرفكم، حسناً لقد كذبوا عليكم، فمهما حاول الشخص إخفاء الأعمال التي يقوم بها، فسيعرف بها الآخرون عاجلاً أم آجلاً، لا يوجد إنسان كامل ولا يوجد تكنولوجية ولا جهة استخبارية كاملة، كل شخص يخطأ، وكل وسيلة تكنولوجية لها عيوبها، وكل جهاز مخابرات له سقطاته، وكل هذا كفيل بكشفكم في نهاية المطاف، وكلما زاد نشاطكم كلما زادت احتمالات خطأكم وبالتالي تسريع عملية كشفكم وانفضاحكم.

أكيد سمعتم بقصة نديم انجاص، العميل من رام الله الذي اقتحم السفارة التركية قبل بضع أسابيع طالباً اللجوء السياسي، أتعرفون أن مشكلته عالقة منذ سنوات، منذ أن كشفت عمالته بسبب "خطأ" من ضابط المخابرات المشرف عليه حسب ما يقوله محاميه، هكذا ببساطة أخطأ الضابط ودمر حياة انجاص، ضابط المخابرات ما زال في وظيفته ويعيش حياته متنعماً وأكيد قال في نفسه "يا خسارة ضيعت مصدر معلومات ممتازة"، مثله مثل صاحب محل الخضروات الذي تقع منه بطيخة، يشعر ببعض الضيق ثم يجمعها ويلقيها بأقرب حاوية قمامة.

حسناً وضع البطيخة المكسورة أفضل من وضع زميلكم نديم، فالبطيخة تجد حاوية القمامة أما هو فلم يجد أحداً يقبل به، فلا مشغليه الصهاينة قبلوا به، ولا أهله قبلوا به، وحاول اللجوء إلى السفارة البريطانية قبل سنوات ولم يقبلوا به، بل حبسه الصهاينة (مشغليه السابقين) بتهمة اقتحام السفارة البريطانية، وبعد انتهاء حبسه سلموه لسلطة رام الله، حيث تعرض للتعذيب والابتزاز، نعم سلطة رام الله التي تنسق أمنياً مع المحتل لا تتعامل معكم إلا بازدراء واحتقار، وهذا شأن العميل إن وقع بين أيدي الشرفاء والكرام عاقبوه وردعوه وإن وقع بين أيدي اللئام ابتزوه وأهانوه، خسارة في كل الأحوال.

وبعدها هرب ورجع إلى "تل أبيب" وحاول اللجوء إلى السفارة التركية، بالله عليكم هل هذه حياة الأمن والأمان التي وعدكم بها مشغلوكم من ضباط المخابرات؟ بالله عليكم هل بعتم دينكم من أجل هذا؟ من بقي يحترمكم في هذه الدنيا؟ فإذا كانت الخلافات بين حماس وفتح لم تمنعهما من الاتفاق على نبذكم فماذا بقي لكم؟ لا تظنوا أنه يمكنكم الاستفادة من الشقاق بينهما، فجمعة السقا هرب من الأجهزة الأمنية في غزة ووقع بأيدي الأجهزة الأمنية برام الله، هو ليس معتقلاً وقيل أنه تم استجوابه، لكن بكل تأكيد سيتم ابتزازه كما تقوم أجهزة رام الله مع كل عميل؛ يبتز مالياً ويبتز أخلاقياً.

حتى عندما احتجت فتح على إعدام العملاء في غزة قبل مدة كان الاحتجاج يدور حول أن محمود عباس لم يوقع قرار الإعدام، وليس على مبدأ الإعدام، فلا تظنوا أنكم بمأمن، فالكل يحتقر عملكم والكل يتربص بكم وأنتم لا محالة مكشفون، لا تصدقوا الأكاذيب التي يبيعها لكم ضباط المخابرات فهو مجرد كلام يضحكون به عليكم.

أدرك أن أكثركم وقع بوحل الارتباط (أو التعاون كما يسميه المحتل الصهيوني) بدون إرادة ولا وعي، وأنها كانت في البداية (والكثير منكم ما زالوا في بداية الارتباط) مجرد طلبات بسيطة معلومات عامة يعرفها الجميع ولا تضر أحداً، ثم شيئاً فشيئاً، وطلباً بعد طلب تطورت الأمور وأصبحتم في ورطة لا تستطيعون الخروج منها (أو هكذا تظنون).

الأمر ليس كذلك فبوابة الخروج مفتوحة، سواء كنتم في غزة أم في الضفة، وتأكدوا أن الخروج والقطع مبكراً أفضل ليس فقط لأنكم ترضون ضميركم وتنتقمون ممن سخركم واستغلكم وضحك عليكم، بل أن المجتمع وشرفاء المجتمع الفلسطيني سيقدروا عملكم ويرفعوا من قدركم، أتذكرون الشهيد حسن أبو شعيرة؟ كان "متعاوناً" فحمل مسدسه وقتل ضابط المخابرات، اليوم الناس تذكره كشهيد وليس كعميل.

وتذكروا قاعدة ذهبية وهي أن المخابرات مهما قدمتم لها ومهما أظهروا لكم معسول الكلام ستبقى تعصركم حتى آخر رمق مثل حبة الليمون ولن تترككم إلا بعد أن تنشفوا ولا يبقى فيكم شيء للعصر وعندها ستلقيكم بأقرب سلة مهملات، هكذا أنتم في نظر ضابط المخابرات مجرد مصدر للمعلومات، مجرد آلة لجمع المعلومات، لا تهمهم مصلحتكم مثلما لم يهتموا بمصلحة نديم انجاص أو جمعة السقا أو غيرهما من العملاء الذين ألقت القبض عليهم الداخلية في غزة أو الذين ألقت أجهزة الأمن اللبنانية القبض عليهم، تركوا ليواجهوا مصيرهم لوحدهم.

وفي غزة عندما اعتقل أحد موظفي الصحة خرجت الإشاعات بأن العشرات متورطين، وبأن قائمة العملاء طويلة وليست قصيرة، وهذا ديدن أجهزة المخابرات تحرص على إقناعكم بأن أكثر الناس عملاء وجواسيس، هذا غير صحيح أنتم لوحدكم داخل مجتمع، وبعد المؤتمر الصحفي تبين أن المعتقل من وزارة الصحة لا يوجد غيره، وهو الآن لوحده في الزنزانة يكلله الخزي والعار، تخلى عنه أهله وتخلت عنه سلطة رام الله، وترك وحيداً ليواجه مصيراً لن يكون أفضل من مصير غيره.

الفرص لا تتكرر ومن يضبط متلبساً فلن يغسل عاره شيء وإن لم يكن أمرك قد كشف وقد فعلت ما فعلته، ففرصتك كبيرة أن تترك العمل الآن وأن تتوقف عن التعامل، سيهددوك؟ سيبتزوك؟ لا تخف منهم يمكنك التملص منهم بألف طريقة وطريقة، قل لهم لا أعلم ولا أعرف، أنت بمثابة الموظف لديهم، ألا يطرد الموظف من عمله إن كان كسولاً ولا يقوم بما يطلب منه؟

هل سمعت أن المخابرات فضحت أحداً من الذين تركوها؟ بكل تأكيد لا، فلن تفعلها المخابرات لأنها إن قالت أن "فلاناً كان عميل لدينا وأننا نريد فضحه لأنه ترك" فستجشع غيره على الترك، وإن قالت "فلان عميل لدينا" (وزعمت كاذبة أنه ما زال يعمل لكي تشوهه) فهي ستخيف العملاء النشيطين وستردعهم عن مواصلة الطريق، في كل الأحوال المخابرات لا تستطيع حرق نفسها ولا تستطيع فضح أي عميل.

إذن لم يتبق لكم العذر فإن لم تكونوا تجرؤوا على المكاشفة وتسليم أنفسكم للجهات المختصة، وإن لم تكونوا قادرين على الترك والتوقف عن العمالة، وإن لم تستطيعوا التكاسل والتلكؤ بتنفيذ ما هو مطلوب منكم، فهذا يعني أنكم مصرين على خراب بيوتكم وخسارة دنياكم وآخرتكم، فهل هذا ما تريدونه؟ إلى متى تدفنون رؤوسكم في الرمال وتظنوا أن تجاهلكم لخطورة الأمر يشكل حماية لكم؟ تجاهل حقيقة أنكم ستقعون وتفضحون أنفسكم لا يعني أنكم لن تقعوا، ليس بأمانيكم تسير الحياة، كفى لدفن رؤوسكم في الرمال.

السبت، 25 سبتمبر 2010

التصعيد في سجون الاحتلال الصهيوني وخلفياته

يخوض الأسرى اليوم السبت 25/9/2010م اضراباً عن الطعام تحذيري في أغلب سجون الاحتلال، ضمن سلسلة خطوات تصعيدية ضد ما تسمى مصلحة السجون الصهيونية، وهو حدث ليس بالجديد على أسرى المقاومة الفلسطينية والذين يخوضون صراع ارادات لا ينتهي منذ بدء الاحتلال الصهيوني للضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967م.

حيث أراد المحتل الصهيوني أن يجعل من السجون مكاناً لقمع المقاوم والمناضل الفلسطيني وإخافته بحيث يصبح غير راغب في العودة للعمل المقاوم وتحييده عن ساحة النضال. بينما في المقابل يواجه الأسرى هذه الإجراءات بتحدي، ويصرون على عدم الخضوع لقوانين السجن والسجان في تحد صارخ وصريح للقمع الصهيوني، مما يساهم بالإبقاء على معنويات عالية للمعتقلين، بحيث لا يخرجون من السجن إلا لكي يكملوا مسيرة الجهاد ومقاومة المحتل.

يأتي الإضراب والخطوات التصعيدية رداً على تصعيد مصلحة السجون الصهيونية ضد الأسرى، من خلال المداهمات الليلية لغرفهم والتفتيش العاري وإهانتهم وتخريب أغراضهم أثناء حملات التفتيش، وحجة إدارة السجون البحث عن الهواتف الخليوية التي يهربها الأسرى إلى السجون لكي يتمكنوا من التواصل مع أهلهم، حيث تمنعهم إدارة السجون من الاتصال بالأهل وأكثرهم لا يزوره أهله إلا مرة كل بضعة أشهر والبعض لم يزره أهله لمدة وصلت إلى تسع سنوات.

فالأسير يرفض الاستسلام، وإن كان محجوزاً بين أربعة جدران، إلا أنه يقوم بما يقدر عليه ليكسر ظلمة السجن وظلمة الحصار والتضييق، فكان تهريب أجهزة الاتصال الخليوية وسيلة للتحدي وسلاحاً يستخدمه الأسرى في معركة كسر الإرادة مع سلطة السجون الصهيونية.

وحتى نفهم خلفية المواجهات الحالية في سجون الاحتلال سنرجع إلى تاريخ تهريب الهواتف الخليوية إلى داخل سجون الاحتلال، فقد بدأ ادخالها في معتقل مجدو التابع لجيش الاحتلال أواخر عام 1997م وأوائل عام 1998م ثم بدأت تنتقل الظاهرة إلى باقي سجون الاحتلال بما فيه السجون شديدة الحراسة مثل سجن هداريم.

بدأت سلطات الاحتلال بالتململ من ظاهرة الهواتف الخليوية داخل السجون، خاصة وأنها تخفف عن الأسرى وتفرج بعضاً من همومهم بالإضافة لاستخدام الأسرى الهواتف الخليوية وسيلة للتواصل مع العالم الخارجي ومع الصحافة واصدار المواقف السياسية والتعبوية، فبدأت سلطات السجون بالتضييق على هذه الظاهرة من خلال حملات التفتيش المكثفة ومنع الأهل من إحضار الطعام لأبنائهم الأسرى وتحديد الملابس التي يمكنهم احضارها كما ونوعاً (لأنه كان يتم تهريب الأجهزة الخليوية من خلال زيارات الأهل).

الخطوة التالية كانت خلال الاضراب المفتوح عن الطعام بداية عام 2004م والذي استمر 18 يوماً، حيث استغلت مصلحة السجون الأمر وقامت بحملة مداهمات واسعة النطاق في السجون المركزية واستولت على كميات كبيرة من الأجهزة الخليوية.

وأخيراً كانت خطوة تحويل المعتقلات العسكرية من سيطرة جيش الاحتلال إلى سيطرة مصلحة السجون الصهيونية (وهي النقب ومجدو وعوفر)، حيث كانت هذه السجون هي المصدر الأساسي لتهريب الأجهزة الخليوية إلى داخل السجون نظراً إلى أن الجيش لم يكن خبيراً بإدارة السجون ولم يكن يستطيع السيطرة على الوضع داخل المعتقلات، فتمت عملية التحويل خلال عامي 2005م و2006م، وبدت الأمور وقتها أن عهد الهواتف الخليوية انتهى في سجون الاحتلال.

إلا أن الأسرى لم يكونوا ليستسلموا بسهولة وبدأوا بالبحث عن طرق تهريب جديدة، وفي المقابل كانت ادارة السجون تسعى بشكل مستمر لقمع الأسرى ومفاجئتهم ليلاً حيث يخرجون عادةً الأجهزة الخليوية المهربة من مخابئها، وحصلت في سجن النقب مواجهة بداية عام 2008م عندما حاولت قوات خاصة تفتيش أحد الأقسام ليلاً بشكل فجائي، واستشهد أحد الأسرى وأصيب العشرات فيما احترق أحد الأقسام.

وكانت نتيجة الجولة هذه استطاعة الأسرى استيعاب الضربة والتكيف مع القوانين الجديدة، وعادت الأجهزة الخليوية لتنتشر في سجون الاحتلال بعدما اختفت من أغلب سجون الاحتلال عامي 2007م و2008م حيث تمكن الأسرى من ابتكار طرق جديدة في التهريب وابتكار مخابئ جديدة لها في الغرف والزنازين، وألقت سلطات الاحتلال على عدد من السجانين في قضايا مختلفة بتهمة أخذ رشاوى من الأسرى مقابل تهريب أجهزة خليوية لهم.

فعادت الأجهزة الخليوية لتشكل أزمة بالنسبة لسلطات الاحتلال وسلطة السجون الصهيونية، فالمطلوب أن تكون السجون وسيلة للتنكيد على الأسرى وعزلهم عن العالم الخارجي، فيما وسائل الاتصال الحديثة لم تعد توفر لهم فقط خدمة الاتصال الهاتفي مع الأهل، بل فرصة للوصول إلى الانترنت ومشاهدة الفضائيات المحظورة داخل السجن (مثل فضائية الأقصى والجزيرة).

وبدأت مصلحة السجون بالانتباه لخسارتها المعركة، وبدأت تخطط لحملات تفتيش واسعة النطاق، وبدأت بتصعيد إجراءات التضييق (المشددة أصلاً)، وجاءت مقابلة أجراها بعض الأسرى عبر الهاتف مع صحيفة يديعوت أحرنوت نهاية شهر حزيران الماضي لتشكل مؤشر خطر بالنسبة لمصلحة السجون، صحيح أنهم كانوا متنبهين لما يحصل، ويخططون للتضييق على الأسرى، لكن عندما تنشر المقابلة في الصحافة الصهيونية فهذا سيؤدي لضغوط من الحكومة الصهيونية على سلطة السجون، وسيقولون لهم "لماذا ندفع لكم الأموال الطائلة؟ لإدارة الفنادق للمخربين؟"

مثل هذه الحادثة للأسف نموذج على الاستهتار الأمني لدى بعض الأسرى، وهي انعكاس للاستهتار الأمني الموجود في المجتمع الفلسطيني، وكله استهتار تحت مسمى "ما هو اليهود بيعرفوا كل شيء"، ويمارس المقاوم أو المواطن الثرثرة على الهاتف والانترنت وفي الجلسات الخاصة والعامة، وبعدما تحصل عملية اغتيال أو اعتقال أو تقع الواقعة يبدأ التساؤل لماذا حصل هذا، ويبدأ الكلام عن العملاء والجواسيس، فيما الكل يتجاهل العدو الأول للمقاوم (وللأسير أيضاً) ألا وهو آفة الثرثرة وقلة الحرص.

فبعد هذه المقابلة وعدة حوادث مماثلة، وبعد انتهاء التجهيزات لدى مصلحة السجون، بدأت حملة مداهمات واسعة للسجون، وتضييق على الأسرى بشكل غير مسبوق، يصاحبها حملة تنقلات دائمة للأسرى، بحيث لا يستقر الأسير طويلاً في مكان واحد كي لا يشعر بالاستقرار ولا يتاح للأسرى ابتكار مخابئ وتجهيزها لأن ذلك يحتاج لوقت طويل ويحتاج لاستقرار عدد من الأسرى في نفس المكان لفترة سنة أو سنتين أقل شيء.

الأسرى لم يسكتوا ولن يسكتوا وقبل أسبوع كان هنالك اقتحام ليلي في سجن رمون (وسط صحراء النقب)، وقام الأسرى بالتصدى للقوات الخاصة المدججة بالسلاح وأدوات القمع، ووقعت اصابات وجرحى، فالتفتيش الليلي بالنسبة للأسرى خط أحمر لأنه يهدد الأجهزة الخليوية ويهدد معركتهم الخاصة مع سلطة سجون الاحتلال. وفي سجن هداريم شديد الحراسة قامت ادارة السجن بنقل الأسرى من أحد الأقسام، لتبدأ بهدم جدران القسم حيث تشك أنه يتم تخبئة الأجهزة الخليوية في جدران الزنازين.

ويأتي اضراب اليوم ضمن سلسلة اجراءات التصعيد للأسرى، ليوصلوا رسالة لإدارة السجون أنهم لن يسكتوا على القمع، وسيتصدون لكل اجراءاتها، وعادة فإن الإضرابات عن الطعام في سجون العالم تدفع ادارات السجون للتفاوض مع الأسرى من أجل تحسين شروطهم المعيشية، لكن سلطة السجون الصهيونية لا تستجيب وهي ترفع شعار وزير الأمن الداخلي الصهيوني السابق (تساحي هنغبي) "لو مات كل الأسرى في الاضراب فلن نستجيب لطلباتهم".

بالتالي ولكي يتحرك ملف الأسرى وتحسين ظروفهم المعيشية يجب أن يكون هنالك تحرك خارجي، وأن تخرج المسيرات وأن تمارس الضغوط بكافة أشكالها على سلطات الاحتلال، ومطالب الأسرى بسيطة وأساسية: وقف سياسة التفتيش العاري، ووقف سياسة منع زيارات الأهل لعدد كبير من الأسرى، وقف اجراءات التنكيل والتضييق في الحياة اليومية للأسير، ووقف التفتيشات الليلية الفجائية. وهذا يتطلب منا التحرك للتضامن مع الأسرى من أجل تشكيل قوة ضاغطة على الكيان الصهيوني لتوفير شروط حياة مقبولة للأسرى.

الاثنين، 6 سبتمبر 2010

عملية الخليل ومفاوضات الراتب مقابل الأمن

ذهب محمود عباس إلى واشنطن ليبدأ سلسلة جديدة من الاجتماعات العبثية مع الصهاينة بعد أشهر من التمنع والممانعة دون أن يستجاب لأي مطلب من مطالبه، متذرعاً بضغوط كبيرة مارسها الأمريكان، وشهدنا إخراجاً مسرحياً في جامعة الدول العربية لعملية الذهاب (وكأنه كان لدى عباس خيارات أخرى)، وقامت الماكنة الإعلامية الفتحاوية بتمرير الإشاعة المعتادة في مثل هذه الحالات أن هنالك أزمة مالية خانقة تعاني منها السلطة حتى تساهم بإقناع قواعد فتح الشعبية بضرورة الذهاب وإلا قطعت الرواتب.

وبعد أن كان شعار العرب "الأرض مقابل االسلام"، أي انسحاب الصهاينة من الأراضي المحتلة عام 1967م مقابل عقد اتفاقيات السلام معهم، تقلصت طموحات السلطة لتصبح أقل من الأرض بكثير، فخارطة الطريق نصت على أن تقوم السلطة بمحاربة المقاومة (محاربة الإرهاب) فيما يجمد الصهاينة الاستيطان تمهيداً لخطوات تالية نحو قيام الدولة الفلسطينية، لكن بعد أن التزمت السلطة بكل ما طلب منها، رفض الصهاينة تطبيق أي شيء.

وكلما دار نقاش حول جدوى استمرار السلطة بالتزاماتها الأمنية خرجت لنا بذريعة أنها على الأقل تضمن تسيير بعض القضايا المعيشية وتدفق الرواتب (وبالمناسبة معظم موازنة السلطة تأتي من الضرائب والجمارك التي يدفعها المواطن الفلسطيني ويحصلها الكيان الصهيوني نيابة عن السلطة)، لتصبح المعادلة ضمان تدفق الرواتب والامتيازات الشخصية مقابل توفير الأمن للصهاينة، الذين لم يعودوا مهتمين بما يسمى "السلام" لأنه يعني تقديم التزامات أكبر مما يقدموه اليوم للسلطة.

وفي ظل رفض الصهاينة الالتزام بأي شيء، وفي ظل تصريح السلطة بأنها ذاهبة لواشنطن مكرهة (مع التزامها المطلق بأمن الصهاينة)، جاءت سلسلة عمليات القسام الأخيرة لتطرح تساؤلاً حول مستقبل المعادلة التي تحكم عمل السلطة ولتعيد تشكيل الوضع القائم في الضفة منذ عام 2007م.

مميزات ودلالات عمليات القسام:

أثبتت عمليات القسام فشل كل إجراءات السلطة الأمنية السابقة واللاحقة، بل وأكثر من ذلك فبعد يوم من تعهد سلام فياض بأن عملية الخليل لن تتكرر جاءت عملية رام الله ومن الواضح أن هنالك ما سيتلوها، فبعد ثلاث سنوات متتالية من الملاحقة الأمنية لنشطاء حماس (العسكريين وغير العسكريين) استطاع القسام الخروج بعمليات احترافية خطط لها بشكل جيد.

ومن الواضح أن تبني العمليات في غزة والضرب بأكثر من مكان في الضفة يدل على وجود جهاز عسكري احترافي وليس مجرد خلية تعمل بمبادرة ذاتية، الأمر الذي يدفعنا للتساؤل عن مدى الضرر الحقيقي الذي ألحقته السلطة وقوات الاحتلال بالجهاز العسكري لحماس في الضفة الغربية.

كما أن استهداف غلاة المستوطنين (من التيار الصهيوني الديني) والذين يعيشون في المستوطنات الداخلية والقريبة من المناطق السكنية الفلسطينية (بعكس المستوطنين العلمانيين والمتدينين -الحريديم الذين يعيشون في غور الأردن ومحيط القدس والمناطق الحدودية) يعتبر خطوة موفقة.

فإن كان استهدافهم متوقعاً وطبيعياً نظراً لكونهم أهدافاً أسهل من غيرهم من الصهاينة، لكنه أيضاً يخدم هدفاً هاماً وهو تعزيز الانقسام بين غلاة المستوطنين وحكومتهم، فالعلاقة أصلاً متوترة بينهما، وغلاة المستوطنين يتهمون حكومة الاحتلال بأنها تضحي بهم ولا تهتم بأمنهم، بل ويتهمون المجتمع الصهيوني بأنه يعتبر دماء سكان "تل أبيب" أغلى من دمائهم، وقد رأينا حالات لاعتداء هذه الفئات من المستوطنين على قوات الاحتلال، بل ووصل بأحدهم لتنفيذ اعتداءات مسلحة ضد صهاينة يساريين ومن يعتبرهم خونة.

وفي المقابل يبادلهم المجتمع الصهيوني نظرة الكراهية، فهذه العمليات تزيد الفجوة لأنها تعبء المستوطنين ضد حكومتهم والتي يتهمونها بدماء من قتلوا في الخليل لأنها رفعت الحواجز في الضفة الغربية، فضلاً عن أن غلاة المستوطنين منبوذين دولياً ولن يكون هنالك تعاطف كبير تعاطف معهم.

تبريرات فتح والسلطة:

بدلاً من أن تستغل السلطة العملية لتقول للأمريكان والصهاينة أن الاستيطان هو سبب المشاكل وسبب التصعيد وبالتالي كان يجب الاستجابة لطلبها بوقف الاستيطان، كان موقفها عكس ذلك تماماً، وبما يضعف من موقف الشعب الفلسطيني والقضية الفلسطينية نفسها أمام الرأي العام الدولي، فدافعت عن حق غلاة المستوطنين بالحياة في الضفة الغربية وحقهم في التنكيل بالشعب الفلسطيني دون أن يتصدى لهم أحد.

وللتغطية على موقف السلطة المخزي تحاول ماكنة فتح الإعلامية تعبئة قاعدتها من خلال الزعم بأن عملية حماس هدفها تخريب المفاوضات على السلطة، وكأن تجول غلاة المستوطنين في الضفة أمر طبيعي ومقبول، وبعد أن ركزت الماكنة الاعلامية الفتحاوية خلال الاعوام الثلاثة الماضية على سؤال: "لماذا تجمع حماس السلاح في الضفة الغربية ولا نرى عمليات ضد الاحتلال؟"، لتبرر ملاحقة مجاهدي القسام وحماس في الضفة وتعذيبهم بحثاً عن السلاح، نرى اليوم إدانة واضحة لا لبس فيها لاستخدام السلاح ضد الصهاينة وحتى لو كانوا من غلاة المستوطنين.

وبالرغم من أن سلاح القسام خرج أكثر من مرة خلال الفترة الماضية ضد الاحتلال، إلا أن عمليتي الخليل ورام الله تشكلان جواباً صارخاً في وجه الماكنة الإعلامية الفتحاوية، ودليلاً على أن حماس لو أرادت استخدام السلاح ضد السلطة فقد كانت (وما زالت) تستطيع، فتصفية عشرة مسؤولين في السلطة تحتاج لإمكانيات واستعدادات أقل من عملية واحدة ضد المستوطنين بوزن عملية الخليل.


مفاوضات فاشلة مسبقاً:

أما ذريعة السلطة بأن حماس نفذت العملية نكاية فيها ولكي تضعف موقفها في المفاوضات، فكان من الممكن قبوله لو أنه كان للسلطة موقفاً في المفاوضات، فهي ذهبت للمفاوضات قابلة بكل اشتراطات الصهاينة، ودون أن يقبلوا بالحد الأدنى الذي سبق وأن التزموا به، فتجميد الاستيطان (أو تخفيض وتيرته) كان شكلياً وكان الاستيطان مستمراً مرة بحجة الاستثناءات والاحتياجات السكانية، ومرة بحجة أنها مشاريع بناء سابقة، ومرة يتم البناء سراً، ومرة يقوم غلاة المستوطنين بتحدي القرار علناً لإثبات حقهم في "أرض إسرائيل الكاملة"، وفي كل الأحوال تجميد الاستيطان الشكلي كان سينتهي نهاية الشهر الحالي مع رفض نتنياهو وحكومته تمديد فترة التجميد.

والسلطة التي ذهبت لتورط الشعب الفلسطيني بإتفاقية على غرار اتفاقية أوسلو لا تمثل أحداً ، فلا هي تمثل الأغلبية الانتخابية في المجلس التشريعي ولا هي حتى تمثل منظمة التحرير حيث لم يحصل تصويت على قرار الذهاب في اللجنة التنفيذية للمنظمة، فضلاً عن أن جميع أعضائها الحاليين معينين وليسوا منتخبين، وغالبيتهم لا يمثلون أحزاباً ولا تنظيمات.

وعندما تكون حماس والتيار الإسلامي بكافة توجهاته واليسار الفلسطيني وأقسام من حركة فتح يعارضون هذه المفاوضات العبثية، فمن حقهم جميعاً وقف المهزلة حتى لا يكبل الشعب الفلسطيني بالتزامات مجانية جديدة، فالأمر لا يتعلق بإفشال المفاوضات كعملية انتقامية بل هو تأكيد على خيار الشعب الفلسطيني المتمسك بالمقاومة، ونتساءل بأي حق ينفرد أفراد من تنظيم واحد بقرار يمس مصير الشعب الفلسطيني كله؟


الخلاصة:

تحولت حركة فتح والسلطة الفلسطينية خلال خمس سنوات من حكم محمود عباس وثلاث سنوات من وجود سلام فياض في رئاسة الحكومة إلى مقاولين أمنيين يعملون لحماية الاحتلال مقابل امتيازات وظيفية وشخصية فقط لا غير، وبالتالي فهم آخر من يحق لهم الكلام عن تمثيل الشعب الفلسطيني أو التكلم باسمه أو التفاوض باسمه.

وفي المقابل آن الأوان لاطلاق العنان للعمل المقاوم المسلح في الضفة الغربية، ولتكن البداية استهداف المستوطنين في المناطق الداخلية للضفة ثم الانتقال إلى الأغوار (وأهمية الأغوار للضفة مثل أهمية رفح لقطاع غزة)، واستنزاف المستوطنين من أجل تفريغ هذه المناطق من أي تواجد استيطاني صهيوني على المدى البعيد، وتمهيداً للانتقال إلى مراحل متقدمة من المقاومة.

أما غول السلطة الذي أخاف الناس طوال السنوات الماضية فقد أصبح واضحاً أنه بالرغم من همجية وبطش السلطة فإنها غير قادرة على الحفاظ على أمن الصهاينة، وهذا سيعني مزيداً من التواطؤ والوحشية على المدى القريب، لكن على المدى المتوسط والبعيد فهي تقوض أسس استمراريتها، ومع تزايد العمليات ضد الاحتلال سيبدأ الصهاينة بفقدان الثقة بهذه السلطة والتساؤل عن جدوى دعمها ومساعدتها.

الثلاثاء، 31 أغسطس 2010

بعد مرور سبع سنوات على غزو العراق: هل انتهت المهمة فعلاً

بعيد الغزو الأمريكي للعراق وقف الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش في حاملة الطائرات أبراهام لينكولن ليعلن مزهواً أن "المهمة انتهت – mission accomplished"، زاعماً أن الوضع في العراق أصبح مستتباً للاحتلال الأمريكي، إلا أن الأشهر التالية أثبتت أنه كان متسرعاً للغاية فسرعان ما غرق الجيش الأمريكي بمستنقع المقاومة العراقية، ولم يكن العراق تلك اللقمة السائغة التي ظنها بوش في البداية.

إلا أن عمليات المقاومة العراقية ضد الأمريكان تضاءلت في السنتين الأخيرتين وتقلصت خسائر الأمريكان بشكل كبير، وخصوصاً بعد تشكيل الصحوات، ونتسائل: إذا كانت الخسائر العالية للأمريكان هي ما دفعت أوباما للتعهد بالانسحاب من العراق أثناء حملته الانتخابية فلماذا لم يغير قراره ويقرر البقاء بالعراق بعد تقلص الخسائر وتراجع المقاومة؟ الحاجة لقوات أمريكية في أفغانستان هو جزء من الإجابة، لكن ألا يمكن القول بأن أمريكا حققت بعد سبع سنوات من احتلال العراق جزءاً هاماً من أهدافها، وبالتالي لم يعد هنالك داعي لبقاء أعداد كبيرة من الجيش الأمريكي في العراق؟

أهداف الغزو الأمريكي للعراق:

إذا أردنا تلخيص أسباب الغزو الأمريكي للعراق فيمكن حصرها بثلاثة أهداف عامة: إضعاف العراق وتفتيته بحيث لا يعود قوة إقليمية تهدد الكيان الصهيوني (وهذا هدف صهيوني بالأصل أكثر منه هدفاً أمريكياً)، وإيجاد موطئ قدم لقواعد عسكرية أمريكية، ولاستغلال النفط وما يمكن أن يعود به من عوائد مالية تحرك الاقتصاد الأمريكي؛ وأمريكا تتميز عن الاستعمار الأوروبي القديم بأنها لا تهتم بأن تكون السيطرة المباشرة لها، يكفيها أن تحقق أهدافها التي تسعى لتحقيقها.


وإذا تكلمنا عن النفط فصحيح أنه رسمياً ملك للعراق والعراقيين، وأمواله تنهب وتبدد بأيدٍ عراقية، وضاعت مليارات الدولارات كانت مخصصة لقطاع الطاقة والكهرباء العراقي في كواليس الحكومة والدولة العراقية (وليس الأمريكية)، إلا أن الشركات الأمريكية ضمنت حصتها الكبيرة في السوق العراقية (النفطية وغير النفطية) وذلك لم يكن لولا يد الحكومة الأمريكية الخفية.

أما عند الكلام عن القواعد العسكرية الأمريكية فبعد سحب ما قيل أنها القوات الأمريكية المقاتلة، بقي في العراق حوالي خمسين ألف جندي أمريكي، يقال أنهم لتدريب الجيش العراقي وإسناده، بينما في الحقيقة التدريب والإسناد لا يحتاج عشر هذا العدد، فالقواعد الأمريكية ما زالت موجودة، ولا يبدو أن هنالك خطر يتهددها على المدى المنظور، وخصوصاً مع انخفاض وتيرة العمليات العسكرية للمقاومة العراقية ضد الأمريكان، صحيح أن هنالك اتفاق لخروج كل القوات الأمريكية مع نهاية العام القادم، لكن هنالك بند في الاتفاقية التي نظمت الانسحاب الأمريكي تنص على أنه يمكن التمديد للقوات الأمريكية بطلب من الحكومة العراقية، وهذا وارد في ظل عراق مفتت وضعيف.

لربما أهم هدف بالنسبة للأمريكان والصهاينة كان تفتيت العراق وإضعافه بشكل كبير، وحسب ما نراه اليوم هذا أكثر هدف نجحوا في إحرازه، لدرجة أنه وبسبب الوضع العراقي الداخلي ووجود دولة عراقية شبه فاشلة وتخوف كل طائفة من الأخرى وكل تيار من الآخر، يوجد في العراق من يطالب بعدم انسحاب الأمريكان و عدم تركه يغرق في الفوضى، وهذا يعني بالضرورة ديمومة القواعد العسكرية الأمريكية وضمان تحقيق الهدف الثاني لفترات زمنية أطول.

إغراق العراق في الفوضى جزء من المخطط الأصلي:

وكان الأمريكان والصهاينة لعبوا على التناقضات العراقية الداخلية منذ حرب الخليج الأولى، عندما فرضت مناطق حظر الطيران وحماية الشمال "الكردي" والجنوب "الشيعي"، وبدأت مراكز الأبحاث الأمريكية والصهيونية تبشر بأن العراق ليس دولة موحدة ولا يمكن لمكوناته المختلفة أن تعيش بسلام ووئام (بالرغم من أنها كانت كذلك طوال الخمسمائة عام الماضية)، وأنه لا بديل عن تقسيم العراق إلى ثلاث دول.

وقامت بتغذية المشاعر الانقسامية داخل المجتمع العراقي، بحيث أنه وعند احتلال العراق عام 2003م كان الوضع مهيئاً لتجزئة المجتمع العراقي وبالتالي إضعاف الكيان العراقي والدولة العراقية، وبدأت الاستقطابات الطائفية وأصبح الانتماء الطائفي هو المقدم على أي انتماء آخر، وكاد العراق يغرق في حرب أهلية طائفية دامية في عامي 2006م و2007م، ووصلنا إلى مرحلة فقدت كل مكونات العراق ثقتها ببعضها البعض.

ومثل كل الدول الاستعمارية تستغل أمريكا هذه التناقضات لتقوي طائفة ضد الأخرى، ليس حباً لها أو إحقاقاً لحق موهوم، وإنما إدامة لصراع داخلي يضعف الكل في مواجهة المستعمر بحيث يضطر الجميع إلى اللجوء لهذا المستعمر وطلب الحماية منه في وجه أطراف الصراع الداخلي الأخرى.

القابلية للاستعمار والقابلية للانقسام:

وكان المفكر الجزائري مالك بن نبي قد كتب في بدايات القرن الماضي عن "قابلية المجتمعات الإسلامية للاستعمار" وهو ما سهل على الدول الأوروبية استعمار بلادنا الإسلامية بالرغم من أن هذه الدول لا عديد جيوش أكبر مما لدى مجتمعاتنا الإسلامية، لكنها استغلت الجهل والتخلف في مجتمعاتنا (لدى العامة والطبقة السياسية على حد سواء) لتحكم من قبضتها وفق سياسة "فرق تسد".

فقد كانت أغلب جيوش الدول الاستعمارية مكونة من جنود من البلدان المستعمرة، ولكي تضمن ولاء الجنود وعدم تمردهم كانت ترسلهم للخدمة في مناطق غير بلدانهم الأصلية، فكان ابن السنغال يقمع الشعب الجزائري، وابن الجزائر يحارب في أوروبا ضد ألمانيا النازية وابن المغرب يخدم في الهند الصينية وابن الهند الصينية يخدم في السنغال، وهكذا. هو يكره المستعمر وما يفعله في بلده لكن لا مشكلة لديه أن يساعد المستعمر في بلد آخر وقمع شعب آخر مقابل مرتب يتلقاه آخر الشهر.

ويبدو أن القابلية للاستعمار ما زالت منتشرة في بلادنا الإسلامية لحد اليوم وبأشكال متجددة، فالكل يصبح بشكل أو بآخر جزءاً من اللعبة الأمريكية، ونخدم بسرور القضايا الأمريكية من أجل تحقيق مكاسب حزبية أو طائفية ضيقة، دون أن نهتم إن كان فعلنا هذا سبباً في تقوية الاستعمار الأمريكي وإضعاف أمتنا بشكل عام، وهذا لا ينطبق على العراق فحسب بل على أغلب المنطقة العربية إلا ما رحم ربي.

واستهداف الصهاينة للعراق وتحريضهم للأمريكان على تقسيمه وتفتيته لم يكن بسبب صدام أو وجود أسلحة كيماوية، كما يظن البعض، بل هي سياسة صهيونية ثابتة تريد إضعاف كل المحيط العربي والإسلامي وصولاً إلى المغرب في الغرب والباكستان في الشرق، الكيان الصهيوني يريد فسيفساء من دول صغيرة متناثرة ومتباغضة يكون هو المركز الذي يوجه الكل والذي يلجأ إليه الكل من أجل حل مشاكلهم الداخلية أو مع جيرانهم.

ما هو الحل في العراق؟

يبقى تحقيق الأمريكان والصهاينة لأهدافهم في العراق رهناً بالقوى السياسية العراقية بمختلف أطيافها، ويجب على الجميع أن يدرك أنه لا يمكن لطائفة دون أخرى أن تستفرد بحكم العراق، كما أن ديموقراطية الطوائف التي طبخت في الكيان الصهيوني ومعاهد اليمين المحافظ الأمريكي لا تصلح للعراق.

أما إن بقي حساب الطائفة وحساب العشيرة وحساب المواقع والحصص والمحاصصة وكم وزير كسبنا وكم محافظ خسرنا هو المهيمن، وما دامت بعض القوى السياسية تحلم بأنها تستطيع اختطاف العراق لصالح طائفة دون غيرها، فسيبقى العراق يدور في دوامة الصراع الداخلي وبالتالي خدمة المخطط الأمريكي وحماية أمن الكيان الصهيوني حتى لو كانت هذه القوى تلعن أمريكا والكيان مليون مرة كل صباح ومساء.

يجب أن يدرك الجميع بأن الهدف الأمريكي (والصهيوني) هو عراق مجزء وضعيف ومنشغل بصراعاته الداخلية، فحتى لو انسحب الأمريكان بشكل كامل في وقت ينشغل العراقيون بوضعهم الداخلي المفتت وبصراعاتهم على بقايا الدولة العراقية، فسيحق لبوش أن يقول وبكل "فخر" أن المهمة انتهت، فليس مهماً أن يرفرف العلم الأمريكي وسط بغداد ولا أن تفتح سفارة صهيونية في المنطقة الخضراء، يكفيهم أن يكون عراقاً متصارعاً فيما بينه غير قادر على التعايش مع بعضه البعض.

إذا كانت مهمة قوى المقاومة العراقية والقوى السياسية الوطنية والحية هو إزالة الاحتلال الأمريكي وطرد قواته من أرض العراق، فالمهمة الأخطر والأهم اليوم هو توحيد المجتمع العراق وإخراجه من دوامة التشظي والتفتت المستمر، والوصول إلى مصالحة حقيقية بين جميع قوى المجتمع العراقي وبدون استثناءات مهما كانت.