الثلاثاء، 30 مارس، 2010

خلط ماء زمزم مع الخمر لا يجعله حلالاً يا حركة فتح

يوم الأحد: خروج مسيرة شمال بيت لحم، المسيرة ضمت نشطاء أجانب وفلسطينيون بينهم قياديون في حركة فتح. اصطدم المتظاهرون مع قوات الاحتلال واعتقل ستة عشر متظاهراً بينهم عضو اللجنة المركزية بالحركة عباس زكي.

يوم الأثنين: خروج مسيرة في نفس المنطقة إحياء ليوم الأرض (والذي يصادف يوم الثلاثاء 30/3)، واحتجاجاً على اعتقال عباس زكي، ومرة أخرى كانت قيادات فتحاوية ضمن المسيرة، وهذه المرة تطورت المواجهات ليرافقها رشق قوات الاحتلال بالحجارة والزجاجات الفارغة وقامت قوات الاحتلال بالرد وإلقاء قنابل الغاز المسيل للدموع.

اللافت والصادم بأحداث يوم الأثنين أن الأجهزة الأمنية للسلطة تدخلت لتمنع المتظاهرين من رشق قوات الاحتلال بالحجارة، واعتدت عليهم بالضرب كما اعتدت على الصحفيين الذين كانوا يغطون المواجهات بالضرب المبرح وكأنهم لا يريدون أن يوثق أحد ما المواجهات مع قوات الاحتلال، كأن المطلوب هو إظهار أهل الضفة على أنهم خانعين راضين بالاحتلال وجرائمه.

لو كانت المسيرة لحركة حماس، أو لو كانت المسيرة احتجاجاً على جريمة ارتكبها الاحتلال بحق أحد قادة حماس، أو لو كانت المسيرة احتجاجاً على جرائم الاحتلال وكان أغلب المشاركين فيها من حركة حماس، لقلنا أن الأمر سببه الانقسام، ولعن الله الأنقسام ومن كان سبباً فيه وفي ادامته، ولقلنا أن الحل هو تنازل الطرفين (فتح وحماس) وعقد المصالحة بأي ثمن كان.

لو كنا نتكلم عن اطلاق نار أو عمليات استشهادية أو عبوات ناسفة لقلنا أنها تعارض سياسة رئيس السلطة في رام الله وتعارض سياسة حركة فتح، التي تعتقد أن العمل المسلح في هذه المرحلة يضر ولا ينفع. لكن المسيرة هذه المرة كانت بريئة من حماس براءة الذئب من دم يوسف عليه السلام، وكان عدد كبير من المشاركين فيها من حركة فتح واحتجاجاً على اعتقال قيادي بالحركة، والتزمت المسيرة بالمقاومة الشعبية التي طالما روجت لها السلطة على أنها الحل والخيار المناسب.

أنا أدرك أن قسماً كبيراً من قواعد حركة فتح الشعبية تغلي ضد الاحتلال، وخصوصاً في ظل انسداد العملية السياسية، وأقر بأن أبناء فتح شاركوا بمسيرات ومواجهات ورشق بالحجارة ضد قوات الاحتلال في الضفة الغربية جنباً إلى جنب مع أبناء حركة حماس، وأن أغلب طلبة المدارس والشباب الذين قادوا هذه المواجهات لم تكن تعنيهم الانقسامات السياسية ولم تؤثر على قرارهم التصعيد ضد الاحتلال، بالرغم من أن لكل منهم توجه وهوى سياسي.

لكن كل هذا لا يبرئ حركة فتح من ما تقوم به السلطة، ما حصل في شمالي بيت لحم يثبت أن الأجهزة الأمنية لا تحارب حماس لأنها حماس، بل تحارب كل من يفكر بمقاومة الاحتلال سواء كانت مقاومة شعبية أو مقاومة مسلحة، وحركة فتح بسكوتها عن تجاوزات الأجهزة الأمنية المتتالية بحجة أن الوقت هو وقت مواجهة حماس، إنما تساهم بخطايا الأجهزة الأمنية.

إن العمل المقاوم الذي تقوم به حركة فتح من خلال مشاركتها الفعاليات الشعبية لا يستحق إلا كل الاحترام من جانبنا، لكن خلط العمل المقاوم بالقمع الأمني، لا يجعل من التنسيق الأمني عملاً وطنياً أو مقبولاً، تماماً كما أن خلط الخمر بماء زمزم لا يجعل منه شراباً طيباً يحل شربه.

ارجو من قيادات حركة فتح الميدانية أن تتنبه لما يحصل على الأرض، فبعد تنحية الآلاف من أبناء الحركة من الأجهزة الأمنية، وتشكيل حكومة فياض التي همشت الحركة داخل السلطة، اليوم انتقلت السلطة لقمع المظاهرات التي تشارك بها الحركة، وأذكرهم بـ"أكلت يوم أكل الثور الأخضر."

لا نريد من جماهير حركة فتح أن تغير سياستها أو مبادئها، ولا نريد منها أن تحل السلطة ولا أن تحارب الأجهزة الأمنية، لكن نأمل من قواعد الحركة الشعبية أن يستمروا بالعمل المقاوم الشعبي وأن لا يخضعوا لإرهاب الأجهزة الأمنية، وليكن لهم موقف مبدئي مدين لما تقوم به هذه الأجهزة، وليتذكروا أن كل تضحياتهم تشوش عليها وتقوم بتشويهها ممارسات الأجهزة الأمنية وتجاوزاتها.

ربما الانقسام الفتحاوي الحمساوي يصعب إصلاحه، لكن مقاومة الاحتلال ممكنة وواجبة، وهذا ما نأمله من حركة فتح ونتوقعه منها، فالأقصى ليس لحماس ولا حتى للشعب الفلسطيني، والأصل أن نتوحد جميعاً للنضال ضد الاحتلال وضد الخطر الذي يهدد الأقصى، وإن كانت الوحدة غير ممكنة فأضعف الإيمان أن لا نسمح للانقسام بأن يمنعنا من الدفاع عن الأقصى وعن حقوق شعبنا الفلسطيني.

الأحد، 28 مارس، 2010

هل تكون الثورة التكنولوجية سبباً لهزيمة الصهاينة‬؟

كان للتفوق التكنولوجي للغرب دوراً حاسماً في استعمار البلدان العربية والإسلامية، حيث استغل الأوروبيون تفوق قوتهم النارية والعسكرية لاحتلال العالم الجديد مما ساعد على قيام الثورة الصناعية، والتي ساهمت بمضاعفة قوتهم العسكرية بشكلٍ مكنهم من استعمار العالم الإسلامي خلال المئتي عام الماضية. وخلال هذه الفترة توسعت الفجوة التكنولوجية بيننا وبين الغرب.

وبعد احتلال بريطانيا لفلسطين قبل 93 عاماً عملت على التمهيد لقيام الكيان الصهيوني ومدته بأسباب القوة والتقدم التكنولوجي، وعندما اندلعت حرب عام 1948م كان ميزان التسلح يميل بشكل كبير لصالح الصهاينة مقابل الدول العربية مجتمعة سواء من حيث العدد أو العدة، وبعد قيام الكيان حرص (وبرعاية غربية) على تطوير قدراته التسلحية وتوسيع الفجوة التكنولوجية بينه وبين محيطه العربي، مما مكنه من المحافظة على انتصاراته طوال الفترة الماضية.

إلا أن هذه الفجوة العملاقة في التسلح والتكنولوجية يبدو أنها مهددة وهشة وذلك (وهنا المفارقة) مع تسارع وتيرة التطور التكنولوجي ودخولنا عصر ثورة الاتصالات وثورة المعلومات، فطوال سنوات كان واضحاً العجز عن اللحاق بالقدرات العسكرية الصهيونية، وبقي سلاح الجو الصهيوني حصن الكيان الحصين، فمهما تم تطوير أسلحة مضادة للطيران أو اقتناء طائرات متطورة إلا أن الكيان كان دوماً يحتفظ بالأفضلية، وبقي سلاح الجو عصياً على الانكسار.

التغيرات التي جرت في العام أو العامين الأخيرين هي تغيرات بسيطة في ميزان الصراع مع العدو الصهيوني، لكنها عظيمة في ميدان الصراع التكنولوجي، وتنبئ بقدرات كامنة على تقليص الهوة معه. وهنا نتكلم عن ثلاث تطورات:

الأول: الانكشاف المتتالي لشبكات تجسس الموساد في لبنان خلال الفترة الأخيرة، ويعود الفضل في ذلك إلى أجهزة تنصت ألكترونية متطورة امتلكها حزب الله، ويقال أن مصدرها إيران أو ألمانيا، وبفضلها تمكن الحزب من اختراق وسائل اتصال العملاء مع الموساد وتعقب مكان وجود أجهزة البث وتفكيك الخلايا، والتي ما زالت تتساقط حتى اليوم مما يدل على وجود عجز تكنولوجي لدى الكيان في إخفاء اتصالاته وتشفيرها بطريقة تجعلها عصية على الاختراق. وربما قبلنا شكوك البعض بصدقية خبر إلقاء القبض على العملاء لولا الأدلة الملموسة التي تم عرضها من أجهزة اتصال وتجسس ضبطت معهم.

الثاني: قدرة كل من حزب الله وحركة حماس خلال حرب تموز وحرب غزة من اختراق موجات الاتصال اللاسلكي التابع لجيش الاحتلال، والتنصت على مكالماته حيث أن جيشاً نظامياً حديثاً مثل الجيش الصهيوني يعتمد وبشكل كبير على أنظمة التحكم والسيطرة والتي يكون فيها الاتصال اللاسلكي جزءاً هاماً منها. واختراق هذه الموجات ليست بالأمر السهل حيث يتم تشفيرها وتغيير طريقة التشفير بشكل مستمر ولحظي، يعني أي كسر لنظام التشفير يجب أن يراعي التغيرات المستمرة في التشفير، وهذا يحتاج لتكنولوجيا خاصة ومعقدة.

الثالث: تمكن حماس في قطاع غزة من السيطرة على طائرات بدون طيار صهيونية واسقاطها في حرب غزة، كما تكرر الأمر قبل أسبوع أو أسبوعين أثناء أحد التوغلات الصهيونية شمال قطاع غزة. فهذه الطائرات يتم توجيهها لاسلكيا عبر موجات يفترض أنها آمنة وغير قابلة للاختراق، وما يقوم به مقاتلوا القسام إما أنه اختراق تام للموجة والسيطرة على الطائرة وإعادة توجيهها أو أنه تشويش على نظام الاستقبال في الطائرة بحيث تتوقف عن التقاط التعليمات مما يؤدي لسقوطها في النهاية، وفي كلتا الحالتين هي فجوات أمنية بالطائرة لا يبدو أن الصهاينة وجدوا حلاً لها. كما نطرح سؤالاً: ما دام القسام قادر للوصول إلى ترددات هذه الطائرات ألا يعقل أنه يتنصت على المعلومات التي ترسلها إلى مركز التحكم بها؟ ألا يفسر هذا (ولو جزئياً) قلة الخسائر العسكرية التي مني بها القسام خلال حرب غزة بالرغم من أن سماء القطاع كان مجتاحاً بالكامل؟

هل نحن أمام اختراقات تكنولوجية هامة تقلص الفجوة مع الكيان الصهيوني؟ وهل لهذا دلالات على مستقبل العلاقة مع الكيان الصهيوني من ناحية تقنية وتكنولوجية؟ لو تتبعنا الفجوات التكنولوجية منذ الثورة الصناعية قبل مئتي عام وحتى الثورة التكنولوجية منتصف القرن العشرين نجد أن امتلاك التكنولوجية والقدرة على استخدامها يتطلب أموالاً طائلة وخبرات معقدة لا يمكن الحصول عليها بسهولة، لذا كان من الصعب على الدول العربية (فضلاً عن حركات المقاومة) تطوير طائرات تتفوق على الطائرات الغربية أو بناء مفاعلات نووية أو تصنيع صواريخ موجهة أكثر قوة وأكثر دقة مما لدى الكيان الصهيوني.

لكن مع دخولنا عصر ثورة الاتصالات قبل خمس وعشرين عاماً، وثورة المعلومات التي تلتها، أصبح امتلاك التكنولوجية الحديثة أكثر سهولة نظراً لرخص الثمن ولسهولة الاستخدام بل ولسهولة التهريب (نظراً للأحجام الصغيرة التي تتميز بها المنتجات التكنولوجية الحديثة). وبالتالي أصبح امتلاك منظومات الكترونية لديها قدرة التشويش على الطائرات بدون طيار أكثر سهولة من امتلاك صواريخ مضادة للطيران، وأكثر فعالية في الميدان.

لم يعد ممكناً على الغرب أو الكيان الصهيوني احتكار المعلومة والتكنولوجية في عصر الثورة المعلوماتية والثورة الرقمية، فكل شيء متاح وبأسعار بمتناول الجميع تقريباً، فأسعار أجهزة الاتصالات والحواسيب والأجهزة الالكترونية في انخفاض مستمر، وهي تقريباً السلع الوحيدة في العالم التي ينخفض سعرها بشكل مستمر.

ربما يستطيع الصهاينة الحفاظ على تفوقهم في مجال الصناعات الميكانيكية والكهروميكانيكية مثل الطائرات والدبابات والصواريخ الموجهة والقوة النيرانية المختلفة، لكن في مجال تكنولوجية المعلومات والالكترونيات يبدو أن لدينا كطرف مقابل قدرة أكبر على تقليص الفجوة وتشكيل تهديد حقيقي للكيان الصهيوني.

والسؤال لماذا لا نستغل هذه الحقيقة ونعمل من خلالها؟ لماذا لا يتم تطوير أنظمة ألكترونية قادرة على التشويش على الطائرات المقاتلة مثلاً؟ وللعلم استخدم الصهاينة في اجتياح لبنان عام 1982 تقنيات التشويش الالكتروني ضد أنظمة الاتصالات الخاصة بالطيارين السوريين في المعارك الجوية التي وقعت بين الطرفين في الأجواء اللبنانية مما عطل منظومة التواصل بين الطيار السوري وزملائه ومركز القيادة وأدى لتكبد السوريون خسائر فادحة في تلك المعارك الجوية.

المطلوب منا اليوم الاهتمام بمجال تكنولوجية المعلومات وتكنولوجية الالكترونيات لكي ندخل العالم الحديث، ونقلص الفجوات العلمية، ليس فقط في الحياة اليومية بل وفي ميدان المعركة، وهذا يبدأ من خلال توجيه الشباب في دراستهم الجامعية نحو الاختصاصات ذات الصلة، وانتهاء بإعطائها أولوية التطبيق داخل الأطر العسكرية المقاومة والتي يتم تهيأتها لمحاربة العدو الصهيوني. والسؤال هل يمكن أن نرى اليوم الذي تسقط به طائرات مقاتلة أو مروحيات من خلال تقنيات تشويش الكترونية (أو بمساعدتها)؟ وهل سيسبق اليوم الذي يتم اسقاط به الطائرات من خلال الأسلحة المضادة للطيران؟

في الحرب العالمية الثانية تمكن الحلفاء من فك شيفرة اتصالات الجيش الألماني في شمال أفريقيا مما جعل خططهم مكشوفة أمام الحلفاء إلى درجة ظن بها الألمان أن هنالك عملاء للحلفاء داخل قيادة الجيش الألماني، ولم يدرك الألمان أن كل اتصالاتهم المشفرة كان الحلفاء قادرين على فكها، مما أدى لتلقيهم خسائر ساهمت بهزيمتهم في الحرب. فهل من الممكن أن تكون وسائل الاختراق الألكتروني والرقمية عاملاً حاسماً في هزيمة الكيان الصهيوني؟

الخميس، 25 مارس، 2010

لماذا الضفة ساكتة لحد الآن؟

انتظر الكثيرون بعد الهبة الجماهيرية في القدس المحتلة التي اندلعت الأسبوع الماضي أن تمتد إلى الضفة الغربية، لتشعل انتفاضةً ثالثة إلا أن حجم المواجهات كان محدوداً، وأبرزها المواجهات في جنوبي مدينة الخليل ومخيم قلنديا وبيتا وتقوع ونعلين وعراق بورين وبعض القرى والبلدات الفلسطينية في المناطق الواقعة خارج السيطرة المباشرة للسلطة، فضلاً عن ازدياد في أعمال رشق الحجارة والزجاجات الحارقة لم يستمر لأكثر من أسبوع لتعود وتيرتها إلى معدلها الطبيعي تقريباً (أو أعلى قليلاً) بعد أقل من أسبوع على أحداث يوم الثلاثاء 16/3.

وحتى نفهم ما نريده من إشعال المقاومة في الضفة الغربية، أو ما يطلق عليه مسمى الانتفاضة الثالثة، لنتكلم عن أشكال المقاومة المختلفة والدور المتوقع لكل منها:

1- المظاهرات والمسيرات الشعبية: من الواضح أن المظاهرات والمسيرات الشعبية كان دورها محدوداً للغاية في الضفة الغربية، لأسباب عديدة أهمها أن السلطة منعت خروج أي مسيرة في مراكز المدن وهي المناطق المهيئة لخروج مسيرات شعبية كبيرة، ومنها أن المجتمع غير مهيأ للتحرك الجماهيري خاصة وأنه أرهق نتيجة سنوات طويلة من المعاناة خلال انتفاضة الأقصى، وأخيراً لأن حركة فتح غير معنية بأي تصعيد.
لا يمكن توقع خروج مسيرات شعبية عارمة بدون إنهاء مظاهر الانقسام وبدون مشاركة حركة فتح (أو على الأقل تغاضي السلطة عن هذه المسيرات)، لكن يمكن لوسائل المقاومة الأخرى أن تسد هذه الثغرة فيما لو فعلت بالشكل الكافي.

2- المواجهات: وهنا قمت بالتفرقة بين المواجهات والمسيرات بالرغم من أن المسيرات قد تنتهي بمواجهات مع سلطات الاحتلال. فيتم الصدام مع قوات الاحتلال مباشرة خلال المواجهات ورشقها بالحجارة، وميزتها أنها تحتاج لعدد أقل من المسيرات، فيمكن لبضع عشرات من الشبان أن يشعلوا منطقة بالمواجهات مع قوات الاحتلال، كما أن الشريحة المجتمعية التي تقوم بها (وتحديداً طلبة المدارس) لا تهتم كثيراً بالخلافات الداخلية الفلسطينية، وتعطي الأولوية للصدام مع المحتل.
مشكلة المواجهات أن نقاط الاحتكاك بالاحتلال الصهيوني قليلة مقارنة بالانتفاضة الأولى حيث كان المحتل يتواجد داخل كافة المدن والمناطق (وهذه قد نعتبرها إيجابية في الحقيقة)، فسيبقى نطاقها محدوداً بحكم محدودية مناطق الاحتكاك، ومن الناحية الأخرى هنالك هجمة أمنية احتلالية –سلطوية على كل من كان يشارك بالمواجهات في أحداث الأسبوع الماضي، وحملات اعتقالات واسعة النطاق، والسلطة لا تكتفي بالاعتقال بل تعمل على التشويه والاتهام بالعمالة وبرشق الحجارة خدمة للاحتلال (الذي يريد انتفاضة عنيفة كما هي مصطلحات الدايتونيين)، وبما أن أغلب القائمين على المواجهات من الشباب صغير السن فلا يتوقع أن يكون لديهم نفس طويل لهذه المواجهات.


3- المقاومة الشعبية: وأبرز أشكالها رشق الحجارة والزجاجات الحارقة على الطرق الاستيطانية، وعمليات الطعن، وهي تشهد تصاعداً ثابتاً وإن كان بطيئاً خلال الأشهر الأخيرة، وشهدنا زيادة حادة فيها خلال أحداث الأسبوع الماضي. وهي أشكال مقاومة أكثر تنظيماً من المواجهات، وأكثر قدرة على الديمومة، ويمكن أن تطور لما هو أكثر مثل استخدام المتفجرات الشعبية وما يعرف بالأكواع وغيرها.
مشكلة هذه المجموعات أن أغلب أعضائها شباب صغير السن لا يملكون الخبرة الأمنية الكافية، وقد ينكشف أمرهم بسبب ضعف الوعي الأمني والثرثرة مما يعرضهم للاعتقال، وبدون توعية أمنية ورعاية تنظيمية ستبقى هذه المجموعات تتشكل وتضرب قبل أن تتوسع في عملها المقاوم بالشكل اللازم، ولن تتراكم الخبرات.


4- المقاومة المسلحة: تلقت المجموعات المسلحة في الضفة الغربية ضربات قاصمة متلاحقة منذ اجتياح السور الواقي عام 2002م، وبعد وصول سلام فياض لرئاسة الوزراء انضمت السلطة بشكل جدي لجهود مطاردة المجموعات المسلحة ومصادرة السلاح، مما أضعف قدرة المجموعات المسلحة على الرد، ودفع من تبقى على الساحة إلى الانكفاء حتى تمر العاصفة.
لا أحد يستطيع تقييم حجم القوة الموجودة حالياً، وليس من الحكمة أن تخرج مرة واحدة، لكن من الواضح أن قدرتها على الفعل قد تضرر بشكل كبير، وما يدل على ذلك توقف العمليات الاستشهادية الناجحة منذ عام 2008م، وانخفاض عمليات اطلاق النار بشكل كبير منذ عام 2007م، وإن كانت ما زالت مستمرة بوتيرة منخفضة.


في ظل وجود سلطة تحارب المقاومة جنباً إلى جنب مع الاحتلال، وفي ظل إنهاك الناس وخوفهم المبالغ فيه من السلطة وعدم رغبة حركة فتح بالمشاركة، تكون لدينا مشكلة في كيفية تطوير العمل المقاوم ورفع وتيرته بالضفة الغربية.

ومن الواضح أن هنالك إشكالية جماهيرية عند أبناء حركة حماس وعامة الناس بالتعامل مع السلطة، فكما لاحظنا فإن أغلب النشاطات والمواجهات والمسيرات تمت في مناطق خارج سيطرة السلطة، وأن نفس الأشخاص الذين لا يهابون جنود الاحتلال ويواجهونهم بكل جسارة يقفون عاجزين أمام أجهزة السلطة الأمنية. وهنالك سوابق لهذا الموقف فمثلاً انتفاضة النفق عام 1996م استمرت لمدة ثلاثة أيام واستشهد فيها حوالي 85 فلسطينياً ولم يستطع الصهاينة وقفها، لكن في اليوم الرابع قررت السلطة وقفها وأرسلت قواتها وبأقل من يوم أنهت الانتفاضة ووأدتها في مهدها.

تستغل السلطة عدم رغبة الناس بالمواجهات الداخلية وعدم حرف بوصلة المقاومة، وتلقي بنفسها حاجزاً بينهم وبين الاحتلال، بل وتستخدم ما لديها من قوة لإرهاب وتخويف الناس، مما خلق مناخاً غير صحي يجعل من أي عمل علني من مسيرات ومظاهرات أو حتى مواجهات أمراً إشكالياً يحتاج لحل، فلا يكفي أن نقول سننقل المواجهة إلى مناطق "ب" غير الخاضعة لسيطرة السلطة الأمنية، لأن ما نراه على أرض الواقع أن الصهاينة يمنحون السلطة صلاحيات للعمل ضد المقاومة والناس في مناطق "ب"، مثلما حصل مؤخراً في قرية بيت لقيا التي زعمت السلطة أنها ضبطت فيها صاروخاً معداً للاطلاق تجاه الكيان الصهيوني، أو في قرى نابلس التي شنت فيها حملة اعتقالات بحثاً عن من يلقون الحجارة على سيارات المستوطنين.
كما أن هنالك مشكلة أخرى وهي عدم وجود قيادة سياسية وميدانية تملك زمام المبادرة، مما يجعل أغلب المبادرات التي تتم على أرض الواقع مبادرات فردية، وهي لن تتطور ولن تتراكم الخبرات بدون وجود جهات تنظيمية ترعاها وتنميها، بل وهنالك خوف من أن تضمحل مع الوقت في ظل الهجمة الأمنية للسلطة والاحتلال.
في ضوء ما سبق يمكن أن نخرج بالتوصيات التالية:

1. الاتجاه نحو أعمال المقاومة الشعبية (إلقاء الحجارة والزجاجات الحارقة) بوصفها شكل أكثر أمناً من المواجهات والمسيرات، وأكثر فعالية من حيث إيقاع الخسائر بالمحتل.

2. الاهتمام بمجموعات المقاومة الشعبية من خلال توفير الخبرات والتوعية الأمنية وتوفير الاحتياجات المادية المختلفة، ورعايتها وتنمية قدراتها. وأهم شيء هو التوعية الأمنية حتى لا يقعوا فريسة للاعتقال المبكر.

3. يجب إيجاد حل لمشكلة التعاطي الجماهيري مع السلطة وكسر حاجز الخوف منها لدى الناس، وهذا بحاجة لتعاطي إعلامي وتعبوي خاص، كما ويجب إيجاد حلول خلاقة لإشكاليات مثل كيف نخرج بمسيرات في مناطق السلطة، فهذا أمر لا يمكن السكوت عليه للأبد.

4. يمكن استغلال إعادة فتح العديد من الطرق وإزالة بعض الحواجز لتفعيل عمليات اطلاق النار ضد سيارات المستوطنين والجيش، ونشير هنا إلى ضرورة الحذر الشديد وضرورة استمرار الخلية بالعمل لأطول وقت ممكن، مما يعني وتيرة عمليات منخفضة حتى لا تحرق هذه الخلية وتستمر بالعمل. المهم وجود عمليات ولو بوتيرة منخفضة.

5. بالنسبة لتنظيم المواجهات يمكن للمسؤولين عن العمل الجماهيري في المناطق الساخنة أن يبرمجوا المواجهات، بحيث لا يكون هنالك ارتفاع في المواجهات مرة واحدة ثم تموت الأمور لاحقاً، يجب إراحة الشباب وعدم استنزافهم، فالمهم الاستمرارية ومن الأفضل مباغتة الاحتلال بالتصعيد مع قواته في أوقات لا يتوقعونها ولا يكونوا قد أخذوا استعدادتهم، حتى يستمر استنزافهم أمنياً.

الثلاثاء، 23 مارس، 2010

لماذا لم تصلِ الجمعة يا أبا صمود؟

أبو صمود صنديد من صناديد الوطن، وأسد من أسود الأمن الفلسطيني، أبو صمود قبلوه ليدخل دورة تدريبية لقوات الصاعقة قبل أشهر، وذلك بعد أن أخبره ابن عمه عنها وعن العمل في قوات الصاعقة، وعن اللباس اللامع الذي سيلبسه والسلاح الجديد الذي سيحمله، ولأن أبا صمود بلا مشاكل مع الطرف الآخر، ولأن أبا صمود لم يكن انقلابياً ولم يحب الانقلابيين يوماً في حياته، فقد قبل وذهب مع الدورة إلى الأردن.

رجع أبو صمود قبل شهر من الأردن فلسطينياً جديداً، يمثل أملاً للدولة الفلسطينية الوليدة، فقد تعلم السير بنظام، وتلميع حذائه، وتعلم كيف لا يرد على استفزازات "الإسرائيليين الملاعين"، وعلى سحب الذرائع منهم، وتعلم أصول قمع أعمال الشغب ومحاربة المخربين الانقلابيين.


بعدما رجع أبو صمود من دورته التي استمرت ثلاثة أشهر وضعت زوجته مولودتهما البكر، كان يريد تسميتها دلال، على اسم الشهيدة دلال المغربي فهو فتحاوي أباً عن جد، ولن يقبل باسم أقل فتحاوية، لكن قبل أن يسجل الاسم، قرأ في الصحيفة أن الطرف الآخر اعترض على تسمية ميدان في مدينة رام الله باسم دلال المغربي، وقرأ باعجاب كيف سحبت القيادة الحكيمة من الطرف الآخر (قاتله الله) الذريعة وقررت الغاء حفل التدشين.

قرر أبو صمود أن يقتدي بالقيادة وأن يطبق ما أخذه في الدورة، وقرر أن لا يسميها دلال، سحباً للذرائع وحتى ما حدا يحكي أن جنود الصاعقة يعملوا مشاكل وتحريض، طيب شو بدك تسميها؟ "بدي أسميها صمود، مش قيادتنا بتقول أن مجرد وجودنا على الأرض صمود؟ وأن صمودنا هو مقاومة سلمية تحرج الاحتلال، أنا بدي أحرج الاحتلال وأسميها صمود." وهكذا أخذ اسمه "أبو صمود".

ليلة الخميس الماضي جاءته التعليمات مع باقي أفراد وحدته، "بكرة الانقلابيين والمنفلتين بدهم يعملوا اخلال بالأمن العام بعد صلاة الجمعة"، كان المطلوب من أبو صمود والقوة الخاصة أن يرابطوا أمام أحد المساجد في المدينة، فكّر أبو صمود داخل نفسه "الله يخرب بيتهم هالانقلابيين حتى صلاة الجمعة بدهم يعملوها سياسة، لازم بكرة نربيهم."

أبو صمود لم يضيع صلاة جمعة في حياته، صحيح يضيع بعض الفروض بين الحين والآخر، لكن صلاة الجمعة كانت دوماً خطاً أحمر، فما الذي سيفعله؟ تذكر أبو صمود أنه سمع "الشيخ" يقول أنه يجوز ترك صلاة الجمعة لأصحاب الأعذار، و"الضرورات تبيح المحظورات، وهل يوجد أكبر من هكذا عذر؟" فكر أبو صمود: "شو في الدنيا شغلة أهم من أنه نحمي بلدنا من الشيعة الحمساويين، بكرة تصير البلد مليانة شيعة؟ لو بدي أموت شهيد راح أمنعهم."

في اليوم التالي ركب أبو صمود السيارة، بعد أن لمّع حذاءه كما تعلم، وحمل "الدبسة" بالطريقة الصحيحة، وفي الطريق خاطبه صوت في رأسه:

-وين رايح يا أبو صمود؟

*مين أنت؟

-أنا ضميرك يا أبو صمود، مش عارفني؟ شكلك نسيتني، ما هو من زمان ما حكينا مع بعض.

* آه، طيب. رايحين على الجامع. بدنا نمنع الشيعة الحمساويين يعملوا مشاكل ويدنسوا صلاة الجمعة؟

-وشو حجتهم الحمساوية الملاعين هالمرة؟

* قال شو، بدهم يتظاهروا علشان الأقصى. بس على مين يابا. إحنا صاحيين وجاهزين.

-وما له الأقصى؟

*قال اليهود بدهم يبنوا الهيكل محله.

-طيب، مش لازم يا أبو صمود يكون في حدا يدافع عن الأقصى، ما هو الأقصى مش للحمساوية لحالهم.

*آه....... ما هو إحنا ما بدنا نعطي اليهود ذريعة يتحججوا فيها. ما أنت شايفهم أعطيناهم كل شي ومش راضيين.

-والحل يا أبو صمود؟

*للبيت رب يحميه.

وقفت السيارة أمام المسجد ونزل أبو صمود منها مع رفاقه، واتخذ وضع الاستعداد.

-يا أبو صمود ليش ما دخلت الجامع؟

*شو مش شايفني قاعد بأحرس؟

-طيب والصلاة؟

*معاي فتوى، لما يكون في وضع ضروري الواحد بيقدر ما يصلي الجمعة. هيك قال "الشيخ".

-طيب وشو الضروري يا أبو صمود؟

*ما أنا أحكيتلك بدهم يطلعوا مسيرة، وبعدين بدهم يروحوا على الحاجز ويتسفزوا الطرف الآخر، وتصير مشاكل وتصير عسكرة للانتفاضة ونرجع للفلتان الأمني والبلد تخرب، كله من ورا الحمساوية. أخ منهم لو يتركوني عليهم أكسر رقابهم.

-طيب وبعدها يا أبو صمود؟ الأقصى مين راح يدافع عنه؟

*هو أنت بدك تظلك تعيد الأسئلة؟ قلت لك للبيت رب يحميه.

-يعني لو اليهود هدموا الأقصى راح تظلك تقول هالكلمة "للبيت رب يحميه"؟

*لا !!! شو مالك .... يا ويلهم إذا هدموا الأقصى. راح نولعها نار. هو أنت مفكر أن الأقصى لحماس؟ أصلاً هذول منافقين بيدخلوا الدين في السياسة ومش عارف شو.

- يعني راح تستخدم سلاحك ضد اليهود إذا دنسوا الأقصى؟

*أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. أسكت بلاش يسمعك دايتون. إحنا مش لازم نعطيهم ذرائع، وأنت بتقول لي سلاح وما سلاح؟

-طيب كيف بدك تولعها؟

*أمممم..... شوف إحنا الشعب الفلسطيني صامدين على أرضنا، وما دام إحنا موجودين وعايشين على أرضنا فهذا أكبر صمود، وما فيه شي في الدنيا يؤذي اليهود قد صمودنا.

-طيب يا أبو صمود .... الله يخليلك صمود. ما بدك تدخل المسجد وتصلي فهمناها، بس ليش مولع السيجارة؟ يعني احترم خطبة الجمعة وأطفي السيجارة.

*التدخين مش حرام. الشيخ أحكى أنه مكروه.

السبت، 20 مارس، 2010

فرص اندلاع الانتفاضة الثالثة بين الأماني والواقع -2-


ما نراه اليوم من مواجهات في القدس المحتلة، ورشق سيارات المستوطنين بالحجارة والزجاجات الحارقة على الطرق الالتفافية، والمواجهات عند جدار الفصل العنصري، هي بدايات مبشرة لكن تحتاج لتطوير، فبالرغم من أن هنالك تزايدا مستمرا منذ الخريف في وتيرة المقاومة الشعبية، إلا أنها ما زالت دون المستوى المطلوب، كما ان السلطة أعلنت مرارا عن رفضها المطلق لقيام أي انتفاضة ثالثة، وستشكل عائقاً بلا شك أمام توسع أعمال المقاومة أو الانتقال إلى مستوى المقاومة المسلحة المنظمة.

وهذه الوقائع تفرض تكيف التكتيكات لتحقيق انجازات على الارض، وهنا يأتي دور القوى السياسية وجماعات المقاومة لكي تتدخل وتساهم بتهيئة الأجواء المناسبة لتطوير الوضع إلى انتفاضة جديدة ومن ثم الحفاظ عليها ، مع مراعاة عدة أمور أبرزها:

1- الانقسام في الضفة الغربية يشل قدرة حماس على الحركة نظراً لوجود أبنائها تحت الرقابة والاستنزاف الدائمين، وفي ظل استحالة التوصل إلى مصالحة فلسطينية تضمن وقف مضايقة المقاومة في الضفة ومحاربتها، فأفضل شيء يمكن أن نأمله هو تهدئة المواجهة بين فتح وحماس بحيث تخف حدة المضايقات مما يتيح للجميع مجالاً أوسع (ولو بقليل) للتفكير بطرق زيادة وتيرة المواجهة مع الاحتلال.

2- الحراك يجب أن يحشد له ولا أن يقتصر على الأطر التنظيمية الضيقة، وهو فوق طاقة تنظيم أو فصيل لوحده حتى لو كان بحجم حركة حماس، وذلك عبر تشجيع ما تسمى بالمقاومة الشعبية، وتشجيع الشباب صغير السن من غير الحزبيين على المبادرة وتنظيم عمل مقاوم للاحتلال، وهنا أشير إلى أهمية المبادرة في العمل المقاوم، فوجود شباب متحمس مبادر هو أساس معظم العمل المقاوم بكافة أشكاله ابتداء من إلقاء الحجارة وانتهاء بالعمليات الاستشهادية.

3- يجب أن يكون هنالك حملة إعلامية موجهة تحرض ضد الكيان الصهيوني، وتركز على ضرورة المقاومة والانتفاض في وجهه، وأن تبتعد حماس عن المناكفات الجانبية مع فتح، لأن الدخول في المناكفات الجانبية ستدفع الناس المحايدين للابتعاد عن فكرة الانتفاضة، التي يجب أن تبقى فئة فوق مستوى الصراع الفلسطيني الفلسطيني.

4- يجب العمل على مراكمة التحركات الشعبية المتفرقة هنا وهناك، لتصبح ممارسات يومية، وهذا يتحقق تدريجياً على الأرض لكن المطلوب الحفاظ على الزخم ورفع وتيرته وسرعته، وهذا يحتاج لدعم معنوي ودعم مادي ودعم بواسطة تقديم الخبرات.

5- على المقاومة أن تكون جاهزة لاغتنام الفرصة المناسبة للعودة للعمل المسلح ، لأنه عند لحظة معينة ستفقد السلطة السيطرة الأمنية على الأرض ويصبح الفعل الشعبي أقوى منها، وهذا بدأ يتجلى مؤخراً ولو بصور محدودة (مثل: إغلاق باراك للضفة، أو ما قيل أنها أوامر من الكيان للسلطة بضرورة قمع التحركات الشعبية).

وعندها يجب أن ينصب العمل المسلح على مهاجمة المستوطنين ودوريات الاحتلال داخل الضفة فهذا أكثر جدوى من ناحية عملياتية وأسهل ميدانياً، ومن الناحية الأخرى يضرب الصهاينة في الخاصرة الرخوة (المستوطنات)، فاليوم كل العالم ينتقد هذه المستوطنات وينتقد وجودها، فيجب أن تكون عبئاً كبيراً عليهم حتى يصلوا لمرحلة ضرورة إخلائها أو إخلاء بعضها. فمن ناحية استراتيجية عسكرية دائماً يفضل ضرب الأهداف الأضعف والأسهل لدى العدو: مثل دوريات الاحتلال، والمستوطنات، والطرق الالتفافية، وجدار الفصل العنصري.

6- بالنسبة للوضع في قطاع غزة فهو مختلف، فالاحتلال خرج من القطاع، ولم يعد استنزافه له معنى إلا في واحدة من حالتين: إما التقدم نحو تحرير قسم من الأراضي المحتلة عام 1948م وهذا غير ممكن حالياً نظراً لاختلال موازين القوى، صحيح أن المقاومة صمدت في حرب الفرقان لكن الدفاع ليس كالهجوم، وحسب النظريات العسكرية الكلاسيكية يجب أن تكون القوة المهاجمة ثلاثة أضعاف حجم القوة المدافعة حتى ينجح الهجوم، هذا في حال تكافأت القوتين من حيث التدريب والتسليح. كما أن المقاومة في غزة تعتمد على شبكة من الأنفاق والتحصينات تقلل من تأثير التفوق الجوي الصهيوني وهذا غير متوفر في حال نقل المعركة إلى خارج قطاع غزة. الحالة الثانية هي التخفيف عن المقاومة في الضفة الغربية، وهي حالة أقرب للطرح العملي.

7- تحرك المقاومة من غزة لتخفيف الضغط عن الضفة الغربية في الوقت الحالي لن يفيد باستثناء الجانب الاعلامي، فالوضع الميداني بالضفة لا يستنزف حالياً قدرات جيش الاحتلال ولا يوجد أي استدعاء لقوات الاحتلال كما تقوم السلطة بجزء من مهمات الاحتلال، وفتح جبهة جديدة في غزة لن يضطر الاحتلال لسحب قواته من الضفة حيث يمكنه حشد فرقة أو اثنتين من قوات الاحتياط بسهولة، وستكون المواجهة تكراراً لما حصل في حرب الفرقان مع تغير طفيف في ميزان القوى لصالح المقاومة أو الاحتلال.

لذا إذا أردنا تخطيطاً سليماً يجب أن تستعد المقاومة في غزة للحظة التالية، عندما تشتعل الأمور في الضفة ويكون جيش الاحتلال في أضعف مواقفه، فعندها تضرب ضربتها (والمبررات دوماً جاهزة)، وخلال هذه الفترة يجب على المقاومة أن تجهز نفسها من ناحية تطوير قدراتها الصاروخية لتصل إلى مدى أبعد، والأسلحة المضادة للطيران والمدرعات حتى تتمكن من تحييدها إلى أكبر قدر ممكن في الميدان. عند تلك اللحظة (ونتكلم عن عام أو عامين على الأقل) يمكن أن يكون لتدخل المقاومة من غزة معنى ونتائج في الميدان.

8- يعتبر غور الأردن البوابة الشرقية التي تحمي الكيان الصهيوني، وهو الحزام الذي يفصل عملياً الضفة الغربية عن الأردن، وعلى عكس حدود رفح فغور الأردن عرضه حوالي عشرين كيلومتر، فهو أطول من أن يستخدم ممراً لتهريب السلاح من الأردن إلى الضفة، والكثافة السكانية الفلسطينية فيه قليلة للغاية، مما يجعل استنزاف قوات الاحتلال المتواجدة فيه أمراً صعباً عملياً. لذا يجب أن نبحث عن بدائل خلاقة حتى يكتب للانتفاضة الثالثة في حال اندلعت الاستمرارية والقدرة على تحقيق انتصارات ذات معنى.

9- أحد الحلول التي يجب البحث فيها هو تنشيط الدور الفلسطيني في الأردن، ولا أتكلم فقط عن الإخوان المسلمين وحماس، بل الشباب العادي غير الحزبي، يجب أن يكون الأردن منطلقاً للعمل المقاوم الذي يستنزف الاحتلال الصهيوني في غور الأردن، ويمكن أن تكون البداية مبادرات فردية، لكن يجب أن تتصاعد ويزداد عنفها ووتيرتها، الصهاينة لن ينسحبوا من غور الأردن بضربة أو ضربتين، لأنهم لو فعلوها فيعني وقوع كل المنطقة شرق جدار الفصل العنصري بيد المقاومة، ويعني عملياً أن قلب الكيان الصهيوني سيكون تحت رحمة المقاومة. المعركة في غور الأردن وفي عموم الضفة لن تكون سهلة والاحتلال لن يستسلم بسهولة فالمعركة تحتاج لنفس طويل جداً، وليس مهماً عمليات استشهادية يقتل بها العشرات بقدر ما هو مهم إطالة أمد المواجهة واستنزاف العدو نفسياً ومادياً وميدانياً.

10- أما على مستوى باقي فلسطيني الشتات وخصوصاً من يعيشون في أوروبا والغرب فيجب الاستمرار بالحملات المنظمة من أجل التأثير على الرأي العام الغربي، ودعم حق الشعب الفلسطيني في المقاومة وحقه في العودة لأرضه، كجهد مساند لما يتم على الأرض وفي الميدان.

هذه أسس يجب أن نفكر في إطارها حتى نضمن أن الأحداث الحالية لن تكون مجرد هبات عابرة، وحتى نستطيع أن نطورها وصولاً لما يمكن تسميته بانتفاضة ثالثة وحتى نضمن استمراريتها، وألا ينتهي بنا المطاف كما حصل في انتفاضة الأقصى عندما استنزفت حماس كل قوتها في الضفة الغربية عامي 2001 و2002م وزجت بكل قياداتها وكوادرها واستهلكت قوتها دون تخطيط سليم، بحيث عاد الوضع في الضفة الغربية إلى ما كان عليه قبل اندلاع الانتفاضة في السنوات التي تلت.

الاثنين، 15 مارس، 2010

فرص اندلاع الانتفاضة الثالثة بين الأماني والواقع -1-

يتساءل الكثير من الناس عن القضية الفلسطينية ومآلها في ظل الوضع الحالي، والمتمثل بقطاع غزة المحاصر، والضفة الغربية المستباحة والتي يزدهر فيها الاستيطان، بالإضافة للشتات الفلسطيني المبعد قصراً عن قضيته.

ويكثر الكلام عن اندلاع انتفاضة ثالثة كحل ومخرج من الوضع الحالي، وقد كرر قادة فلسطينيون مثل خالد مشعل الدعوة لانتفاضة جديدة أكثر من مرة خلال السنوات الماضية دون أن نرى شيئاً يمكن أن يرتقي لمستوى انتفاضة حقيقية. فإلى أي مدى يمكن الحديث بواقعية عن انتفاضة ثالثة وكيف يكون شكلها، والأهم من ذلك ما المطلوب منا كأفراد وفصائل مقاومة حتى نتحرك قدماً (بانتفاضة أو بدونها) ونحقق التقدم على الأرض في مواجهة الكيان الصهيوني.

نشير في البداية إلى أن تعريف الانتفاضة مطاط، ويختلف مفهومها من تعريف إلى آخر، ما بين من يقتصر بتعريفها على أن أنها تحركاً شعبياً عفوياً ضد الظلم، وبين من يتوسع في التعريف لتشمل كل عمل مقاوم واسع النطاق ضد الاحتلال بوسائل عسكرية وغير عسكرية. لا نريد الدخول في دوامة التعريفات هذه، ولنأخذ مفهوم الانتفاضة بالمعنى الواسع لها.

إذا تتبعنا مسيرة مقاومة الشعب الفلسطيني منذ اندلاع الانتفاضة الأولى وحتى يومنا هذا، نجد تغيراً في وسائل المقاومة، والتي كانت تتكيف وتتغير بحسب الظرف ومتطلباته، ففي الانتفاضة الأولى كان جيش الاحتلال متواجد داخل المدن والبلدات فكان للمسيرات والمواجهات المكثفة والإضرابات مغزى ودلالات ساهمت بإشعال الانتفاضة، لكن مع الخروج التدريجي للاحتلال من مراكز المدن، فُرِضت قواعد جديدة في لعبة المواجهة مع الاحتلال.

فانتقلت المواجهة في انتفاضة الأقصى لمهاجمة الأهداف الصهيونية في المستوطنات أو حتى داخل الكيان نفسه، من خلال العمليات الاستشهادية والكمائن وإطلاق الصواريخ، مما اضطر الاحتلال للانسحاب من قطاع غزة عام 2005م حتى يقلل من حجم الاستنزاف. وفي السنوات الأولى للانتفاضة بلغت العمليات الاستشهادية ذروتها لتبدأ بالتراجع بعد عملية "الجدار الواقي."

وتعددت أسباب تراجع العمليات الاستشهادية، ابتداء من بناء جدار الفصل العنصري، وتقليص دخول الفلسطينيين إلى داخل الكيان من الضفة الغربية ومنعهم تماماً من قطاع غزة، ومنع دخول المواد التي يمكن أن تستخدم في تصنيع المتفجرات إلى الضفة الغربية وفرض رقابة على المصانع التي تتعامل مع مواد كيماوية (مثل مصانع الأدوية ومواد التنظيف) إلى حد أن الأجهزة الأمنية في الضفة تطلب من أصحاب هذه المصانع قائمة مفصلة بالعمال الذين يتعاملون مع هذه المواد.

ونجد اليوم الظرف الميداني في الضفة والقطاع يختلف عن الظرف قبل 9 أعوام، سواء من حيث إمكانيات المقاومة – والتي تزايدت في غزة فيما استنزفت بالضفة إلى حد كبير، أو من حيث انتشار وعمل قوات الاحتلال – حيث خرج جيش الاحتلال من داخل غزة وفرض طوقاً من الخارج (بالتعاون مع النظام المصري)، بينما أحكم قبضته على الضفة الغربية (بالتعاون والتنسيق مع سلطة دايتون)، مما يفرض علينا تغيير وسائل وتكيتكات المقاومة.

فشكل الانتفاضة الثالثة المنتظرة ليس من الضروري أن يكون استنساخاً للتجربتين السابقتين، وهذا يجب أن يكون في ذهن من يخطط للانتفاضة القادمة أو يعمل على المساهمة بإشعالها، فلكل زمان ومرحلة ظروفها الخاصة، المهم أن تكون هنالك عوامل مساعدة على اندلاع انتفاضة جديدة. وإذا درسنا الظروف التي سبقت الانتفاضتين السابقتين نجد أموراً مشتركة مع الوضع الحالي: انسداد في الأفق السياسي، وغياب أي حلول جدية للقضية الفلسطينية، وتجاوزات صهيونية على الأرض.

ونشير هنا إلى أن الذين يقومون على الانتفاضات والتحركات الشعبية هم عادة من فئة الشباب (طلبة المدارس الثانوية وطلبة الجامعات وحتى الشباب في مقتبل العمر من العمال والعاطلين عن العمل)، وهذه الفئة العمرية معروف عنها أنها أكثر ميلاً للمبادئ والمثل وأكثر قدرة واستعداداً للتضحية بسبيل مبادئها وتوجهاتها، والمجتمع الفلسطيني لا يفتقر لهذه الفئة العمرية، وخير دليل على ذلك ما نراه من تحرك على الأرض في الضفة الغربية (بما فيه القدس المحتلة)، يقوده الشباب صغير السن، سواء كنا نتكلم عن مواجهات في شوارع القدس المحتلة وساحات المسجد الأقصى، أو إذا تكلمنا عن رشق سيارات المستوطنين على الطرق الالتفافية بالحجارة والزجاجات الحارقة، وهي أعمال يقوم بها عادة مجموعات من طلاب المدارس الثانوية، أو عمليات الطعن التي تكون دوافعها عادة مبادرات ذاتية.

وفي ظل وجود انسداد في الأفق السياسي، وفي ظل وجود من يبادر ويتحرك في الميدان أملاً في تغيير الواقع، نتساءل: كيف نطور هذه المبادرات الفردية والمجموعات الصغيرة لتصبح عمل مقاوم منظم؟ وكيف نضمن ديمومتها وتصاعد حدتها؟ وما هو الدور الذي يمكن لفصائل المقاومة أن تلعبه؟ ومتى تتدخل فصائل المقاومة وكيف؟ وما هي الآليات التي يمكن أن تضمن استمرارية الانتفاضة الثالثة؟

سنحاول الإجابة على هذه التساؤلات في الجزء الثاني بإذنه تعالى.

الثلاثاء، 2 مارس، 2010

متى ينكشف العملاء؟

"ويشار إلى أن القاتل عميل"، بهذه الكلمات وصفت المذيعة في "صوت إسرائيل" عملية قتل ضابط جهاز الشاباك الصهيوني حاييم نحماني على يد الشهيد القسامي ماهر أبو سرور، في الأيام الأولى من الشهر الأول لعام 1993م وبعد مرور أقل من أسبوعين على إبعاد قيادة حماس إلى مرج الزهور.

قام الشهيد ماهر أبو سرور بتضليل ضابط المخابرات وأوهمه استعداده للعمل مع جهاز الشاباك، وتم الاتفاق على أن يلتقيا بأحد الشقق السكنية في القدس الغربية، عندما وصل ضابط المخابرات كان الشهيد قد أعد له كميناً بالتنسيق مع كتائب القسام، وقتله مستخدماً مطرقة وأدوات حادة واستولى على سلاحه وأوراق العمل التي كانت معه.

تمكن الشهيد من الانسحاب ولم يدر جهاز الشاباك بمقتل الضابط إلا بعد مرور ساعات على الحادثة، كانت ضربة قاصمة للشاباك، ويبدو أنه في لحظة غضب قرر شخص ما من الشاباك أن يتم الإعلان أن الشهيد كان عميلاً له (ربما سعياً لتشويهه والإيحاء بأنه قام بهذا العمل لأسباب شخصية وليس وطنية) فما زالت الطريقة التي قرأت به المذيعة الخبر وكيف شددت على كلمة عميل عالقة بذهني حتى يومنا هذا، بعد مرور سبعة عشر عاماً على العملية.

وصف "صوت إسرائيل" لفلسطيني بأنه عميل ليس بالزلة ولا بالأمر العادي، فنشرات أخبارها يجب أن تمر على رقابة الشاباك والذي يقوم بغربلتها، "العميل" هي وصمة يطلقها الشعب الفلسطيني، وبالنسبة للفلسطيني أن يموت أهون عليه من أن يحمل مسمى عميل، أما الصهاينة وصوت إسرائيل فيستخدمون مصطلح "المتعاون"، ولم يجر أبداً أنهم وصفوا أحداً بأنه عميل، وحتى عندما يقتل المقاومون أحد عملائهم يقولون "قتل للاشتباه بتعاونه مع السلطات".

أول شيء يحرص عليه ضباط الشاباك لدى تجنيدهم للعملاء هو تقديم الضمانات والتأكيدات على أن العميل لن يكتشف ولن يدري بأمره أحد، ولطالما رفض الشاباك الكشف عن أسماء عملائه حتى لو كشفوا عن أنفسهم أو افتضح أمرهم، فهم لا يريدون كشف أساليب عملهم من ناحية ويريدون الحفاظ على ثقة العميل بهم أنهم لن يغدروا به أو يكشفوه.

لذا عندما يقول الشاباك أن فلان عميل له، فلا بد أن هنالك أمر جلل أهم من مصداقيته أمام عملائه، وما قام به الشهيد ماهر أبو سرور لم يكن صدمة فحسب، بل كان فاتحة لعمليات مشابهة ومماثلة فلحقه الشهيد عبد المنعم أبو حميد الذي نصب كميناً مع زملائه من القسام لضابط الشاباك الذي جاء للقائه بأحد شوارع رام الله فأمطره بوابل من النيران فقتله وأصاب سائق سيارته، كما شهدت انتفاضة الأقصى عدة عمليات لـ"عملاء" مفترضين فجروا أنفسهم وسط ضباط الشاباك.

الشهيد ماهر أبو سرور واصل عمله المقاوم ونفذ عدة عمليات قبل استشهاده في عملية التلة الفرنسية بنفس العام، وبالتالي فوصمة العمالة التي أراد الشاباك وبالتنسيق مع "صوت إسرائيل" بدت أقرب لمحاولة صبيانية وفشة خلق منها لمحاولة تشويه حقيقية.

لكن في حالة ابن الشيخ حسن يوسف فالأمر مختلف نوعاً ما، حيث قام بتأليف كتاب يعترف فيه بعلاقته بالشاباك وعمالته وتباهى بذلك، مع ذلك فتوقيت نشره وتبرع ضابط سابق في جهاز الشاباك للكلام وكشف أساليب عمل الجهاز يشير إلى أن الأمر يتعدى سبقاً صحفياً تريد الصحيفة تحقيقه، فضباط الشاباك لا يتكلمون للصحافة إلا بإذن حتى لو كانوا متقاعدين، والتقرير الصحفي يجب أن يمر على الرقابة العسكرية، والرقابة بكل تأكيد طلبت من جهاز الشاباك إبداء الرأي في التقرير وما جاء فيه، ما لم يكن الجهاز نفسه هو من يقف وراء الأمر برمته.

توقيت التقرير جاء ليخدم هدفاً صهيونياً واضحاً، فبعد فضيحة رفيق الحسيني وبالتزامن مع قضية اغتيال الشهيد محمود المبحوح، كان لا بد من فضيحة لحركة حماس، ليس إنقاذاً للسلطة لأنه مهما قيل فلن تنظف سمعة السلطة، بل لإيصال رسالة إلى الشعب الفلسطيني قيادتكم كلها ملوثة، وأنكم شعب لا يوجد فيه أحد نظيف، المطلوب هو بث اليأس والإحباط بين الناس، وصولاً للكفر بكل ما يمت للمبادئ والثوابت بصلة.
لكن الشيخ حسن يوسف قطع الطريق على الشاباك والصحيفة عندما لم ينف ما جاء واكتفى بتأكيد أن ابنه لم يكن يوماً عضواً عاملاً في حركة حماس، وكانت الحركة أذكى من السلطة عندما لم تحاول الدفاع عن سمعة مصعب وشرفه، كما دافعت السلطة عن شرف رفيق الحسيني، لقد وأدت الفضيحة أو على الأقل تم تحجيم أضرارها.

لكن ما حصل يجب أن ينبهنا إلى أمرين أساسيين:

1- هنالك أمر جلل دفع الشاباك للموافقة كي يتكلم أحد ضباطه السابقين بهذه العلنية والصراحة غير المعهودة، فهل تفاعلات قضية المبحوح أحرجت الكيان لهذه الدرجة؟ أم أن الشاباك رأى أن انهيار سمعة السلطة مع فضيحة الحسيني سيرفع أسهم حركة حماس، فلا بد بالتالي من تحرك عاجل لكي تنزل حماس، وعندها تقبع هي والسلطة في القاع، ليجرا معهما آمال الشعب الفلسطيني؟

2- يجب الحذر في التعامل مع ما يأتينا من الصحافة الصهيونية، مع ضرورة متابعة صحافة الكيان حتى نتعرف على أوضاعهم الداخلية، وحتى نأخذ فكرة عن المجتمع والدولة الصهيونية وعن مخططاتهم وأفكارهم وتصوراتهم، فمعرفة العدو هي خطوة هامة ومصيرية لكسب المعركة معه.

لكن من غير أن تكون صحافة العدو مصدر تعرفنا على أنفسنا، ولا أن تصبح مسرحاً لتبادل الفضائح بين أقطاب الساحة السياسية الفلسطينية. فالصحافة الصهيونية لها تصوراتها ورؤيتها للشعب الفلسطيني والعرب بشكل عام، ترانا مجموعات متناحرة، وترانا مجتمعات متخلفة شهوانية، وترى تسويق فضائحنا فرصة لفرض نفسها كحكم علينا وبيننا. يجب أن تكون قراءتنا لما تنشره الصحافة العبرية أكثر وعياً وإدراكاً لما يريدوه منا، هل توجد حقائق ينشروها؟ نعم هي موجودة لا شك، لكن لا نبلع ما يأتينا كما هو.
قد لا يكون ما كشفه مصعب أو الضابط المسؤول مهماً أو خطيراً أو حتى صحيحاً من الأصل، لكنه يدل على وجود أمر كبير دفع الكيان الصهيوني للمخاطرة بسمعته المخيفة والمرعبة التي بناها على الغموض الذي يلف أغلب عملياته، لننتبه جيداً فعدونا الكيان الصهيوني وليس فتح أو حماس، لنتذكر هذا.

بطل القضية: الكاميرا

"هذه أرض مقدسة ما بيظل فيها شيء مخبا" هذه جملة سمعها الكثير من المعتقلين الفلسطينيين من محققي جهاز الأمن الداخلي الصهيوني (الشاباك)، في محاولة لإقناعهم بأن كل شيء مكشوف وأنه لا مجال للإنكار وإخفاء نشاطاتهم في مقاومة الاحتلال، لكن يبدو أن رجال الشاباك لم يعطوا هذا الدرس لزملائهم في جهاز الموساد.

أو ربما ظن رجال الموساد أن قدسية الأرض هي قدسية جغرافية تتعلق بما يحصل على أرض فلسطين، لكن سلسلة إخفاقات الموساد ابتداء من فشل محاولة اغتيال خالد مشعل قبل 12 عاماً، ومروراً بكشف محاولة التجسس على مسؤول بحزب الله في سويسرا قبل بضع سنوات، واعتقال خلايا الموساد في لبنان العام الماضي، وانتهاء بالفضيحة التي تتكشف فصولها بخصوص استخدام الموساد جوازات سفر أوروبية "لمواطنين" صهاينة في عملية اغتيال الشهيد محمود المبحوح، كلها حوادث تقول للموساد أن قدسية الأرض تمتد لتشمل أبناء الأرض ومن يحمل السلاح جهاداً لتحرير الأرض المقدسة.

ومثلما كانت الكاميرا البطل الذي لا يعرف الكذب في فضيحة رفيق الحسيني، فهي أيضاً بطل التحقيقات بمقتل المبحوح، ومثلما حصل في قضية رفيق الحسيني حيث حاولت السلطة الإنكار والتنصل إلا أن مصداقية الكاميرا كانت قوية كطوفان تسونامي حطم كل أسوار الأكاذيب والمراوغات والخداع، فإننا نرى الأمر يتكرر اليوم مع آخر فضائح الموساد، تجاهل فإنكار فاعتراف (كرهاً وليس اختياراً).

صحيح أن مجريات التحقيق لحد الآن لم تكشف عن كافة تفاصيل الجريمة، وما زالت هنالك علامات استفهام عديدة، وصحيح أن القتلة لن يسلمهم الكيان ولن ينالوا عقابهم على الأرجح، وصحيح أن القتلة استخدموا جوازات سفر أشخاص آخرين لتبقى شخصيتهم الحقيقية طي الكتمان، لكن لأول مرة بتاريخ عمليات القتل التي نفذها الموساد ضد المقاومين الفلسطينيين خارج فلسطين، تكون هنالك أدلة حاسمة وقاطعة على تورط الكيان الصهيوني الفعلي بعملية اغتيال، فطوال سنوات كان الموساد ينفذ الجريمة تاركاً الناس في تخبط عبر الإبقاء على الغموض المريب.

الكاميرات صورت كل لحظة من لحظات تتبع الشهيد، ولحظات اقتحام الغرفة لتنفيذ الجريمة، ولحظات الخروج، وبواسطة التقنيات المتطورة تمكنت شرطة الإمارات من تحديد صور القتلة، ومن خلال سجلات المسافرين استطاعت تحديد أسماء وجوازات السفر التي استخدمها القتلة، ولا يوجد عاقل في الدنيا يعتقد أن وجود 7 صهاينة من بين الأسماء المتهمة هي مجرد صدفة أو ضربة حظ أو مؤامرة إماراتية لتوريط "مواطنين" صهاينة.

فجوازات السفر نفسها لا يوجد فيها ما يدل على ديانة أصحابها أو إن كانوا زاروا الكيان الصهيوني فضلاً عن معرفة كونهم مقيمين في الكيان منذ سنوات، فكيف استطاعت شرطة دبي تحديد أن هؤلاء الصهاينة يملكون جوازات سفر بريطانية وأيرلندية وأنهم هم القتلة؟ هل استعانت بمنجمين؟ هنا يأتي دور بطل القضية الكاميرا.

وفي حين أن هنالك عمليات للموساد تمت قبل ثلاثين عاماً وأكثر ما زالت مقيدة ضد مجهول، ففي هذه الجريمة لم تمض بضعة أسابيع حتى بدأت الأدلة تتراكم بحق الكيان الصهيوني وتورطه في العملية، وهنا نأتي إلى البطل الذي لا يعرف الكذب: كاميرات التصوير، ولنلاحظ ما فضحته لنا من حقائق:

1- كذبت الكاميرا كل المزاعم بحق الشهيد من أنه اغتيل نتيجة خلافات داخلية، أو أن صوت امرأة أغراه ليفتح لها الباب ويلقى حفته. فالكاميرا كشفت أن القتلة قاموا بفك برمجة باب الغرفة ودخلوا ليكمنوا للشهيد الذي لم يكن موجوداً في الغرفة أصلاً لدى اقتحامها، والكاميرا كشفت لنا أن القتلة قدموا من الكيان الصهيوني، لقد افتضحت كل الروايات التي أرادت أن تغتال الشهيد معنوياً بعد اغتياله جسدياً.

2- لعل الصهاينة نجحوا في الانتقام من عدو قديم وبينوا للعرب أن يدهم طويلة وتصل لأي مكان، لكن الأمور تطورت تجاه أزمة ثقة مع الدول الأوروبية التي لا تقبل تعريض حياة مواطنيها للخطر من خلال استخدام الكيان الصهيوني لجوازات سفر بلدانهم، وخاصة أنها ليست أول مرة يستخدم الموساد لجوازات سفر غربية في عملياته القذرة، فقد سبق وأن استخدم الموساد جوازات سفر بريطانيا مزورة، وحمل منفذو محاولة اغتيال مشعل جوازات سفر كندية، كما قبض عام 2004 على عملاء صهاينة حاولوا شراء جوازات سفر نيوزلندية مزورة.

3- تضاف هذه الأدلة على ما سبقها من أدلة دامغة على أن الكيان الصهيوني هو دولة مارقة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، ولن تسعفه مساحيق التجميل الإعلامية والحماية الأمريكية، فقوة الصورة وقوة الكاميرا أعلى بكثير من كل مساحيق التجميل.

4- تعطي هذه الحقائق المبرر لحماس أن تنتقم للمبحوح خارج الأرض الفلسطينية، فما دامت هذه الدول تسمح للكيان باستخدام جوازات سفرها لتنفيذ الجرائم، فهذا يعني أنها ارتضت لنفسها أن تكون طرفاً في الصراع، ولو كنت مكان قيادة حماس لنفذت عملية ضد السفارة الصهيونية في أحد هذه البلدان، فهي أظهرت لا مبالاة بالدم الفلسطيني، والكيان الصهيوني ارتضى لنفسه نقل المعركة للخارج، وهذه لعبة يستطيع الجميع لعبها.

5- لعل أم الفضائح في هذه الحالة هو موقف الكيان الصهيوني تجاه "مواطنيه"، فمن الواضح أن الموساد استخدم جوازات السفر دون علم أصحابها الحقيقيين، وهذا لم يكن ليتم بدون تعاون سلطة المطارات الصهيونية وأجهزة حكومية مختلفة، وفجأة وجد 7 "مواطنين" صهاينة أنفسهم مطلوبين للانتربول، ولن يستطيعوا مغادرة الكيان إلى أي مكان في العالم، لأنهم سيكونون مطلوبين للتحقيق.

فلطالما عرض الكيان نفسه على يهود العالم أنه الملاذ الآمن لهم، وإذا الصهاينة يكتشفون أنهم يستخدمهم غطاء لجرائمه وتعرض حياتهم الشخصية لخطر لا يمكن إصلاحه، وفي وقت يعاني الكيان من قلة القادمون الجدد من يهود العالم، لترسل هذه الفضيحة رسائل حاسمة ليهود العالم أن لا يأتوا للكيان، لأنهم قد يتحولوا إلى قتلة مطلوبين في كل دول العالم من دون أن يفعلوا شيئاً. ومن الأمور التي كان يهدف لها المبحوح وغيره من المقاومين تحقيقها هو وقف سيل الهجرة اليهودية إلى الكيان، كخطوة على طريق القضاء عليه، وها هو المبحوح يحقق ذلك من خلال موته وشهادته.

وقد طالب الكاتب في صحيفة هآرتس (أمير أورون) يوم أمس الأربعاء باستقالة رئيس الموساد، حتى لو تمكن من تسوية الأمور مع الدول الأوروبية، لأنه انتهك التزاماً تجاه "المواطنين" الصهاينة، حيث أن استخدام "هويات إسرائيليين حقيقيين وأحياء وأبرياء" في العملية هو انتهاك للقانون، على حد تعبيره.
بماذا كان يفكر الموساد عندما خطط لهذه الجريمة؟ ألم ينتبهوا إلى أن مطارات وفنادق دبي مليئة بكاميرات المراقبة؟ أم أنهم استهانوا بقدرات الأجهزة الأمنية العربية؟ أم أنها مؤامرة دولية لتوريط الكيان الصهيوني بالتي هي أحسن (كما يحاول بعض الصهاينة عبثاً إقناع أنفسهم)؟
هل المكاسب التي حققها الصهاينة من اغتيال المبحوح توازي الثمن الذي دفعوه وسيدفعوه؟ ما زلنا في البداية وواضح أن الثمن مرتفع وهو مرشح للارتفاع أكثر. يقولون أنه لا توجد جريمة كاملة، ويقول محققوا الشاباك "هذه أرض مقدسة كل شيء ينكشف فيها"، فهل كان يظن الموساد أنه فوق ارتكاب الأخطاء؟

اخترع الغرب كاميرات المراقبة والأنظمة الأمنية في المطارات للتحكم بمن يمر ويأتي ويذهب، والصهاينة برعوا باستخدام أدوات المراقبة والتتبع، لكنهم كانوا من السذاجة بمكان في أن يقعوا ضحية لها وبشكل مفضوح، قتلهم غرورهم وعجرفتهم، وتبقى الكاميرا البطل الذي لا يعرف الكذب، والبطل الذي يكشف المجرمين وينتقم للمظلومين.