الثلاثاء، 31 أغسطس، 2010

بعد مرور سبع سنوات على غزو العراق: هل انتهت المهمة فعلاً

بعيد الغزو الأمريكي للعراق وقف الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش في حاملة الطائرات أبراهام لينكولن ليعلن مزهواً أن "المهمة انتهت – mission accomplished"، زاعماً أن الوضع في العراق أصبح مستتباً للاحتلال الأمريكي، إلا أن الأشهر التالية أثبتت أنه كان متسرعاً للغاية فسرعان ما غرق الجيش الأمريكي بمستنقع المقاومة العراقية، ولم يكن العراق تلك اللقمة السائغة التي ظنها بوش في البداية.

إلا أن عمليات المقاومة العراقية ضد الأمريكان تضاءلت في السنتين الأخيرتين وتقلصت خسائر الأمريكان بشكل كبير، وخصوصاً بعد تشكيل الصحوات، ونتسائل: إذا كانت الخسائر العالية للأمريكان هي ما دفعت أوباما للتعهد بالانسحاب من العراق أثناء حملته الانتخابية فلماذا لم يغير قراره ويقرر البقاء بالعراق بعد تقلص الخسائر وتراجع المقاومة؟ الحاجة لقوات أمريكية في أفغانستان هو جزء من الإجابة، لكن ألا يمكن القول بأن أمريكا حققت بعد سبع سنوات من احتلال العراق جزءاً هاماً من أهدافها، وبالتالي لم يعد هنالك داعي لبقاء أعداد كبيرة من الجيش الأمريكي في العراق؟

أهداف الغزو الأمريكي للعراق:

إذا أردنا تلخيص أسباب الغزو الأمريكي للعراق فيمكن حصرها بثلاثة أهداف عامة: إضعاف العراق وتفتيته بحيث لا يعود قوة إقليمية تهدد الكيان الصهيوني (وهذا هدف صهيوني بالأصل أكثر منه هدفاً أمريكياً)، وإيجاد موطئ قدم لقواعد عسكرية أمريكية، ولاستغلال النفط وما يمكن أن يعود به من عوائد مالية تحرك الاقتصاد الأمريكي؛ وأمريكا تتميز عن الاستعمار الأوروبي القديم بأنها لا تهتم بأن تكون السيطرة المباشرة لها، يكفيها أن تحقق أهدافها التي تسعى لتحقيقها.


وإذا تكلمنا عن النفط فصحيح أنه رسمياً ملك للعراق والعراقيين، وأمواله تنهب وتبدد بأيدٍ عراقية، وضاعت مليارات الدولارات كانت مخصصة لقطاع الطاقة والكهرباء العراقي في كواليس الحكومة والدولة العراقية (وليس الأمريكية)، إلا أن الشركات الأمريكية ضمنت حصتها الكبيرة في السوق العراقية (النفطية وغير النفطية) وذلك لم يكن لولا يد الحكومة الأمريكية الخفية.

أما عند الكلام عن القواعد العسكرية الأمريكية فبعد سحب ما قيل أنها القوات الأمريكية المقاتلة، بقي في العراق حوالي خمسين ألف جندي أمريكي، يقال أنهم لتدريب الجيش العراقي وإسناده، بينما في الحقيقة التدريب والإسناد لا يحتاج عشر هذا العدد، فالقواعد الأمريكية ما زالت موجودة، ولا يبدو أن هنالك خطر يتهددها على المدى المنظور، وخصوصاً مع انخفاض وتيرة العمليات العسكرية للمقاومة العراقية ضد الأمريكان، صحيح أن هنالك اتفاق لخروج كل القوات الأمريكية مع نهاية العام القادم، لكن هنالك بند في الاتفاقية التي نظمت الانسحاب الأمريكي تنص على أنه يمكن التمديد للقوات الأمريكية بطلب من الحكومة العراقية، وهذا وارد في ظل عراق مفتت وضعيف.

لربما أهم هدف بالنسبة للأمريكان والصهاينة كان تفتيت العراق وإضعافه بشكل كبير، وحسب ما نراه اليوم هذا أكثر هدف نجحوا في إحرازه، لدرجة أنه وبسبب الوضع العراقي الداخلي ووجود دولة عراقية شبه فاشلة وتخوف كل طائفة من الأخرى وكل تيار من الآخر، يوجد في العراق من يطالب بعدم انسحاب الأمريكان و عدم تركه يغرق في الفوضى، وهذا يعني بالضرورة ديمومة القواعد العسكرية الأمريكية وضمان تحقيق الهدف الثاني لفترات زمنية أطول.

إغراق العراق في الفوضى جزء من المخطط الأصلي:

وكان الأمريكان والصهاينة لعبوا على التناقضات العراقية الداخلية منذ حرب الخليج الأولى، عندما فرضت مناطق حظر الطيران وحماية الشمال "الكردي" والجنوب "الشيعي"، وبدأت مراكز الأبحاث الأمريكية والصهيونية تبشر بأن العراق ليس دولة موحدة ولا يمكن لمكوناته المختلفة أن تعيش بسلام ووئام (بالرغم من أنها كانت كذلك طوال الخمسمائة عام الماضية)، وأنه لا بديل عن تقسيم العراق إلى ثلاث دول.

وقامت بتغذية المشاعر الانقسامية داخل المجتمع العراقي، بحيث أنه وعند احتلال العراق عام 2003م كان الوضع مهيئاً لتجزئة المجتمع العراقي وبالتالي إضعاف الكيان العراقي والدولة العراقية، وبدأت الاستقطابات الطائفية وأصبح الانتماء الطائفي هو المقدم على أي انتماء آخر، وكاد العراق يغرق في حرب أهلية طائفية دامية في عامي 2006م و2007م، ووصلنا إلى مرحلة فقدت كل مكونات العراق ثقتها ببعضها البعض.

ومثل كل الدول الاستعمارية تستغل أمريكا هذه التناقضات لتقوي طائفة ضد الأخرى، ليس حباً لها أو إحقاقاً لحق موهوم، وإنما إدامة لصراع داخلي يضعف الكل في مواجهة المستعمر بحيث يضطر الجميع إلى اللجوء لهذا المستعمر وطلب الحماية منه في وجه أطراف الصراع الداخلي الأخرى.

القابلية للاستعمار والقابلية للانقسام:

وكان المفكر الجزائري مالك بن نبي قد كتب في بدايات القرن الماضي عن "قابلية المجتمعات الإسلامية للاستعمار" وهو ما سهل على الدول الأوروبية استعمار بلادنا الإسلامية بالرغم من أن هذه الدول لا عديد جيوش أكبر مما لدى مجتمعاتنا الإسلامية، لكنها استغلت الجهل والتخلف في مجتمعاتنا (لدى العامة والطبقة السياسية على حد سواء) لتحكم من قبضتها وفق سياسة "فرق تسد".

فقد كانت أغلب جيوش الدول الاستعمارية مكونة من جنود من البلدان المستعمرة، ولكي تضمن ولاء الجنود وعدم تمردهم كانت ترسلهم للخدمة في مناطق غير بلدانهم الأصلية، فكان ابن السنغال يقمع الشعب الجزائري، وابن الجزائر يحارب في أوروبا ضد ألمانيا النازية وابن المغرب يخدم في الهند الصينية وابن الهند الصينية يخدم في السنغال، وهكذا. هو يكره المستعمر وما يفعله في بلده لكن لا مشكلة لديه أن يساعد المستعمر في بلد آخر وقمع شعب آخر مقابل مرتب يتلقاه آخر الشهر.

ويبدو أن القابلية للاستعمار ما زالت منتشرة في بلادنا الإسلامية لحد اليوم وبأشكال متجددة، فالكل يصبح بشكل أو بآخر جزءاً من اللعبة الأمريكية، ونخدم بسرور القضايا الأمريكية من أجل تحقيق مكاسب حزبية أو طائفية ضيقة، دون أن نهتم إن كان فعلنا هذا سبباً في تقوية الاستعمار الأمريكي وإضعاف أمتنا بشكل عام، وهذا لا ينطبق على العراق فحسب بل على أغلب المنطقة العربية إلا ما رحم ربي.

واستهداف الصهاينة للعراق وتحريضهم للأمريكان على تقسيمه وتفتيته لم يكن بسبب صدام أو وجود أسلحة كيماوية، كما يظن البعض، بل هي سياسة صهيونية ثابتة تريد إضعاف كل المحيط العربي والإسلامي وصولاً إلى المغرب في الغرب والباكستان في الشرق، الكيان الصهيوني يريد فسيفساء من دول صغيرة متناثرة ومتباغضة يكون هو المركز الذي يوجه الكل والذي يلجأ إليه الكل من أجل حل مشاكلهم الداخلية أو مع جيرانهم.

ما هو الحل في العراق؟

يبقى تحقيق الأمريكان والصهاينة لأهدافهم في العراق رهناً بالقوى السياسية العراقية بمختلف أطيافها، ويجب على الجميع أن يدرك أنه لا يمكن لطائفة دون أخرى أن تستفرد بحكم العراق، كما أن ديموقراطية الطوائف التي طبخت في الكيان الصهيوني ومعاهد اليمين المحافظ الأمريكي لا تصلح للعراق.

أما إن بقي حساب الطائفة وحساب العشيرة وحساب المواقع والحصص والمحاصصة وكم وزير كسبنا وكم محافظ خسرنا هو المهيمن، وما دامت بعض القوى السياسية تحلم بأنها تستطيع اختطاف العراق لصالح طائفة دون غيرها، فسيبقى العراق يدور في دوامة الصراع الداخلي وبالتالي خدمة المخطط الأمريكي وحماية أمن الكيان الصهيوني حتى لو كانت هذه القوى تلعن أمريكا والكيان مليون مرة كل صباح ومساء.

يجب أن يدرك الجميع بأن الهدف الأمريكي (والصهيوني) هو عراق مجزء وضعيف ومنشغل بصراعاته الداخلية، فحتى لو انسحب الأمريكان بشكل كامل في وقت ينشغل العراقيون بوضعهم الداخلي المفتت وبصراعاتهم على بقايا الدولة العراقية، فسيحق لبوش أن يقول وبكل "فخر" أن المهمة انتهت، فليس مهماً أن يرفرف العلم الأمريكي وسط بغداد ولا أن تفتح سفارة صهيونية في المنطقة الخضراء، يكفيهم أن يكون عراقاً متصارعاً فيما بينه غير قادر على التعايش مع بعضه البعض.

إذا كانت مهمة قوى المقاومة العراقية والقوى السياسية الوطنية والحية هو إزالة الاحتلال الأمريكي وطرد قواته من أرض العراق، فالمهمة الأخطر والأهم اليوم هو توحيد المجتمع العراق وإخراجه من دوامة التشظي والتفتت المستمر، والوصول إلى مصالحة حقيقية بين جميع قوى المجتمع العراقي وبدون استثناءات مهما كانت.

الاثنين، 30 أغسطس، 2010

شهر رمضان بنكهة السجائر والأراجيل!!

تنتشر بين الناس طقوس كثيرة مرتبطة بشهر رمضان منذ مئات السنين، فارتبطت أكلات ومشروبات معينة بالشهر الفضيل، وذلك تعبيراً عن فرحة الناس واحتفالهم بالشهر، وإن لم يكن لأغلب هذه الطقوس والعادات علاقة بالمعاني الدينية لشهر رمضان، إلا أنها بشكل أو آخر تعبر عن فرح المسلمين واحتفالهم بهذا الشهر العظيم.

إلا أن المشكلة تكون عندما يصبح الاحتفال هو الأساس وهو الأصل، وينسى الناس قيمة شهر رمضان الحقيقية، وفي ظل الثقافة الاستهلاكية السائدة في عالمنا الإسلامي، أصبح شهر رمضان مناسبة لتسويق أي شيء يباع ويشترى ويدفع ثمنه، فأصبحنا نجاري الغرب عندما حولنا المناسبات الدينية إلى مناسبات استهلاكية وتجارية، فنرى كافة أشكال الأعمال والشركات وهي تتنافس على استغلال رمضان والقيام بحملات رمضانية تجارية وتسويقية.


ابتداءً من المسلسلات الرمضانية ومروراً بالتسوق الرمضاني والأطعمة الرمضانية، وانتهاءً بالخيم الرمضانية التي تحرص على تقديم "الترفيه" للصائمين من وقت ما بعد الأفطار إلى ساعات الليل المتأخر، بما يضيع أجر صيامهم وأجر الطاعات التي مارسوها خلال نهار رمضان، وكل هذا لا يهم ما دام يدرّ دخلاً ويجلب الأموال.

وفي ظل الخواء الروحي والجهل الديني لدى قطاعات واسعة في مجتمعاتنا الإسلامية يسهل الانسياق وراء هذه الحملات الدعائية، متناسين ومتجاهلين حقيقة هذا الشهر ولماذا وجد هذا الشهر، فلو وجد المجتمع الذي يؤمن بأن رمضان هو شهر العبادات والطاعات لما استطاعت الماكنة الاستهلاكية من اقتحامه وتحويله إلى مجرد مناسبة احتفالية وكرنفالية، ولما كان مجرد فرصة للترويج للمنتجات والبضائع.

وعندما يتحول رمضان إلى مناسبة ترويجية واستهلاكية، وعندما يصبح مهرجاناً كرنفالياً، يصبح ترويج أي منتج فيه مباحاً، حتى لو تعارض هذا المنتج مع أسس الدين الإسلامي وبديهياته وأحكامه الشرعية، فنكون قد تجاوزنا مرحلة الاحتفال برمضان من خلال المباحات (الأكلات الرمضانية) إلى الاحتفال به من خلال الترويج للمحرمات، فنرى اعلانات البنوك التجارية الربوية التي تبشر بعروض مغرية للاقتراض "بمناسبة حلول الشهر الفضيل" كي لا تحرم الصائم من فرصة الشراء والانفاق خلال شهر "الانفاق والتبذير"؛ وهو ما تحول إليه شهر رمضان (بكل أسف) بفضل ماكنات الترويج الاستهلاكية.

لكن أكثر ما لفت انتباهي واستفزني هو اعلان تجاري لأحد ماركات السجائر، والتي تروج لمنتوج "سجائري" جديد، وتؤكد على أنه "صناعة وطنية"، وكأنه لا يكفي الترويج للحرام أصر أصحاب الشركة على وضع خلفية "رمضانية" للاعلان وعنوان "رمضان كريم" في الأعلى. بماذا اختلف هذا العمل عن شركات تصنيع الخمور الصهيونية التي تضع صور مسجد قبة الصخرة على زجاجات الخمور؟ أو شركات الأزياء الغربية التي تضع آيات قرآنية على ملابس فاضحة؟

ألا يعتبر هذا الصنيع إهانة لشهر رمضان؟ إلا يعتبر تدنيساً لحرمة الشهر؟ ألا تعتبر الخيام الرمضانية التي تعمل على اجتذاب الزبائن من خلال إغرائهم بالأراجيل الرمضانية فعلاً مستفزاً؟ إن أراد القوم مناسبة استهلاكية فليتركوا لنا شهر رمضان وليبحثوا لهم عن شهر آخر، لم نغضب من الغربيين إن أهانوا رموزنا الدينية ولا نغضب إن قام أبناء ديننا بإهانتها؟

يجب أن نعمل على استعادة شهر رمضان من الذين اختطفوه وحولوه لكرنفال استهلاكي يروج لكل ما كان حلالاً أو حراماً (لا يهم ما دام يدر الدخل على أصحابه)، لست ادعو لمحاربة الأكلات الرمضانية أو التسلية البريئة (وإن كانت تتناقض في بعض جوانبها مع رسالة شهر رمضان)، لكن ما يجري تجاوز كل الحدود المقبولة، فلا نقبل تفريغ شهر رمضان من معناه وتحويله إلى مجرد كرنفال تسوقي مثلما هو حال أعياد الميلاد في الغرب، فنحن أصحاب رسالة وعقيدة قبل أي شيء آخر.

الجمعة، 20 أغسطس، 2010

الاخفاق الصهيوني في المواجهة مع الجيش اللبناني

كانت مواجهة عابرة بين الجيش اللبناني وجيش الاحتلال الصهيوني بداية الشهر الحالي، لكنها كشفت عن وجه جديد للأخفاق الصهيوني في الجبهة اللبنانية، فالقصة ليست شجرة أراد الاحتلال إزالتها أو مجرد اعتداء جديد على أرض عربية، وبعيداً عن تفاصيل الخلاف الذي فجر المواجهة والتي نقلت لنا الصحافة صوراً متناقضة عنها، ففي حين قالت قوات اليونفيل أن الجيش الصهيوني كان يعمل داخل حدود الكيان، نشرت الصحافة صورة لرافعة صهيونية امتد جزء منها إلى داخل الحدود اللبنانية، فيما صرح ضباط بالجيش اللبناني أن الصهاينة دخلوا منطقة متنازع عليها (حسب الخط الأزرق هي داخل حدود الكيان لكن لبنان يعتبرها داخل الحدود اللبنانية).

لكن في النهاية تبقى هذه تفاصيل والصهاينة اعتادوا اختراق الحدود اللبنانية جواً وبراً وبحراً منذ سنوات طويلة، والاعتداءات المستمرة أصبحت روتيناً ليس فقط في لبنان أو غزة أو الضفة الغربية، بل حتى على الحدود المصرية يقتل الصهاينة بين الحين والآخر رجال شرطة أو مواطنين مصريين عن طريق "الخطأ" دون مجرد أدانة من الدولة المصرية.

إذن أين يكمن الإخفاق الصهيوني؟ لنعد بالتاريخ إلى عام 2006م فنشر الجيش اللبناني كان مطلباً صهيونياً، وذلك لم يكن حباً في لبنان بل لوجود تصور صهيوني بأن هذا الجيش سيعمل على حراسة الحدود مع الكيان و"المساعدة" في استقرار الحدود، مثلما تعود الصهاينة مع الدول العربية المجاورة؛ وقد رأينا فزع الجميع عندما انطلقت صواريخ كاتيوشا من سيناء باتجاه إيلات وكأن المستهدف هو مصر وليس إيلات، وحتى الأردن الذي قتل أحد مواطنيه بسبب أحد الصواريخ التي ضلت طريقها ووقعت في أراضيه لم يكن باستنفار وعصبية النظام المصري، لأنه ببساطة لم يحرج أمام الصهاينة.

وبعد أن كان الصهاينة يفضلون (في بدايات إنشاء كيانهم) الاعتماد على ذراعهم الضاربة و"اليد الطويلة لجيش الدفاع" من أجل تأمين حدودهم وردع المحيط العربي، بدأوا (ومنذ حرب رمضان عام 1973م) الاعتماد على تحييد أكبر قدر ممكن من أعداءهم بل وتسخير جزء من محيطهم العربي ليقوم بالمهمات القذرة نيابة عنهم، فكانت معاهدة كامب ديفيد البداية، ودفع الصهاينة حينها ثمناً مرتفعاً بعض الشيء نظير تحييد مصر وجعلها سابقة ليلحق بها باقي المحيط العربي، ثم كان تشكيل مليشيا جيش لبنان الجنوبي ثم قدوم السلطة الفلسطينية.

فاستراتيجية عمل الصهاينة قائمة على استخدام القوة المفرطة لترويض العرب وتدجينهم وتحويلهم إلى حرس حدود لهم، وهذا ما فعلوه مع السلطة خلال انتفاضة الأقصى، من استهداف الشرطة التابعة للسلطة حتى لو لم تكن مشاركة في العمل المقاوم المسلح لم يبلغ الأمر ذروته خلال حصار ياسر عرفات، واليوم نرى النتائج على أرض الواقع فانتشار شرطة السلطة في أي منطقة يعني تكبيل المقاومة وضمان أمن الاحتلال الصهيوني، لأن الصهاينة زرعوا في وعي السلطة ومسؤوليها بأن المساس بأمن الصهاينة سيجعلهم يدفعون ثمناً باهظاً جداً مثلما دفعه ياسر عرفات في السابق.

وكان من المفترض أن يكون تواجد الجيش اللبناني في جنوب لبنان مجرد استكمال للسلسلة، لكن لطالما اشتكى الصهاينة من عدم قيامه بالدور المطلوب منه (قمع المقاومة)، لتأتي المواجهة الأخيرة لتكشف مدى فشل الصهاينة بمهمة تدجين الجيش اللبناني، وإذا نظرنا للصورة الأكبر نرى أن هنالك فشلاً أكبر بتدجين النظام السياسي اللبناني فبعد أن راهن الصهاينة على تقسيم الساحة اللبنانية وإشغال اللبنانيين والمقاومة اللبنانية بصراع داخلي لا ينتهي، حصلت سلسلة مصالحات وتقارب داخلي لبناني أفشل وإلى حد كبير المساعي الصهيونية.

حاول الصهاينة التقليل من أهمية ما حصل معهم في جنوب لبنان وتصويره على أنه اختراق من حزب الله للجيش اللبناني، لأن المهم لدى الصهاينة أن لا يكون هذا نهجاً لدى الجيش اللبناني، وعن طريق الترويض (من خلال الرد العسكري العنيف) وعن طريق الإيحاء (من خلال اتهام حزب الله) يريد الصهاينة ترويض الجيش اللبناني والحكومة اللبنانية وإيصال رسالة لهم "بأن هذه آخر مرة يحصل من جانبكم هذا التجاوز".

رد الفعل على الجانب اللبناني لحد الآن في ظاهره إيجابي ويظهر أن الأمور لا تسير بما تشتهيه السفن الصهيونية، ابتداء من أقوال الرئيس اللبناني ميشيل سليمان التي طالب فيها الجيش اللبناني بالدفاع عن سيادة البلد مهما كان الثمن، ووجود تقبل في الرأي العام اللبناني وداخل المؤسسة اللبنانية لفكرة قيام جنود لبنانيين مهاجمة جنود الاحتلال – لأنه وبكل أسف أصبحت ثقافية عربية استنكار كل من يهاجم الاحتلال بحجة أنه يريد توريط البلاد والعباد، فهذه قفزة نوعية إن جاز التعبير، وأثبتت المواجهة أن العقيدة التي تشكل بها الجيش اللبناني بعد اتفاقية الطائف والقائمة على أن العدو هو الكيان الصهيوني قادرة على صنع جيش وطني وصلب ورأينا كيف سقط شهداء من كافة الطوائف في المواجهة.

لكن الأهم من كل ذلك أمرين: توجه الدولة اللبنانية لفتح حسابات مصرفية من أجل جمع التبرعات للجيش اللبناني، الأمر الذي يشير إلى رفض الحكومة الللبنانية الارتهان إلى المساعدات العسكرية الغربية، والتي يوجد تهديدات جدية بقطعها، لأن الجيش اللبناني لم يلتزم بالدور المرسوم له، وهو حراسة حدود الكيان. الأمر الآخر هو محدودية الرد الصهيوني فالصهاينة اكتفوا برد موضعي ولم يجرأوا على التصعيد أكثر بالرغم من عظم الخسارة، لأن الأمر يعني حرباً أو مواجهة أوسع نطاقاً لا يقدر الصهاينة على دفع ثمنها، وهي أمور مجتمعة تقف عقبة أمام "كي الوعي" اللبناني (وهو المصطلح الذي يستخدمه الصهاينة).

فهل يكون الجيش اللبناني والنظام اللبناني من القوة بحيث يستمروا على طريق تحدي الكيان الصهيوني وإفشال مخططات الصهاينة؟ وهل يمكن أن يكون نموذج الجيش اللبناني قدوة لغيره من الدول العربية؟ هذا ما ستكشف عنه الأيام.

الأربعاء، 4 أغسطس، 2010

نصائح إلى مفاوضي السلطة الفلسطينية

كان متوقعاً منذ حرد السلطة عن التفاوض مع حكومة الاحتلال أنها ستعود في نهاية المطاف وتجلس معه، دون أن تحقق أي شيء من مطالبها، فهذا هو ديدنها منذ أيام منظمة التحرير ومفاوضات مدريد، وهي تقدم التنازل تلو التنازل في مسيرة امتدت لعشرين عاماً دون أن تأخذ شيئاً في المقابل.

وجاءت خطوة لجنة المتابعة العربية بتفويض محمود عباس بالعودة إلى المفاوضات المباشرة لتكون امتداداً طبيعياً لمسيرة السنوات العشرين الماضية، فإن فشلت المفاوضات باستعادة حقوق الشعب الفلسطيني فالرد يكون من خلال المزيد من المفاوضات والمزيد من احراج المحتل الصهيوني عبر تقديم المزيد من التنازلات ومن خلال المزيد من الجلسات التفاوضية.

وبما أن الحياة مفاوضات فقد نسينا ونسي مفاوضوا السلطة لماذا يفاوضون وعلى ماذا يتباحثون، وقد روى أدوار سعيد قصص مضحكة مبكية عن المفاوض الفلسطيني في كتابه "أوسلو: سلام بلا أرض"، فهو يذهب إلى جلسات التفاوض بدون تحضير ولا أوراق ولا وثائق ولا مقترحات، فقط ينتظر ما يطرحه الصهاينة من مقترحات ليقبل بها إن كانت تبدو مناسبة، أو يرفضها إن كانت تبدو غير مناسبة – طبعاً ليعود ويقبل بها فيما بعد، بل وقد تصبح مطلباً فلسطينياً.

وهنا نأتي للنصيحة الأولى لمفاوضي السلطة ومسؤوليها: لا ترفضوا شيئاً يعرضه الأمريكان والصهاينة، لأنه كل مرة ترفضون عرضهم تتراجعوا لتقبلوا بما هو أدنى منه، ما دمتم تفتقدون الشجاعة لرفض العروض السيئة، وما دمتم لا تجرؤون على الوصول لمرحلة الصدام، فلماذا تكذبون على أنفسكم وعلينا وعلى العالم؟ ما فائدة الرفض اليوم وقبول نفس الشيء بعد أسبوع أو شهر أو شهرين؟ ودون مقابل طبعاً – معاذ الله أن يكون هنالك مقابل، وصاحب كتاب الحياة مفاوضات يحرص دوماً على التوضيح بأن السلطة لا تضع شروطاً على المحتل، فقط تطالب بدون شروط.

النصيحة الثانية التي ارجو أن تدرسها السلطة بعناية وهي توظيف صهاينة ومسؤولين من الكيان الصهيوني في وفد السلطة المفاوض، لأنه ثبت أن المفاوضات تجري حقيقة في الأروقة السياسية الصهيونية بين الأحزاب الصهيونية وبين حكومة الاحتلال والحكومة الأمريكية، والسلطة لا خيار لها سوى الأخذ بما يعرض عليها برضاها أو بدون رضاها؛ ونسمع هذه الأيام عن ضغوط أمريكية "هائلة" على السلطة من أجل العودة للتفاوض المباشر.

فما دامت نتائج المفاوضات تحسم في الساحة الصهيونية لم لا تستخدم السلطة مفاوضين صهاينة؟ لربما حصلوا على شيء مهم، فالتفاوض بعد اتخاذ القرار لا معنى له، يجب أن يكون هناك ممثلاً عن السلطة خلال عملية اتخاذ القرار، لربما كان من المناسب استخدام حاييم رمون الذي نقلت تقارير صحفية أنه كان يسدي النصائح التفاوضية لصائب عريقات فيما كانت سلطات الاحتلال تهدم قرية العراقيب في صحراء النقب وتشرد أهلها.

وربما كان من الأجدر أن تستخدم كتاباً صحفيين صهاينة متخصصين في الدفاع عن حقوق الإنسان أمثال عميرة هس أو عكيفا ألدار، وعندي ما يشبه اليقين أنهم قادرون على تحصيل حقوق أكثر مما يحصلها كبير المفاوضين وهواة التفاوض السلطويين، فعلى الأقل هم أكثر تنظيماً وترتيباً ويقومون بإعداد "فروضهم المنزلية" كما يقال، ولا يذهبون للمفاوضات خاليي الوفاض.

النصيحة الثالثة والأخيرة هي أن لا يستخف محمود عباس أو مسؤولي السلطة بعقول الناس، فقد نقل عن محمود عباس قوله أنه في نهاية المطاف يجب أن نجلس مباشرة مع "الإسرائيليين"، حسناً كلنا يعلم ذلك من الأول، لكن أنت قاطعتهم وقاطعت المفاوضات المباشرة لأنه لك مطالب محددة تريد تحقيقها، هل حققتها؟ يا سيد محمود عباس إن تغييبك للمجلس التشريعي واختطافك لمنظمة التحرير لا يخولك أن تفاوض بدون رقيب ولا حسيب.

عندما توليت الرئاسة طالبت بتطبيق خارطة الطريق، وقبلت بأن تبدأ السلطة بتطبيق التزاماتها وأخذت ضمانات من الأمريكان بأن الصهاينة لاحقاً سيطبقوا التزاماتهم، وخلال السنوات الأربع الماضية طبقت التزاماتك بحذافيرها، وكدر عليك صفو تطبيقها فوز حماس بانتخابات التشريعي ومشاركتها إياك بالحكم، لكن بعد الحسم وقدوم سلام فياض استتب الأمر وحاربت "الإرهاب" وقدمت كل الالتزامات المطلوبة وغير المطلوبة.

وماذا كانت النتيجة؟ بدأ أولمرت بالمماطلة ولم يقدم أي شيء فلا استيطان جمد ولا دولة فلسطينية أعلن عنها، ويومها قيل لماذا تشغلون أنفسكم بالمفاوضات المرحلية لنقفز معاً إلى المفاوضات النهائية فهي أهم وانجازاتها أكبر، وبعد عدة جولات مع حكومة أولمرت تخللها العدوان الصهيوني على غزة ذهب أولمرت وجاء نتنياهو.

ورفض نتنياهو الالتزام بخطة الطريق أو بمفاوضات الوضع النهائي، قبل بتجميد شكلي ولمدة محدودة للبناء في بعض المستوطنات وليس كلها، طبعاً لا يوجد طريقة موثوقة للتأكد، فمن يخبرنا دوماً بنشاط البناء في المستوطنات هي جماعات يسارية صهيونية معارضة للحكومة (أظن الآن عرفتم لماذا نصحت السلطة بتطعيم وفدها المفاوض بصهاينة يساريين)، فلا آلية للمتابعة ولا ما يحزنون، نتنياهو قال أنه خفف من وتيرة الاستيطان "وهو وأمانته"، وبعدها قرر أنه لن يلتزم.

ويريد نتنياهو الآن مفاوضة السلطة من جديد على أمور مفروض أن الصهاينة قدموها لقاء ما أتفق عليه سابقاً في خارطة الطريق، ولهذا حردت السلطة وقالت لن أفاوض، قبل أن تنزل أول خطوة وتقبل بالمفاوضات غير المباشرة، ثم الآن يطلع علينا محمود عباس ليقول لنا في النهاية سنجلس مع "الإسرائيليين"، لكن حسب معاييرك وما ألزمت به نفسك يا محمود عباس هذا لم يكن متفقاً عليه من البداية.

لذا وباختصار ننصح السلطة بأن تكف عن التلاعب بالألفاظ والتذاكي المفضوح، وليكونوا صريحين مرة واحدة وليقولوا بأنهم رهائن لدى الاحتلال، وأن الراتب أهم لديهم من القدس والأقصى وفلسطين، فكل الأمور مكشوفة وأخذتم بدل الفرصة ألف فرصة ولم تستفيدوا منها.