الاثنين، 7 مارس 2011

أمور تهم الحكام العرب كشفت عنها الثورة الليبية

عندما اندلعت الثورة التونسية بدأت التساؤلات عن قدرتها على الامتداد عبر العالم العربي، وظن بعض الحكام العرب أن تقديم رشاوى اقتصادية كفيل بحل المشكلة، ليأتي الجواب سريعاً باندلاع الثورة المصرية لتقول للجميع أن زمن الثورات العربية ما زال في بدايته، وأن أسباب الغضب الجماهيري ليست اقتصادية بل هي في الدرجة الأولى أسباب سياسية بامتياز.

بدأنا بعدها نسمع عن نية حكومات عربية القيام باصلاحات سياسية إلى جانب الإصلاحات الاقتصادية (وهذه الأخيرة أصبحت ديكوراً لا بد منه عند الحديث عن الإصلاح)، وربما أكثرها جدية دعوة مسعود البرزاني لانتخابات تشريعية ورئاسية مبكرة في أقليم كوردستان العراق بعد أكثر من أسبوعين متواصلين من المظاهرات في العراق عموماً (وفي كوردستان خصوصاً) ضد الفساد والاستبداد المستشري.

مع ذلك فما زال الكثير من الحكام العرب يتعاملون مع مفاهيم خاطئة لتأتي ثورة الشعب الليبي لتدحض بعض النظريات التي رددها الكثيرون، وسنحاول عرض هذه النظريات فيما يلي:


الثورات تستهدف عملاء أمريكا:

ردد الكثيرون بأن الثورات تستهدف عملاء أمريكا بالمنطقة، مستدلين على سقوط أكبر نظامين مواليين لأمريكا (تونس ومصر) وبدأت مؤشرات الثورة تهدد أنظمة أخرى موالية (اليمن والأردن)। وإن كانت العلاقة مع أمريكا سبباً لغضب الجماهير، وخاصة عندما يكون النظام فاقداً لأي رسالة يحملها وعندما تكون هذه العلاقة على حساب أمن وكرامة المواطن، إلا أنه من الخطأ الظن أن الوقوف في المعسكر المعادي لأمريكا يشكل حامياً وضماناً من حصول ثورة شعبية ضد النظام.


ونظام القذافي هو دليل صارخ على خطأ هذا التفكير، فعداء القذافي لأمريكا قديم ومعروف، واصطدم معها في الثمانينات والتسعينات، وبالرغم من أنه تم تدجينه عام 2003م عندما قبل بتفكيك برنامج أسلحة الدمار الشامل والتوقف عن دعم التنظيمات التي تصنفها أمريكا على أنها إرهابية، إلا أنه بقيت له مواقف محسوبة على تيار المقاومة والممانعة وقدم الدعم المادي لغزة بعد حرب الفرقان وشارك بقمة قطر بعيد الحرب.

لكن كل هذه المواقف لم تشفع له أمام شعبه، ويجب على كل نظام عربي يراهن على مواقفه السياسية المشرفة أن ينتبه فهذه المواقف لا تشكل حصانة له مطلقاً، ربما تؤجل لحظة الانفجار لعدة أسابيع أو أشهر، لكن اليوم مطالب الشعوب وسقف تطلعاتها مرتفع للغاية، ولم يعودوا يقبلون بالمقايضات: "إما مقاومة واستبداد أو حرية وعمالة"، و"إما أمن واستقرار واستبداد أو حرية وفوضى وفلتان أمني"، الناس اليوم تريد كل شيء: تريد كرامة وتريد مشاركة باتخاذ القرار وتريد مقاومة وتريد صمود وتريد تنمية وتريد محاربة الفساد، لا مبرر لحرمانهم من هذه المطالب المشروعة.

استباق الثورات باصلاحات محدودة يكفي:

شهدت ليبيا في السنوات القليلة الماضية اصلاحات سياسية محدودة، كان يحركها سيف الاسلام القذافي، ومن بينها التعاطي مع المراجعات الفكرية لقادة الجماعة الإسلامية المسجونين والإفراج التدريجي عنهم، وللمفارقة أفرجت عن آخر دفعة منهم قبيل الثورة بأيام قليلة، وكان هنالك بعض أشكال الانفتاح السياسي للنظام وقلت الممارسات الوحشية بعض الشيء، فلم نعد نسمع عن مذابح بحجم مذبحة سجن بوسليم التي وقعت أواسط التسعينات.

لكن كل هذا لم يعن الشعب الليبي في شيء، بل وجدناهم يخرجون في المسيرات مطالبين بإسقاط النظام قبل يومين من الموعد المقرر، مما يدل على درجة القرف من النظام ومن استمرار القذافي على كرسي الحكم لمدة اثنين وأربعين عاماً، وذلك رغم الوعود الاقتصادية ومشاريع إسكان بمليارات الدولارات أطلقت في خطوة استباقية بعيد الثورة التونسية، وذلك لأن الوعود لم تعد تعني شيئاً للناس.

لذا يجب على كل الحكام وأصحاب القرار أن يدركوا التغيرات الكبيرة في وعي الشعوب العربية، فهذه الشعوب لم يعد يرضيها الوعود وهي تقول ما لم نمسك الانجازات أو الإصلاحات بأيدينا ونراها بأعيننا فلا وجود لها، ولا رصيد لأي وعود تطلق مهما بدت جدية، كما أن الشعوب في زمن الثورات يصبح صبرها قصيراً ومزاجها نزقاً، لا تقبل بأنصاف الحلول أو أرباع الإصلاحات ولا التنازلات بالقطارة أو المفرق، إن لم تكن اصلاحات جوهرية وشاملة وفورية وتمس رأس الهرم السياسي، فلا وزن لها ولا اعتبار لها عند الشعوب.

كما أن مطالب الشعوب طبيعتها تصاعدية، يزداد سقفها مع مرور الزمن، وتزداد حدتها مع تلكؤ النظام بالاستجابة لها، وفي ظل أن الشعوب باتت تدرك لقدراتها وإمكانيتها فلا يصبح أمام الحكام العرب إلا الاستجابة الشاملة للمطالب الشعبية وعلى رأسها الاصلاحات التي تطال رأس النظام، ما لم تمس الإصلاحات رأس النظام فهي عبث، وإلا فليتوقع كل نظام عربي مصير من قبله، ولا أنصح أحد بترداد مقولة: "لسنا تونس ولسنا مصر ولسنا ليبيا"، فما دام أغلبية سكانك يتكلمون بلغة الضاد فبلدك هو تونس ومصر وليبيا، وربما تمتد الظاهرة إلى ما وراء بلاد لغة الضاد.

يوجد خيارات أخرى للتعامل مع الثورات غير الاستجابة لمطالبها:

قد يفكر البعض بأنه كان بإمكان مبارك قمع الثورة المصرية باستخدام القوة المفرطة وذبح الآلاف من المصريين، وهذا ما كان يأمله الصهاينة وعدداً من الكتاب الغربيين، لكن القذافي أراحكم من عناء التفكير بهذه الاحتمالية، واستخدم كل ما يمكن استخدامه ضد الثورة وضد المتظاهرين، واستخدم الطيران والقذائف المضادة للطيران ضد المتظاهرين وضد الثوار.

فكانت أول نتائج استخدام القوة المفرطة والوحشية هو تفكك الجيش الليبي والمؤسسة الأمنية، وانضمام غالبية أفرادها إلى الثورة والثوار، فلا أحد منهم يقبل أن يقتل أبناء شعبه من أجل "العائلة الحاكمة"، ولم يبقى في محيط القذافي إلا دائرة ضيقة من المقربين وقوات المرتزقة الأجانب، وهؤلاء لن ينفعوه في المفاصل الحاسمة لأنه لا أحد منهم مستعد لأن يضحي بنفسه من أجل راتب يتقاضاه من القذافي.

ولذا نجد قوات الثوار تتقدم كل يوم وتحرر منطقة جديدة في ليبيا، بالرغم من قلة خبرتهم وتدريبهم والتنظيم الارتجالي، فهم يمتلكون معنويات عالية وعقيدة ورسالة واضحة يحاربون من أجلها، وكل ما استطاع القذافي تحقيقه من خلال القوة العارية هو تأجيل سقوط نظامه بضع أيام وإطالة المعركة، وبدلاً من السقوط مرة واحدة يريد أن يحارب "بيت بيت ودار دار وزنقة زنقة" على حد تعبيره.

لذا يجب إعادة التفكير بكل المنظومة الفكرية التي توجه الأنظمة العربية، فلا أمن دولة ولا أجهزة أمنية ولا القوات الخاصة ولا الحرس الجمهوري ولا الحرس الملكي ولا اعتقالات منتصف الليل ولا التنصت على الهواتف ولا غلق الانترنت ولا استخدام الطيران والدبابات يمكن أن يفيد النظام، من أراد استقرار حكمه فليسعى لنيل رضى الجماهير ولو كان ثمن ذلك التنازل عن الكرسي بعد حين.

في الختام:

ربما يظن بعض الحكام أنهم بعيدين عن الثورات، وخصوصاً من لديه هامشاً من الحرية أو مشروعاً سياسياً يتصدى للهيمنة الأمريكية، والبعض حصلت لديه مظاهرات محدودة ثم انتهت وخمدت فيظن أن كل شيء انتهى، حسناً هذه كلها مظاهر كاذبة، وتحت الرماد تكمن نيران بركان قد يكون يثور بأي لحظة، ومثل البراكين والزلازل فالثورات يستحيل التنبؤ بموعدها وكثيراً ما تأتي بغتة وعلى حين غرة.

فمن كان راغباً بتجنب مصير ليبيا ومصر وتونس فأمامه طريق واضح وصريح: ادخال تغييرات شاملة وإصلاحات فورية وواسعة النطاق، بدءاً من طريقة إدارة رأس النظام وبناء نظام سياسي تعددي حقيقي، ومحاربة كل أشكال الفساد السياسي والاقتصادي، بدون ذلك فالطوفان سيأتي إن لم يكن اليوم فغداً. والسعيد من اتعظ بغيره.

ليست هناك تعليقات: