الخميس، 28 أبريل، 2011

إلى قوى المقاومة في فلسطين وسوريا ولبنان: أنقذوا مشروعكم في سوريا


كلنا يدرك الأهمية التاريخية والجغرافية لسوريا كبلد وشعب بالنسبة لصراعنا مع الكيان الصهيوني، ودورها في التصدي لقوى الاستعمار الغربي، ومن المحزن أن تصل الأمور في سوريا إلى مرحلة الصدام بين النظام والشعب، حيث كان الأصل في النظام أن يتعلم من أخطاء غيره، وكان أمامه الفرصة ومهلة زمنية جيدة، لكن لم يستغلها.

وقع النظام بوهم أن الثورات فقط تمس عملاء أمريكا، وقد سبق وأن حذرت من هكذا أوهام، فالثورات هي ثورات ضد الظلم في وطننا العربي سواء كان ظلماً سياسياً أو اقتصادياً، وسواء أكان فساداً داخلياً أو خارجياً، والناس اليوم في وطننا العربي تغيرت ولم تعد تقبل بالمقايضات (الأمن أو الحرية، المقاومة أو الحرية)، هذه مقايضات أصبحت من الماضي.

اليوم الناس تريد كل شيء (وهذا أمر ممكن وضروري ولازم) تريد الحرية وتريد المقاومة وتريد محاربة الفساد وتريد محاربة الرشى وتريد وتريد، هذا طوفان ومن يقف أمامه سيجرفه، ولا مجال للهروب أو دفن الرؤوس في الرمال والزعم بأن هذه مؤامرة أمريكية للإطاحة بالنظام
المقاوم في سوريا.

إذا كنا نريد إفشال المؤامرات الأمريكية فلماذا نترك المجال لها كي تتآمر؟ لماذا يقمع الشعب السوري؟ لماذا لا يحارب الفساد والإفساد؟ لماذا الاعتقال السياسي؟ هذه كلها أوزار يتحملها النظام وبالتالي كان الأجدر به التخلص منها حتى لا يترك مجالاً للمؤامرة لا أن يطلب من الجميع السكوت عن أخطائه.

أمريكا لا تشعل الثورات ولا تستطيع ذلك، لكنها تركب الموجة وتحاول الاستفادة، وقد رأينا كيف تخلت عن حليفها الوثيق مبارك عندما أدركت أنه لا تستطيع الاحتفاظ به، فإذا كانت أمريكا بجبروتها وقوتها لا تستطيع الوقوف أمام زحف الجماهير فهل سيستطيع هذا النظام أو ذاك الوقوف أمامها؟

صحيح أنه كان للنظام السوري مواقف مشهود لها بدعم المقاومة في فلسطين ولبنان، وفتح الأبواب والامكانيات على مصراعيها أمام فصائل المقاومة، في أكثر الأوقات حرجاً عندما تكالب الجميع عليها وخصوصاً بعد احتلال العراق، لكن هذا لا يبرر له اضطهاد أبناء شعبه ولا قتلهم ولا سجنهم ولا إساءة معاملتهم، ما ينفع أن يكون الرجل كريماً مع الغرباء لئيماً مع أهل بيته؟
وإن كان الوفاء مطلوباً لمن احتضنك وأحسن إليك إلا أن هذا لا يجب أن يكون على حساب الحق من ناحية، ويجب أن يكون وفاءً بالاتجاه الصحيح من الناحية الأخرى، والنظام السوري بحاجة لمن يأخذ بيده إلى الطريق الصحيح لأن ما يقوم به هو تخبط وحرب عبثية يخوضها ضد شعبه.

من أراد أن يرد الجميل إلى النظام السوري فيجب عليه أن يعمل على اقناعه بالتوقف عن قمع شعبه، فهذا أفضل للشعب السوري وأفضل للنظام وأفضل لمشروع المقاومة، أما استمرار الوضع الحالي فيعني استنزاف مقدرات سوريا وإضعافها وفتح المجال للتدخل الأمريكي والصهيوني لا سمح الله.

ولا يمكن الطلب من الشعب أن يسكت على الظلم حتى لا تتدخل أمريكا، لأن مطالبهم حق وواجب، ولأنه لا يوجد شيء في الدنيا يمكن وقف الطوفان القادم، ومن العبث ما نراه من بعض الكتاب ووسائل الإعلام التابعة لحزب الله وعلى رأسها قناة المنار تصوير الأمر وكأنه مؤامرة على المقاومة وخيار المقاومة، نتفهم خوفكم على خيار المقاومة وعلى مستقبل المقاومة، لكن ليس هذا الحل.

يجب أن تساعدوا النظام السوري على فهم الدرس جيداً، لا أن تكونوا عامل تضليل واسهام في جرائم النظام، معركة النظام السوري ضد شعبه ليست معركة المقاومة ولا يجب أن تكون، وحزب الله تحديداً أعلم بطبيعة النظام السوري الدموية فقد قتل عشرات من أنصاره وأعضائه على يد الجيش السوري في الضاحية الجنوبية عام 1986م، فهل كان الحزب وقتها جزءاً من مؤامرة أمريكية؟

وأذكر المناضل الكبير أحمد جبريل بما قاله عن أحداث أيلول في الأردن، عندما وصف ما حصل بأنه كان انجراراً وراء مغامرات جورج حبش ونايف حواتمة أدى لأن يبكي الفلسطينيون دماً ثمناً لهذه الحماقات، وأقول له لا تسمح للنظام السوري بجركم وراء مغامرته الخاسرة. لا تجعل بطولاتك في معركة الكرامة وعمليات تبادل الأسرى وعملية الطائرة الشراعية تضيع هباءً منثوراً نتيجة الموقف الخطأ وفي المكان والزمان الخطأ.

إن كان هنالك خوف من بطش النظام السوري فعلى الأقل لتصمتوا، ليعلم النظام ومؤيدوه أن ما يقوم به ليس بالأمر المرحب به، أما ما رأيته في الاعلام فهو يندى له الجبين، ورأينا ملكيين أكثر من الملك مثل الكاتب ناصر قنديل الذي وصف الثورات العربية بأنها مؤامرة بين الأمريكان والإخوان المسلمين، بحيث يتسلم الإخوان الحكم مقابل الاعتراف بالكيان الصهيوني! هذا تسطيح مخجل واستخفاف بعقول الناس ويسيء لتيار المقاومة وجبهة الممانعة.

يجب الفصل بين مشروع المقاومة وما يحصل في سوريا، وهنا أتوجه إلى الشرفاء داخل النظام السوري، لأنه واضح أن هنالك تجاذب تحت السطح يحصل، وأن هنالك خليط من ضيقي الأفق الذين ما زالوا يحملون عقليات الستينات والسبعينات وأصحاب المصالح من الانتهازيين لا يريدون الاستماع لصوت العقل ويقودون النظام السوري في الطريق الخاطئ، يجب أن يكون للشرفاء والمخلصين موقف واضح.

من كان حريصاً على مشروع المقاومة يجب أن يقول رأيه وبصراحة، ونذكركم بما قام به عبد الفتاح يونس ومصطفى عبد الجليل عندما تركوا في لحظة الحقيقة نظام القذافي وانضموا للثورة، أو على الأقل ليصمت إن كان يخشى بطشاً أو ظلماً وأن لا يكون عوناً للظلم أو للظالم.

الأربعاء، 27 أبريل، 2011

عملية قتل المستوطن عند قبر يوسف ورد فعل السلطة الخطير

لم تكن الحادثة الأولى من نوعها التي يطلق فيها رجال أمن يعملون بالسلطة النيران على مستوطنين أو جنود احتلال، بالرغم من سياسة السلطة الرافضة لأي عمل مسلح أو إطلاق نار على الصهاينة حتى لو كان رداً على اعتداء مماثل، وهو أمر متوقع نظراً لأن أبناء الأجهزة الأمنية يأتون من مجتمع فلسطيني معبأ ضد الاحتلال الصهيوني، وتعتبر فيه محاربة الصهاينة قيمة وطنية عليا تحظى باحترام الجميع.

وبغض النظر عن تفاصيل الحادث، ومن بدأ إطلاق النار ومن رد على الآخر وبرصاص من قتل المستوطن وأصيب رفاقه بجراح، فإننا نرصد ردة فعل خطيرة من قبل السلطة، ليس فقط لأنها اعتقلت وحققت مع أفراد من الأمن الوطني بسبب عملية إطلاق النار، وليس فقط لأنها عممت بعدها على أجهزة الأمن بعدم إطلاق النار على الصهاينة حتى لو كان دفاعاً عن النفس لما فيه من "أضرار بالمصالح العليا الفلسطينية"، فهذا ليس أول تعميم من نوعه فقد رأينا قادة
الأجهزة الأمنية في أوقات سابقة على قنوات صهيونية وهم يؤكدون وجود هذه التعليمات.

رد الفعل الأخطر من كل ذلك هو تبرير السلطة للعملية وذلك بترديد مسؤوليها أكثر من مرة أن ما حصل ما كان ليحدث لو حصل تنسيق أمني مثلما يحصل دوماً - وكشف مسؤول المستوطنات الصهيونية في منطقة شومرون أن مثل هذه الزيارات تحصل بشكل أسبوعي ومنتظم.

معنى التبرير الذي تسوقه السلطة الفلسطينية أن هنالك تنسيق أمني بالفعل مع الصهاينة (هذا تأكيد لبعض السذج الذين ما زالوا يعتقدون أنه لا وجود للتنسيق الأمني)، وأن التنسيق الأمني ليس من أجل تسهيل الحياة اليومية للمواطن الفلسطيني (وهو التبرير الذي يسوقه البعض لإقناعنا بأهمية التنسيق الأمني)، فلا أدري أين هي مصالح المواطن الفلسطيني بقدوم مجموعة من المتدينين اليهود من الطائفة الحسيدية للصلاة في مقام إسلامي.

وليت الأمر وقف عند ذلك فالسلطة تقر بكلامها هذا بحق اليهود في مقام يوسف! "يمكنهم القدوم لكن بتنسيق أمني من أجل ضمان أمنهم"، وهم لا يأتون كسياح بل من أجل الصلاة، ورأينا بركات هذا الاعتراف في وسائل الإعلام الغربي، فمثلاً عندما تناولت قناة البي بي سي بالانجليزية الحادث وصفته بحادث إطلاق النار عند "مزار يهودي".

قد يقول البعض أن هذه أمور كانت تحصل بالسر في السابق ولا جديد في ما جئت به، ونرد عليهم بالقول: هذا صحيح لكن عندما يخرج الأمر إلى العلن وبهذه الصفاقة، ولسان حالهم يقول لا يوجد شيء معيب أو مخجل (كل أمتي معافى إلا المجاهر)، فهذا يدشن لمرحلة جديدة من صناعة "الفلسطيني الجديد" حسب تعبير رئيس الموساد السابق أبراهام هليفي، مرحلة يعتبر الفلسطيني أن العمل المقاوم المسلح جريمة نكراء يسعى للتنصل منها وتنظيف نفسه منها.

وقد شاهدنا مثل هذا الأسلوب في عملية مستوطنة ايتمار عندما حاول الإعلام الفلسطيني نسبها إلى عامل تايلندي، وللأسف ساهم الإعلام المحسوب على المقاومة وعلى حركة حماس بهذا الخطأ القاتل، ليتبين لاحقاً أن المنفذين فلسطينيون وبدلاً من الدفاع عن حقهم بالمقاومة أصبحنا نتهرب من مسؤولية العمل المقاوم، أتفهم عندما يحاول أصحاب الشأن المباشر (أهل القرية وأهالي المنفذين) التهرب من مسؤولية العملية حتى لا يطالهم الأذى المباشر.

لكن أن يصبح التبرؤ من العمل المقاوم المسلح منهجاً في الإعلام الفلسطيني، مرة ينسبون عملية ايتمار لعامل تايلندي ومرة ينسبون مقتل المستوطن عند قبر يوسف إلى إطلاق نار من جنود الاحتلال المتمركزين على جبل الطور، فهذا له أبعاد خطيرة لأنه يرسخ في وعي المواطن الفلسطيني أن العمل المقاوم لا مكان له في الحياة اليوم "لا توجد مقاومة كلها حوادث ومحض صدف"، كما ترسخ فكرة أن استهداف المستوطنين يخدم الاحتلال الصهيوني وليس عملاً مقاوماً راقياً.

كما أنها ترسخ داخل المجتمع الصهيوني أنهم على حق وأن الاستيطان هو حق مشروع، والدليل هو الفلسطينيون أنفسهم الذين يدينون هذه العمليات (وشهد شاهد من أهلها)، كما ترسخ في ذهن الإعلام الغربي أن للمستوطنين الحق بالحياة الطبيعية في الضفة الغربية وزيارة "مقاماتهم" اليهودية داخل المناطق الفلسطينية، وأن الشعب الفلسطيني يؤيد ذلك ويدعمه.

تبرز لنا عملية قتل المستوطن الصهيوني عند قبر يوسف مشهدين متناقضين: مشهد الشرطي الفلسطيني الذي يعود دوماً إلى مبادئه ومثله الوطنية، ويمسح كل البرمجة الجديدة التي أدخلتها مؤسسات "دايتون – مولر" في رأسه بضغطة على الزناد، ويقابله مشهد السلطة الفلسطينية التي تصر على غسل دماغ الشعب الفلسطيني بتأكيدها على حرمة المساس بالمستوطنين وحرمة دمائهم مهما حصل، وتريد إيصال رسالة إلى المجتمع الفلسطيني: "انسوا أمر المقاومة فهذا أصبح من التاريخ البائد".

من واجبنا كإعلام مقاوم تشجيع أبناء الأجهزة الأمنية على تبني هموم شعبهم ونزع ثوب الدايتونية الذي لا يليق بهم، ومن الناحية الأخرى لا يجوز لنا الانجرار وراء الآلة الإعلامية التابعة للسلطة والتي تحاول اقناعنا (عبثاً) بأنه لا مكان للمقاومة اليوم في الضفة الغربية، مهما كانت الاعتبارات والحسابات الضيقة لأهالي هذا المعتقل أو ذاك المطارد، فمصلحة استمرار العمل المقاوم المسلح مقدم على أي مصلحة أخرى.

الثلاثاء، 19 أبريل، 2011

القادم من النفق

الاسم: من أنت!

مكان الإقامة: في النفق.

العمر: قصير لكن النفس طويل.

الهوايات: اختراق الجدران ومقارعة السلطان.

قصتي مع الحياة: ولدت منبوذاً فأنا ابن الشعب، والشعب جاهل، والشعب لا يفهم، والشعب ناكر للجميل، والشعب عالة، والشعب عبء على السلطان دام ظله وقدس سره، إلى متى يحتملكم السلطان أيها الجرذان؟

نفانا السلطان وقال: لا تعيشوا على أرضي، ولا تتنفسوا هوائي، ولا تأكلوا من خيري، ابحثوا لكم عن ظلٍّ غيري.

إلى أين نذهب؟ أليس لك ضمير يتعب؟

وهل يهم السلطان مصير بعض من الجرذان؟ إن لم تجدوا مكاناً فوق الأرض فلكم ما دونها، احفروا قبراً واتخذوه لحداً.

خسئت يا سلطان النفاق، لسنا ممن يحني الأعناق، وان تعذر العيش على أرضنا فلنا الأنفاق، وهكذا كان وطال الزمان ونحن نعيش في انفاق النسيان.

لكن الله يمهل ولا يهمل.

وجاء الوقت يا سلطان النفاق لأن أخرج من الأنفاق، حان زمن الانعتاق.

كالبركان سآتيك من حيث لا تحتسب، فاليوم ثورة الغضب. جاءك الطوفان من تحت رماد النسيان، جاءك طوفان الذين ظننتهم جرذان، جاؤوك من أعماق البركان.

ما تغني عنك قصورك ولا حصونك، سنأتيك في غرفة نومك، حان ميعاد سقوطك.

لا مفر ولا فرار، لا تفكر فقد جاء القرار، إنها العزيمة والاصرار، ألا تفهم؟ وما يفهمك وأنت الذي أكل الغرور عقلك؟ وما يفهمك وأنت تفوقت على الخلق بغبائك؟ ألا ترى أن خراب الأوطان يأتي من خراب السلطان؟

آن الأوان لأن ترجع الأرض لأصحابها، ويخرج الظلام من أرجائها.

لا نريد سلطان يستبد بنا، نريد خادماً يسعى لنا.

فنحن أهل الأنفاق، قد قررنا الانعتاق من أهل النفاق وقطع الأرزاق، فزمان الأوثان قد ولى، وزمن التوحيد قد حل، ولا رب لنا سوى الله عز في علاه.

الأحد، 17 أبريل، 2011

الراقصون على الجراح: لا يقتل جاسوس بمسلم

بعد كل جريمة بوزن جريمة الغدر بالمتضامن الإيطالي فيتوريو وقتله بأبشع الطرق، يطل علينا الراقصون على الجراح ليتحفونا بما لديهم من "سكر يرشوه على الموت"، ومثلما هي عادتهم القبيحة يتركوا الجريمة ويبدأوا بالبحث عن توابع الجريمة (أو مقدماتها) لينسونا عظم ما حصل.

ومثلما هي الحال مع كل جريمة ترتكبها الجماعات المنتسبة للسلفية الجهادية تبدأ المواقف المتلونة التي تريد أن تجمع بين المتناقضات في سبيل الدفاع عن هذه المجموعة أو تلك، فنجدهم يتحفونا ببيانات التبرؤ من العملية وإلقاء مسؤوليتها على الموساد الصهيوني، وبعدها مباشرة يتهموا حكومة غزة أنها لم تتحاور مع الجماعات السلفية ودفعت شباب هذه الجماعات إلى الانفجار والتهور وارتكاب الجريمة، وهل الحوار مع الموساد مقبول أو جائز!؟

وبعدها تنبري أقلامهم المحمومة لتتباكى على المعتقلين وليرددوا مقولة لا يقتل مسلم بكافر، أوليس القاتل موساد كما تقولون؟ ألا تكفي تهمة العمالة (وحدها) للحكم عليه بالإعدام؟ ألم يكن من الأجدر بكم أن تدينوا هذه الجريمة الخسيسة بدلاً من ذرف دموع التماسيح على قتلة تجردوا من كل قيم الإسلام والإنسانية؟ قفزتم عن الجريمة وبشاعتها وتداعياتها إلى مرحلة الحكم على القتلة بالإعدام؟ لست من أهل العلم الشرعي وإن كان هنالك آراء شرعية كثيرة حسب ما سمعت بخصوص هذه الحالات، لكن لكل مقام مقال ونحن اليوم في الجريمة التي حصلت، ولسنا في المحكمة لنحكم على القتلة بما يناسبهم لنترك الحكم لأهل الحكم، أما الآن وفي هذا الموقف الكل مطالب بتوضيح رأيه بدون مواربة حول هذه الجريمة.

أما الهروب إلى الأمام وبذل دموع التماسيح على القتلة المجرمين، ونسيان المأساة التي حصلت، والعار الذي لحق بالشعب الفلسطيني، فهو من الألاعيب التي سئمناها من نفس الجوقة التي تقتل القتيل وتخرج في جنازته، نسمع نفس التحريض ونفس التهليل والتكبير للجرائم، وعندما تقع الواقعة وتتجه إليهم سهام النقد يبدأوا بالتهرب والتبرير، وبعدها يعودوا للدفاع عن الخطأ وتجميل القبيح ووضع المساحيق على الوجه البشع لهذا الفكر المنحرف.

ويبقى فيتوريو أقرب للإسلام (في ممارسته على الأقل) من قتلته، فهو عمل وفق وصية رب العالمين للحبيب محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم: "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ"، فكم منا فهم الآية وعمل بموجبها؟ أما قتلته والراقصون على الجراح فكان قدوتهم بنو إسرائيل الذين قالوا: "ليس علينا في الأميين سبيل"، فما دام الإنسان غير مسلم فدمه وعرضه وماله مباح مثلما استباح بنو إسرائيل دم وأعراض وأموال غير اليهود. يجب أن يطرح كل منهم موقفه بصراحة ووضوح، وانتظر من منظري السلفية الجهادية إدانة كالمة بدون كلمة ولكن ، لأن "ولكن" أصبحت الشماعة التي يتهربون بها من المسؤولية، يريدون الجمع بين النقيضين أن لا يحاسبوا على جريمة نسبت إليهم وأن يحصدوا نتائجها عندما يقولوا لولا أن حماس لا تستجيب لطلباتنا لما وقعت الواقعة.

وهنا أتوجه إلى الحكومة في غزة مطالباً إياها بأن يكون موقفها واضحاً تجاه هذا الفكر، وعدم الاكتفاء بتعليق مسؤولية الجريمة على الاحتلال الصهيوني أو سلطة رام الله، فإن كانت بصمات المخابرات واضحة في توقيت الجريمة واختيار الضحية والتسرع بقتله قبل انتهاء المهلة بزمن طويل، إلا أنه لا يجب أن نتجاهل المستنقع الفكري الذي يشكل البيئة الملائمة للمخابرات كي تجد فيها الأدوات المناسبة لتنفيذ مخططاتها.

كما أن التيار السلفي بمختلف توجهاته (وأخص بالذكر السلفية الجهادية) مطالب بأن يكون له موقف واضح من الجريمة وأن يقوم بمراجعات فكرية، لأن التحريض العشوائي الذي يمارسه يشكل البيئة الخصبة التي تستغلها الأجهزة المخابراتية والمرضى النفسيين الباحثين عن غطاء لممارسة انحرافاتهم الفكرية، ويجب عليهم وضع حاجز بينهم وبين المنفذين، حاجز واضح لا لبس فيه، وإلا فإنه كل ما حصلت مثل هذه الحوادث فسهام الانتقاد والاتهام ستتوجه إليهم.

ولا ينفع القول بأن هذه مؤامرة وأن الموساد هو المتهم وهو المستفيد، فهنالك تساؤلات لدى الرأي العام، وأنتم مطالبون بتوضيح موقفكم، وتهربكم من توضيح موقفكم لا يعني للرأي العام سوى اثبات التهمة عليكم.

السبت، 9 أبريل، 2011

توضيحات بخصوص ما نشر عن وجود شيعي في غزة

قامت وكالة الأنباء الفرنسية (أ ف ب) بنشر تقرير قبل أيام قليلة تتكلم فيه عن المتشيعين في قطاع غزة وحاول التقرير الإثبات بأن لهم تواجد متزايد وأن عددهم بالمئات وأنهم بصدد بناء حسينية وغير ذلك من الإيحاءات المختلفة والتي لها أهداف مكشوفة.

وهنا لا بد من وضع الأمور في نصابها، فلا وجود للطائفة الشيعية في فلسطين كلها ولا في غزة تحديداً، وكل مدار الحديث عن بضع عشرات من الأشخاص الذين تشيعوا في الثمانينات وهم موجودين في الضفة والقطاع (وهنا نتساءل لماذا لم يتطرق التقرير لهذه الفئة في الضفة الغربية)، وجميعهم تقريباً تشيعوا بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران وتأثرهم بالأفكار "الثورية" الإيرانية، وأغلبهم من مؤيدي تنظيم الجهاد الإسلامي.

وتشيعهم هو تشيع سياسي أكثر منه تشيع عقيدي (وإن كنت أرفض كلا الشكلين من أشكال التشيع). بل ونجد أشكال عجيبة غريبة للتشيع فنجد منهم من يجمع بين فكر التكفير والهجرة والتشيع، ومن يؤيد كل من حسن نصر الله وأسامة بن لادن بنفس الوقت.

إلا أن موجة التشيع هذه بدأت بالانحسار مع بداية التسعينات، والمجموعة الموجودة اليوم هي من بقايا تلك الفترة، وهنالك من ترك التشيع وخصوصاً بعد أن قررت حركة الجهاد الإسلامي في السنوات الأخيرة فصل الأعضاء المتشيعين من صفوفها ووقف هذه الظاهرة.

لذا فالكلام عن وجود طائفة شيعية في مثل هذا الوقت وبدون مقدمات لهو أمر مستغرب، وتباهي الأشخاص الذين أجريت معهم المقابلات بتشيعهم وبمشاريعهم "التبشرية" في قطاع غزة لهو مستهجن ويثير علامات التساؤل حولهم، وكانت ردة الفعل الأولى على هذا التقرير قيام جهاز الأمن الداخلي التابع لحكومة غزة بإغلاق جمعية ورد ذكرها في التقرير على أنها مركز للمتشيعين وأداة لعملهم ودعوتهم.

وهذا يدل على حرص حركة حماس أن لا تترك أحد يعبث بالوضع الداخلي الفلسطيني، فأهل قطاع غزة 99% منهم مسلمون من أهل السنة والجماعة، وهنالك أقل من 1% مسيحيين، ولا وجود لطائفة شيعية والأفراد المتشيعين الموجودين لن يقبل منهم أن يحاولوا إيجاد حالة طائفية في قطاع غزة.

وأتعجب من القائمين على الجمعية التي أغلقت واتهامهم لحكومة غزة بالطائفية، وقولهم بأن المهم هو الانتماء إلى الإسلام وليس إلى أهل السنة أو الشيعة وأن جمعيتهم هدفها الوحيد هو خدمة أهالي الشهداء والجرحى، وأرد عليهم ما دام الانتماء المذهبي غير مهم حسب ما تقولون فلماذا تركتم أهل السنة والجماعة وتشيعتم وتريدون شق المجتمع الغزي؟

فلتبقوا مسلمين من أهل السنة ولتحافظوا على وحدة المسلمين، أو على الأقل ليقتصر عمل جمعيتكم على العمل الخيري بدون عمل "تبشيري"، ما الحكمة من الاستعراض الإعلامي الذي قمتم به؟ لو كنتم طائفة شيعية موجودة منذ مئات الأعوام لقلنا أن لكم هوية دينية وتريدون الحفاظ عليها، لكن الفكر الذي تحملونه هو مستجد وما دام الإسلام وحده هو المهم كما تقولون فما هو الحق الذي تطالبون به؟

إذاً نحن نتكلم عن التقاء أجندتين: أجندة تريد تصوير غزة وكأنها قاعدة إيرانية في فلسطين، وهي أجندة تخدم الصهاينة واتباع الصهاينة، أجندة تقفز عن حقيقة أن حماس حركة مقاومة فلسطينية المنشأ والأهداف، وأن الصراع مع الكيان الصهيوني هو قضية العرب والمسلمين الأولى وليست معركة إيران مع أمريكا. وأجندة الأفراد المتشيعين الذين أرادوا كسب انتباه الإعلام بعدما فشلوا بإقناع المجتمع الفلسطيني بقبولهم أو تشرب معتقداتهم الغريبة عن المجتمع الفلسطيني.

فجاء رد فعل الحكومة ليقطع الطريق على كل الجانبين: ليقول لمن كانوا يراهنون على أن حماس تبيع أهل قطاع غزة لإيران مقابل الدعم الذي تحصل عليه، أنه خاب أملكم فحماس صاحبة مبادئ ومواقف، وليقول للمتشيعين ألزموا حدكم يوجد في غزة حرية معتقد لكن لن يسمح لكم بالعمل التبشيري أو إحداث حالة طائفية في القطاع.

المزايدات الانتهازية على المقاومة في الأوقات الصعبة

شاهدنا يوم أمس كيف كان القسام هو المبادر بالرد على جرائم الاحتلال الصهيوني الأخيرة، وأطلق الصاروخ على الحافلة الصهيونية.

ثم تبعه ردود متتابعة من القسام واطلاق صواريخ مختلفة الأعيرة وعشرات قذائف الهاون طوال يوم أمس.

في الليل أعلنت الحكومة عن الاتفاق على وقف اطلاق الصواريخ والهاون، وذلك حتى تضع العالم في حقيقة أن المبادر بالعدوان هو الكيان الصهيوني. وفوراً بدأت الألسنة الحداد بجلد المقاومة والحكومة في غزة، وبدأنا نسمع الهمز واللمز والطعن، والمصيبة أنه بينما هذه الألسنة تطلق قذائف الطعن بالمقاومة كانت المقاومة نفسها ترد على العدوان الصهيوني، منذ الاعلان عن تجديد الالتزام بالتهدئة ووقف اطلاق القذائف أعلن الصهاينة عن سقوط 14 قذيفة هاون وقبل قليل سقطت 5 صواريخ في عسقلان، فمن الذي أطلقها؟ أليست هي نفسها المقاومة التي تطعنون بها.

ألا يدرك هؤلاء الطاعنون أن الحرب خدعة؟ ألا يدرك هؤلاء أن المناورات الاعلامية ضرورية؟ ألا يدرك هؤلاء أن من سياسة الحكومة والمقاومة هو الاعلان عن وقف اطلاق الصواريخ وفي نفس الوقت يردوا على الاعتداءات الصهيونية في الميدان؟

ألم يسمعوا بالعمل الصامت؟ أيجب أن يكون كل عمل وكل قذيفة مصحوباً بالجعجعة والتفاخر ونفخ الذات؟

المقاومة تعمل في الميدان ولا أحد يقيدها، واعلان التهدئة لا يعني وقف المقاومة، وهذا ما أثبته الفعل في الميدان وليس كلاماً ننظر به، وفي كل هذا الوقت الذي تعمل فيه حماس على كافة المستويات العسكرية والسياسية، نجد من يطعن بها، ولا يجد ما يقدمه سوى الطعن الغادر في ظهر المقاومة.

ألهذه الدرجة تقتلكم الحاجة لمناصرون جدد؟ بأي منطق لا تسمعون صوت الصواريخ الخارجة من غزة وتسمعون فقط تصريحات النونو وغيره من مسؤولي الحكومة؟ من أعلى صوت البيانات أم صوت الصواريخ؟ في غزة من يطلق الصواريخ هو نفسه صاحب البيانات، فأي انتقائية انتهازية هذه؟

قاتل الله النفاق.

الأحد، 3 أبريل، 2011

الفروق بين تهدئة حماس ورفض فتح لعمليات المقاومة

تجري مقارنات كثيرة بين موقف حماس من اطلاق الصواريخ والتزامها بالتهدئة وبين رفض فتح للعمل المقاوم، وتجري مقارنات سطحية مثل: "فتح تمنع المقاومة في الضفة وحماس تمنعها في غزة"، و"عباس وصف الصواريخ بالحقيرة والزهار وصفها بالمشبوهة"، و"حماس تريد تهدئة وفتح تريد السلام مع الكيان الصهيوني". فهل حقاً أن الحركتين وجهين لنفس العملة؟ كيف تتهم حماس فتح بأنها تمنع المقاومة في الضفة فيما هي تسعى لفرض التهدئة في قطاع غزة؟ ألا يعتبر هذا تناقضاً في المواقف؟ أليس منع العمليات بغض النظر عن المسوغات هو نفس الشيء سواء كان في الضفة أم في غزة؟ ألا يمكن القول أن فتح أكثر صدقاً من حماس لأنها تجاهر بسعيها للصلح مع الصهاينة فيما حماس تعلن شيئاً وتضمر شيئاً آخر؟ سنحاول هنا عمل مقارنة علمية بين الجانبين بعيداً عن لغة الخطابات ونريد البحث عن الفروق الجوهرية (إن وجدت) حتى نرى إن كانت أعمق وأهم من التشابه السطحي الذي يحاول البعض إبرازه:

المقاومة ما بين تجريمها واحترامها:

السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية والتي تمثل حركة فتح، تعتبر المقاومة المسلحة جريمة يحاسب عليها القانون، وإن كان عرفات حاول الموازنة بين اتفاقية أوسلو التي تجرم العمل المسلح وبين ضرورة إبقاءه خياراً مطروحاً عند الحاجة إلا أنه وبعد وفاته قام محمود عباس بحل الجناح العسكري لحركة فتح وقطع أموال الدعم عن كتائب الأقصى فيما يعتبر طلاقاً بائناً بينونةً كبرى بين فتح والعمل المسلح. وبعد أن كانت الاعتقالات في عهد عرفات تهدف أساساً لإسكات الصهاينة كلما تذمروا من عدم قيامه باللازم أصبحت اليوم ممارسة ممنهجة من قبل السلطة، وأوضح وزير داخلية سلطة رام الله سعيد أبو علي في مقابلة أجراها مع صحيفة الحياة في 26/10/2010م أن "السلطة لن تسمح بحمل السلاح وبغسل الاموال، وكل الاعتقالات التي جرت كانت تتم على هذه الخلفية" وذلك رداً على سؤال عن الاعتقال السياسي، فهو نفى الاعتقال السياسي لكنه أقر بوجود اعتقالات على خلفية حمل السلاح (بما فيه سلاح المقاومة فالكلام عن حماس) وأموال الحركة (غسيل الأموال).

ويعتبر مثول شابين من سلواد أمام محكمة عسكرية فلسطينية مؤخراً والحكم عليهما بالسجن ثلاثة أعوام دليلاً دامغاً على تجريم السلطة للعمل المقاوم من حيث المبدأ، حيث تضمنت لائحة الاتهام التي حكموا بموجبها: الشروع بقتل مستوطنين صهاينة، والاضرار بالتزامات السلطة الفلسطينية تجاه الاحتلال الصهيوني. وفي رام الله اعتقل شابين قبل أيام بتهمة الإضرار بالمصلحة الوطنية العليا، بسبب محاولتهما رفع علم فلسطيني على مستوطنة بيت أيل المجاورة أثناء مسيرة بمناسبة يوم الأرض، وقام أحد مراكز الشرطة الفلسطينية بشمال الضفة الغربية باعتقال مواطن في أحد القرى وتهمته "العراك مع المستوطنين".

ومجرد الانضمام لجناح مقاوم مسلح كفيل بسجن ومطاردة الشخص، بينما في قطاع غزة يوجد فصائل مسلحة تابعة للجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية والجبهة الديموقراطية وغيرها تعمل بشكل علني ولها مراكز تدريب علنية، بما فيه بعض التشكيلات التابعة لحركة فتح وكتائب الأقصى مثل كتائب أيمن جودة ومجموعات نبيل مسعود، بالإضافة لتشكيلات فتحاوية قامت حماس باستقطابها وتقريبها منها.

بل أكثر من ذلك يخرج ناطقون باسم هذه الأجنحة العسكرية على الفضائيات ليعلنوا رفضهم للتهدئة، مثلما فعل ممثل الجناح العسكري للجبهة الديموقراطية عندما عقد مؤتمراً صحفياً قبل بضعة أشهر ليعلن رفض ترتيبات التهدئة التي توصلت لها حركة حماس، وبالرغم من شن حركة حماس عدة حملات ضد سلاح الفلتان الأمني إلا أنها حرصت على إبقاء سلاح المقاومة خارج دائرة الاستهداف، مع صعوبة التمييز بينهما أحياناً. وبالرغم من تردد كلام عن منع حماس لخلايا مسلحة من اطلاق الصواريخ في غزة وتوقيف أفرادها لبضع ساعات والطلب منهم التعهد بعدم تكرار اطلاق الصواريخ، وبغض النظر عن دقة هذه المزاعم، إلا أنه يفهم في إطار منع العمل الفردي وحصر العمل المسلح في إطار التنظيمات معروفة العنوان بدلاً من العمل العشوائي الذي لا يمكن ضبطه والمعرض للاختراق.

التنسيق مع جماعات المقاومة:

في الضفة الغربية السلطة هي من يرسم سياسة المواجهة مع الكيان الصهيوني ولا تأخذ رأي أي من فصائل المقاومة، والسلطة لا تعترف أصلاً بشرعية الأجنحة المسلحة للتنظيمات المختلفة وتعتبرها مليشيا مسلحة، ولديها سياسة واحدة ووحيدة وهي أن العمل المسلح يضر بالمصلحة الوطنية الفلسطينية العليا وأن كل من يقاوم الاحتلال يضر بهذه المصلحة وبالتالي يستحق الاعتقال.

ومجرد قيام تنظيم فلسطيني بعمل مسلح ضد الاحتلال يعتبر حافزاً للسلطة من أجل شن حملة اعتقالات بصفوف مناصريه (وليس فقط المشتبه بتنفيذهم للعمل)، مثلما حصل مع مؤيدي حماس بعد عملية مفترق بني نعيم قبل عدة أشهر، أو مع مؤيدي حركة الجهاد الإسلامي بعد تفجير القدس الأخير (بالرغم من عدم ثبوت علاقة الجهاد بالعملية).

في المقابل تعتبر حماس في القطاع التنظيمات العسكرية شريكاً وعندما تريد التوصل إلى تهدئة فإنها تجتمع وتتشاور معهم من أجل اتخاذ قرار جماعي، وفي حال لو خرق تنظيم هذا التفاهم وحصل تصعيد مع الاحتلال الصهيوني فإنها لا تحظر التنظيم ولا تشن حملة اعتقالات في صفوفه، بل قد تترك له مجالاً للعمل وفي لحظة معينة تستدعي مجدداً ممثلي الفصائل للتشاور معهم حول تمديد التهدئة.

أسباب وقف المقاومة:

لماذا تريد حماس أو فتح وقف المقاومة؟ كلا الطرفين يقولان أن الهدف هو المصالح الفلسطينية العليا، فهل كلا الطرفين محقين؟ أم كليهما على خطأ؟ يقولون دوماً الشيطان يكمن في التفاصيل، ولافتة المصالح الفلسطينية العليا هي لافتة فضفاضة تحتمل معاني كثيرة، والسؤال الذي نطرحه: ما المأمول من وقف المقاومة المسلحة؟ وهل هو وقف دائم أم مؤقت؟ حركة فتح لا ترفض (نظرياً) العمل المسلح ضد الاحتلال لكنها ترهن ذلك بالوقت المناسب، ولو تتبعنا مواقف الحركة منذ سنوات طويلة لوجدنا أنها دوماً ما انتقدت توقيت العمليات الاستشهادية أو غيرها من عمليات المقاومة بحجة أن "الوقت غير مناسب"، ولم أجد مرة واحدة منذ أوسلو حركة فتح الرسمية تعلن أن الوقت أصبح مناسباً لاستئناف العمل المسلح، وفقط بعد حصول عملية ناجحة فإنها تشجبها أمام الإعلام الغربي والصهيوني فيما تحاول ركوب الموجة في الإعلام الفلسطيني وحصد ثمارها.

ولماذا الوقت ليس وقت مقاومة؟ من أجل عدم تعطيل جهود "السلام مع الاحتلال" و"عدم إعطائه ذرائع"، حسناً هل لديكم تصور للخطوة التالية؟ وهنا أعود لمقابلة صحفية أخرى لوزير الداخلية سعيد أبو علي (في 22/12/2010) حيث أكد على تنفيذ السلطة "كل ما طلب منها في البند الأول من خطة خارطة الطريق، وأن من تنصل من التزاماته هو الاحتلال الإسرائيلي، بمواصلة الاستيطان، واقتحامات المدن والتجمعات الفلسطينية، ونشر الحواجز، وغير ذلك."

وماذا بعد التزام السلطة وعدم التزام الصهاينة؟ الأمورمعلقة منذ أشهر كما نلاحظ جميعنا، وحركة فتح مع ذلك تصر على وقف العمل المسلح ومنعه بالقوة واعتقال من يحمل السلاح ويقاوم الاحتلال. في مقابل ذلك تطرح حماس التهدئة من أجل تطوير بناء جهازها العسكري، استعداداً لمواجهة المحتل الصهيوني في معارك وحروب مستقبلية، ولا أحد يستطيع أن يقيم حجم القوة العسكرية لحماس أو غيرها في قطاع غزة لكن بكل تأكيد فجوة التسلح واسعة جداً وتقليصها بحاجة لوقت ولمجهود طويل المدى. كما لا تتبنى حماس سياسة "منع اطلاق النار مهما حصل"، وتعطي هامشاً لجناحها العسكري وفصائل المقاومة الأخرى هامشاً ليس فقط من أجل التصدي لاعتداءات الاحتلال المباشرة بل أحياناً للمبادرة وقصف المواقع الصهيونية.

من الذي يمتلك قرار التصعيد أو التهدئة:

ما دام لكل طرف مبرراته من أجل التهدئة أو التصعيد، نسأل: من يملك صلاحية القول أن الوقت مناسب للتصعيد أو أن التهدئة أفضل؟ وهل يجب إعطاء فتح الفرصة لكي تفاوض الصهاينة للأبد؟ وهل تعطى حماس الفرصة للأبد من أجل بناء قوتها التسلحية؟ عند قدوم السلطة عام 1994م قالت فتح أنها تمثل الأغلبية وعلى الأقلية (أي حماس) أن تنصاع لرغبة الأغلبية التي رغبت وقتها بتجريب الخيار التفاوضي، ودار جدل حول أحقية فتح والمنظمة التكلم باسم الأغلبية، مع ذلك قبلت حماس بتقييد العمل المسلح وفق تفاهمات الخرطوم أواخر عام 1995م والتي نصت على أن "لا تحرج حماس السلطة بعلمياتها العسكرية"، وهو التزام فضفاض فهمت منه حماس لاحقاً أنه يحق لها الرد على اغتيال الشهيد يحيى عياش (باعتبار أن الاحتلال هو المبادر) فيما فهمته السلطة أنه وقف تام ومطلق للعمل المسلح.

وشنت السلطة عامي 1996م و1997م حملة اعتقالات واسعة وضغوط سياسية على حماس لإجبارها على إعطاء السلطة فرصة للعمل السياسي، وبالفعل توقف المسلح لحد انتفاضة الأقصى عندما بدا أن هنالك إجماعاً فلسطينياً على استئناف العمل المسلح (مع ذلك لم يتوقف التنسيق الأمني للسلطة مع الاحتلال حتى في أوج الانتفاضة).

بعد وفاة عرفات بدأ محمود عباس بتسويق فكرة نزع سلاح المقاومة ووقف العمل المسلح، فيما فازت حماس بانتخابات عام 2006م وكان يفترض أن تنصاع الأقلية (أي فتح) لرغبة الأغلبية إلا أن الأمور تطورت بشكل مختلف وحصل الانقسام، وذهبت فتح لتحكم الضفة وفق مصطلح فضفاض وهو "الشرعية الفلسطينية" وبما أنها تمثل الشرعية فلا يحق لأحد غيرها رسم سياسة مقاومة الاحتلال. فيما تحرص حماس في قطاع غزة على إشراك الفصائل المقاومة الأخرى برسم سياسة مقاومة الاحتلال، بالرغم من أنها تستطيع أن تنسب لنفسها "تمثيل الشرعية" التي يجب أن ينصاع لها الجميع.

الخلاصة:

هنالك مصلحة للبعض في المساواة بين فتح وحماس في موقفها من المقاومة، سواء فتح نفسها التي تسعى لتبرير انخراطها في التنسيق أمني بأنها لا تختلف عن حماس، وسواء من يريد طرح نفسه كبديل ثالث ناسياً أن إبراز أخطاء الآخرين لا يعني أن الناس سيتجهون إليك. في خضم المزايدات المتبادلة احتجنا لمقارنة موضوعية، حيث رأينا انفراد فتح بقرار المقاومة في الضفة الغربية، وتنساق تماماً للشروط الصهيونية والتي تسميها "التزامات" وبالتالي تجرم العمل المقاوم المسلح (وأحياناً تجرم المقاومة غير المسلحة)، في حين أن حماس تحرص على إبقاء العمل المسلح حاضراً ولو بوتيرة منخفضة وأن تشرك الجهات الأخرى بعملية اتخاذ القرار، وتعتبر العمل المقاوم المسلح عملاً مشروعاً لكن بحاجة لترشيد، والأهم أنها تعد العدة وتجهز قوتها لتكون جاهزة بأي لحظة للصدام مع الكيان الصهيوني.

وتبقى حماس ضحية خطابها الإعلامي السابق أواسط التسعينات عندما لجأت لبعض الشعارات واضعة العمل المقاوم في قوالب نمطية وجعلت العمل المسلح غاية وليس وسيلة وحرمت ترشيد العمل المسلح أو وضع أهداف سياسية له، فيما أحسنت حركة فتح استغلال الموقف وتستخدم هذه القوالب النمطية لكي تثبت للعالم أنها هي وحماس وجهان لعملة واحدة. إلا أن المقارنة الموضوعية تثبت أن حماس تختلف عن فتح بشكل كبير في نقطتين جوهريتين:

1- حماس تأخذ في الاعتبار جميع الخيارات (العمل السياسي والمقاومة المسلحة) بينما فتح لا تعترف إلا بالعمل السياسي.

2- فتح تنفرد بالقرار في الضفة الغربية بينما حماس تسعى لمشاركة فصائل المقاومة المسلحة بقرار التهدئة والتصعيد في غزة.