الأربعاء، 31 أغسطس، 2011

العلاقة بين ثوار ليبيا والكيان الصهيوني

ظهرت على هامش الثورات العربية طبقة طفيلية هامشية تحاول نسب نفسها إلى الثوار وفي المقابل تستمد قوتها من أمريكا والغرب، وتتحفنا هذه الطفيليات بين الحين والآخر بتصريحات مستفزة تسيء للثورات العربية وتخدم بامتياز الثورة المضادة.

وأغلب هؤلاء الطفيليات من "القدرية والجبرية الجدد" الذين يؤمنون بأن قدرنا مرهون بمشيئة أمريكا لأن "الله لا يشاء إلا أن تشاء أمريكا" (تعالى الله عن ما يظنون)، وأفضل طريقة للتقرب والتزلف "للإلهة الأمريكية" يتم من خلال إرضاء الكيان الصهيوني.

وكانت صحيفة هآرتس الصهيونية أجرت مقابلة مع أحد هذه الطفيليات المدعو أحمد شباني والذي عرفته الصحيفة بأنه الناطق باسم المعارضة الليبية، حيث تعهد بوقف تهريب السلاح إلى غزة وأنه يؤيد فكرة الدولتين الفلسطينية والصهيونية، وغير ذلك من الهراء الذي يقال من أجل استرضاء الصهاينة والغرب.

وقبل أن نكمل أريد الرد على من يحسن جلد الذات ويعلل هذه المواقف المخزية أنها ردة فعل على تخلي العرب عنهم والقرارات الخاطئة التي أتخذتها قيادات الشعب الفلسطيني، فمن الواضح أن الثورة الليبية تمتعت بدعم عربي غير مسبوق، فيما وقف الشعب الفلسطيني بكل ثقله وراء الثورة الليبية وبشكل غير مسبوق، فرأينا مثلاً حركة حماس في الأيام الأولى للثورة الليبية تصدر بياناً يدين إجرام نظام القذافي في سابقة لم تتكرر قبلها ولا بعدها.

فلم نجد سوى تعاطف خجول مع القذافي من جانب التيار الدحلاني في حركة فتح، ويا "للمصادفة" كان كل من محمد دحلان وصديقه محمد رشيد حلقة الوصل بين القذافي والكيان الصهيوني، حيث اعترف محمد رشيد أنه عمل مستشاراً إعلامياً لسيف القذافي وأنه توسط من أجل إطلاق سراح صهيوني اعتقل في ليبيا قبل عدة شهور. وهذا غير مستغرب من رجلين يشاطران أحمد شباني عقيدة "أملي أن ترضى إسرائيل عني".

بالتالي يجب فهم هذه المواقف في إطارها الصحيح وهو أنها نابعة من فهم مختل للدنيا، وأن أصحابها يسيرون على درب السادات ومبارك وزين العابدين في إلغاء كل المبادئ والمصالح الوطنية، وربط مصيرنا بما يرضي أمريكا والكيان الصهيوني.

وإن كنت متيقناً أن مثل هذه الحالات هي حالات شاذة تعيش حالة طفيلية على هامش الثورة الليبية، إلا أنه من الضروري أن يكون للمجلس الوطني الانتقالي موقف واضح منه، فعلى الأقل مطلوب صدور بيان أنه لا يمثل سوى نفسه ولا يمثل ثوار ليبيا. وذلك لأسباب مهمة:

أولاً، يحرص الصهاينة على التقاط مثل هذه التصريحات لأنها تعوض شعورهم بالنقص كونهم كيان غير شرعي ومنبوذ، ويستخدمونها في حربهم النفسية حتى لو كانت مواقف صادرة عن نكرات أو حتى عن طريق خدع سخيفة، مثل قيام مراسل يديعوت بزيارة طرابلس باستخدام جواز سفر أوروبي وتنقله في ليبيا بالاسم الأوروبي دون أن يجرؤ على القول بأنه صهيوني، وبعد ذلك تأتي يديعوت لتتباهى بالاستقبال الحار الذي تلقاه مراسلها في ليبيا.

ثانياً، صدور هذه المزاعم والتصريحات في الوقت الذي كان الصهاينة أحد الجهات القليلة التي تمد معمر القذافي بالسلاح والمشورة في أيامه الأخيرة، ترسل رسالة خاطئة بأن ثوار ليبيا مدينون للغرب ويريدون تسديد الدين من خلال هذه المواقف. يجب أن يكون واضحاً للجميع أن أهل ليبيا لا يدينون لأحد بأي شيء، وإذا كان الغرب دعم الثورة الليبية حتى يتقي غضب الشعب الليبي بسبب مواقفه الداعمة للقذافي فيما مضى، فأكثر شيء يمكن أن يطلبه هو فتح صفحة جديدة مع علاقات متساوية بين الطرفين بدون إملاءات ولا هيمنة.

ثالثاً، هذه التصريحات، ومن قبلها زيارة الفيلسوف الفرنسي برنار ليفي لبنغازي تغذي نظرية المؤامرة التي تنشرها الثورة المضادة في العالم العربي، والتي تقول بأن الثورات هي صنيعة الموساد وتستدل بمثل تصريحات شباني وتقارير يديعوت وتصريحات أحد المتسلقين على الثورة السورية بأنه ستفتح سفارة للكيان بدمشق.

وهذه أخطر نقطة لأن هنالك ثورات عربية الآن تواجه أنظمة عاتية ومثل هذه التصريحات تخدم الأنظمة ولا تخدم الثورات، وأضعف الإيمان يقتضي نفي التصريحات، صحيح أن نظرية "ليفي محرك الثورات العربية" هي نظرية ساذجة وسخيفة لكن يوجد الكثير من السذج تنطلي عليهم، هذه حرب إعلامية وكل كلمة محسوبة علينا.

رابعاً، مروجي التطبيع والتبعية للكيان الصهيوني يستدلون بمثل هذه التصريحات لتبرير ما يقومون به، فسمعنا قبل أيام رئيس جنوب السودان سيلفا كير يقول أن سيفتح سفارة لدولته في الكيان الصهيوني اقتداءً بالدول العربية التي تمتلك علاقات ديبلوماسية مع الكيان.

خامساً، من يدعو لتقديم الهبات المجانية إلى الكيان الصهيوني لكي يرضي أمريكا بدون أي اعتبار لأي شيء آخر، يعاني من مرض خطير سبق وأن دمر الأمة وجعلها إقطاعيات بائسة تدور في فلك أمريكا وتسبح بحمدها ليل نهار، وهو مرض معدي ويتسلل بأشكال وألوان مختلفة؛ لذا يجب قطع دابر هذا المرض بنبذ المصابين به وعزلهم حتى لا يزينوا مواقفهم بمبررات وحجج واهية.

الأربعاء، 24 أغسطس، 2011

انتصار الثورة الليبية وانتصار أخلاق الإسلام


تميزت الثورة في البلد الذي شهد مولد الدعوة السنوسية والتي نشرت التعليم والالتزام الإسلامي في أرجاء الصحراء الكبرى، وبلد المجاهد الكبير عمر المختار، بطابعها الإسلامي المميز بالرغم من اثنين وأربعين عاماً حكم بها صاحب النظرية العالمية الثالثة حاول خلالها جاهداً مسح خلق وأخلاق الإسلام من ضمير ووجدان الشعب الليبي.

تميزت الثورة الليبية بالتكبير والتهليل طوال مراحلها، وبشعاراتها الدينية التي رفعها الإسلاميون وغير الإسلاميين، إلا أن انتصار الثوار في طرابلس وباب العزيزية أثبت وبشكل قاطع أن الإسلام الذي حمله الثوار لم يكن مجرد عبارات وشعارات تردد، ولا مجرد طقوس وشعائر تمارس، بل هو خلق أصيل ينعكس على كل تصرفات ومواقف القوم.

فمن يسمع قادة الثورة الليبية بالأيام الأخيرة ابتداءً من مصطفى عبد الجليل إلى محمود جبريل إلى الشيخ عبد الكريم بلحاج إلى أصغر قائد ميداني، لا يكاد يسمع إلا التوصية بدماء الليبيين، ولا يسمع إلا الطلب من الثوار والمدنيين الصفح والعفو وعدم الثأر وعدم الانتقام من مؤيدي وأزلام القذافي، بالرغم من جرائمهم التي يندى لها الجبين طوال السنوات الماضية وطوال أشهر الثورة الستة.

وفي حين أنه من طبع البشر اللجوء إلى الله في أحلك الظروف وأظلمها، وفي الوقت الذي يتذكر الناس العدل عندما يكونون مظلومين، فمن السهل جداً أن تنسيهم نشوة الانتصار عهدهم الذي عاهدوا الله عليه، ومن السهل جداً أن ينسوا العدل عندما يكونوا مقتدرين ويستطيعون ظلم الآخرين، إلا أن مصطفى عبد الجليل لم يذكر في لحظات الانتصار إلا العدل والإنصاف تجاه خصومه وتجاه أعدائه، وأبى عبد الكريم بلحاج إلا أن يطلب من جنوده ضبط النفس وعدم ظلم من ظلموه وعذبوه ونكلوا به من قبل.

لم ينس الثوار في لحظة الانتصار قوله تعالى: "ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا"، لم ينس الثوار خلق الحبيب محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم عندما دخل مكة فاتحاً منتصراً وبدون مقاومة تذكر ليقول لأهل مكة: "اذهبوا فأنتم الطلقاء"، فما أروعها من مقارنة: انطلقت عملية تحرير طرابلس في ذكرى فتح مكة، وحصلت مواجهات محدودة وحقنت الدماء بما يشبه فتح مكة، لنسمع بعدها دعوات الصفح والعفو تأسياً بفعله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة.

ذكرنا ثوار ليبيا أن الإسلام ليس فقط صلاة وصوم وقيام ليل، بل هو إيمان وعمل، خلق وأخلاق، أو كما علمنا الحبيب صلى الله عليه وسلم: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" – صححه الألباني. خلق العفو عند المقدرة والصفح عن من ظلمك هو خلق الإسلام، هو روح الإسلام وجوهره.

شكراً لثوار ليبيا الذين ذكرونا بسنة الحبيب محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم وسنة صحابته الكرام، في هذا الشهر الفضيل، وأكدوا لنا أن النموذج النبوي ليس مجرد نموذج نظري جميل، بل يمكن تطبيقه في عصرنا الحالي وفي مجتمعاتنا الحديثة.

أدرك أن هنالك تجاوزات ستحصل، فمن الصعب السيطرة على عشرات الآلاف وانفعالاتهم واندفاعهم في مثل هذه اللحظات، لكن عندما تخرج الدعوة من القادة وبشكل حثيث (وليس دعوات رفع عتب) فهذا سينعكس على الأرض بكل تأكيد، وآمل أن يكون ثوار ليبيا وأبناء الشعب الليبي على قدر الالتزام بهذه الدعوات وأن يقدموا نموذجاً حياً للصحابة رضوان الله عليهم.

بعد انتصار الثورة الفرنسية أعدم الآلاف من طبقة النبلاء بينهم أطفال ونساء، بل وأعدم الثوار بعضهم البعض، وكذا الثورة البلشفية في روسيا حصدت أرواح خمس ملايين إنسان بينهم أطفال القيصر أعدمهم الثوار بدم بارد وأخفوا قبورهم، فيما تقدم الثورات العربية نموذجاً حضارياً للثوار هذا ما شهدناه في تونس ومصر واليوم في ليبيا.

بعد أن كان ينظر العالم للعرب على أنهم مجموعة من الشعوب الفقيرة الاتكالية المتخلفة، بدأ ربيع الثورات بتغيير هذه النظرة، وبدأ العالم يتعلم من العرب كيف يثورون على الظلم وكيف ينتزعون حقوقهم بسواعدهم العارية، وكيف يواجهون الموت ليهبوا الحياة لقومهم، واليوم يتعلم العالم من الثورة الليبية كيف يترجم العفو عند المقدرة على أرض الواقع، خلق إسلامي جديد يتعرف عليه العالم.

وألف مبارك لأهل ليبيا هذا النصر المبين، ونأمل لهم كل خير.

السبت، 20 أغسطس، 2011

موقف حماس تجاه عملية إيلات

تشكل عملية إيلات النوعية علامةً فارقة في تاريخ العمل المقاوم ضد الاحتلال الصهيوني، سواء من حيث طريقة التنفيذ أو مكان التنفيذ أو زمان التنفيذ، فالكلام يدور عن عملية مركبة ومتدحرجة ومكونة من عدة مراحل، استهدفت قوات الاحتلال واشتبكت معها ونصبت لها كمائن خلال المعركة التي استمرت لساعات طويلة في صحراء النقب، ومدينة إيلات (واسمها الفلسطيني أم الرشراش) كانت ولسنوات طويلة بعيدة عن عمليات المقاومة، وهي العملية الأولى التي تنطلق من سيناء تجاه فلسطين المحتلة منذ اندلاع الثورة المصرية، وهي أكبر عملية داخل فلسطين تكون نقطة انطلاقها من خارج فلسطين منذ عملية الطائرة الشراعية عام 1987م.

وتشير أصابع الاتهام الصهيونية إلى لجان المقاومة الشعبية في قطاع غزة، بالرغم من أن جنسية وعدد المنفذين وعدد الشهداء الدقيق ما زال غير واضحاً لحد الآن، وسط تقارير ومعلومات وأرقام متضاربة، وتصاعدت فوراً التهديدات الصهيونية الموجهة لحركة حماس ولقطاع غزة، ليقوم طيران الاحتلال في وقت لاحق باغتيال أمين عام لجان المقاومة الشعبية الشهيد أبو عوض النيرب.

في ظل هذه المعطيات صدر بيان عن حركة حماس يوم الخميس ليحذر الاحتلال الصهيوني من استهداف قطاع غزة، وينفي مسؤولية الحركة عن العملية وتؤكد على أن ميدان عملها المقاوم داخل فلسطين المحتلة وليس خارجها، مما دفع البعض للتساؤل عن سبب هذه اللغة الجديدة في خطاب الحركة، بل وزعم البعض أنها خطوة جديدة من الحركة تجاه إتباع سياسة مماثلة حركة فتح التي ترفض العمل المقاوم وإدامة التهدئة للأبد.

إلا أن ما غاب عن ذهن هؤلاء أن موقف حماس ليس بالجديد، فمنذ نشأتها تحرص حركة حماس على عدم الدخول في صدام مع الأنظمة العربية وخصوصاً في دول الطوق، لذلك تتبع سياسة عدم تنفيذ عمليات ضد الاحتلال الصهيوني خارج فلسطين أو انطلاقاً من خارج فلسطين، ليس لأنها تخاف الاحتلال الصهيوني بل لأنها لا تريد الدخول في صدام مع الأنظمة العربية يحرف بوصلتها عن معركتها الحقيقية ضد الاحتلال الصهيوني.

هذه السياسة كانت موجودة في أواخر الثمانينات وفي التسعينات وطوال انتفاضة الأقصى، لم تتغير ولا يبدو أن حماس تتجه نحو تغييرها على المدى المنظور، وهي سياسة نابعة مما تراه الحركة استخلاص العبر من تجارب منظمة التحرير سواء في الأردن أو لبنان، سياسة نابعة من الحساسية المفرطة في الدول العربية من اتخاذ أراضيها منطلقاً لعمليات مقاومة ضد الاحتلال الصهيوني بما تراه توريطاً لها في معركة ليس أوانها.

وقد رأينا كيف رفضت الدول العربية مسيرات العودة وطلب المجلس العسكري من الثوار المصريين إلغاء مسيرة العودة المصرية، وفي لبنان قررت الحكومة منع مسيرة العودة الثانية، فإن كانت مسيرات شبابية سلمية تستفز الأنظمة العربية ولا تقبل بها فكيف بعمليات مقاومة مسلحة؟

لذلك فضلت المقاومة الفلسطينية عموماً وحماس تحديداً في السنوات العشرين الماضية أن تستخدم دول الطوق كممر وقاعدة خلفية لدعم المقاومة في الضفة والقطاع سواء من خلال تهريب السلاح أو التدريب وما إلى ذلك، والكثير من هذه النشاطات لا تتم بموافقة رسمية لهذه الحكومات والأنظمة بل بشكل من أشكال التغاضي أو المنع غير المشدد، وبعض هذه النشاطات يتم بموافقة الأنظمة بشرط أن لا يكون علنياً وأن لا يحرج هذه الأنظمة، لذا فأي استفزاز أو تجاوز للخطوط الحمراء قد يطيح بالقواعد الخلفية الضرورية للعمل المقاوم المسلح ذاته داخل فلسطين.

صحيح أن مصر ما بعد الثورة تغيرت ولم تعد حارس الحدود الصهيونية، لكن هنالك اعتبارين يجب أخذهما بالحسبان: الأول يجب أن ندرك محدودية ما يمكن لمصر أن تقدمه في هذه المرحلة، وكما يقول المثل الشعبي "إذا حبيبك عسل ما تلحسه كله"، والثاني أن الثورة المضادة وبقايا النظام السابق ما زالوا موجودين في الإدارة المصرية المدنية والعسكرية وهم يتربصون أي فرصة لكي يحرضوا ضد الدولة المصرية، فلا يجوز أن تقدم لهم الحجج والذرائع على طبق من ذهب.

وبالتالي لا معنى لاتهام حماس بأنها تغير من سياستها، لأن هذه السياسة بالذات وكما رأينا هي سياسة قديمة ولها أسبابها وفوائدها على المقاومة المسلحة نفسها، ربما يجادل البعض بأن هنالك مبالغة أو أن القضية الفلسطينية هي قضية كل العرب ولا يجب غلق الحدود، وأنا من أنصار تسخين الحدود مع الاحتلال الصهيوني وفتح جبهات جديدة للمقاومة واستنزاف العدو الصهيوني، لكن بدون الدخول بمواجهة مع الحكومات العربية تضيع بوصلة المقاومة، وأسهل وصفة للصدام مع هذه الحكومات هو العمل العلني واستفزازها بالتبني العملي لهذه العمليات.

فلماذا لا تكون عمليات ينفذها مجهولون وتقيد ضد مجهولين؟ ما المانع؟ ألم تصل الرسالة إلى الصهاينة؟ ألم يتم استنزافهم نفسياً وعسكرياً ومالياً؟ أليس هذا هو المطلوب؟ لماذا يطلب من حماس أن تتباهى بالعملية بشكل يحرج ويستفز النظام المصري؟ هل هذا هو المطلب؟ هل خصومة حماس مع النظام المصري أم الاحتلال الصهيوني؟

كما أن بيان حماس واضح وضوح الشمس في البند الأول والبند الثالث عندما يحمل الاحتلال مسؤولية العملية، وأنه ما دام احتلال فهنالك مقاومة، وهو كلام أكده في وقت سابق من صباح الخميس الدكتور صلاح البردويل، عندما قال أنه ليس من سياسة حماس العمل من الخارج وبالتالي ليست هي المنفذة، لكن وجود الاحتلال يعني وجود المقاومة.

فالخوف الذي يتبادر لذهن البعض بأن حماس بدأت بالتهرب من نهج المقاومة وأنها ربما غير راضية عن العملية ليس في مكانه، وإلا فما معنى أن جميع وسائل الإعلام التابعة لحماس المرئية والمقروءة والمسموعة كانت وما زالت تحتفل وتتغنى بهذه العملية؟ وما معنى تحميل الاحتلال مسؤولية العملية وأنها رد فعل طبيعي على وجود الاحتلال؟

والأكثر من ذلك أن الجهة المتهمة بتنفيذ العملية وهي لجان المقاومة الشعبية معروف عنها قربها الشديد لحركة حماس، وربما أقرب تنظيم فلسطيني لحركة حماس في قطاع غزة هي اللجان، وأكثر المحللين وقادة الاحتلال يقولون أن اللجان ليست إلا أداة تستخدمها حماس لتنفيذ العمليات عندما لا تريد أن تكون هي بالواجهة، أو بكلام آخر تستخدم علاقتها باللجان من أجل توزيع الأدوار، وأن اللجان لا تنفذ عمليات بدون إذن وموافقة حماس.

فهل نفذت اللجان هذه العملية بالذات بعلم حماس؟ أم كانت مبادرة فردية من بعض عناصر اللجان؟ أم كان هنالك إذن بعملية أصغر حجماً لكن الظروف تهيأت لتكون بمثل هذه القوة؟ أم أن اللجان لا علاقة لها أصلاً بالعملية من قريب أو من بعيد؟ هذه أمور من الصعب التكهن بها في هذه المرحلة، لكن الأمر الثابت هو أنه لا داعي لأن تتبنى حماس لغة تتبنى العملية أو تدافع عنها بشكل فاقع ومبهرج كما يطالبها البعض، فلتبقى الأمور مقيدة ضد مجهول وليتحمل الاحتلال مسؤولية أي تصعيد يحصل.

موقف حماس تجاه عملية إيلات


تشكل عملية إيلات النوعية علامةً فارقة في تاريخ العمل المقاوم ضد الاحتلال الصهيوني، سواء من حيث طريقة التنفيذ أو مكان التنفيذ أو زمان التنفيذ، فالكلام يدور عن عملية مركبة ومتدحرجة ومكونة من عدة مراحل، استهدفت قوات الاحتلال واشتبكت معها ونصبت لها كمائن خلال المعركة التي استمرت لساعات طويلة في صحراء النقب، ومدينة إيلات (واسمها الفلسطيني أم الرشراش) كانت ولسنوات طويلة بعيدة عن عمليات المقاومة، وهي العملية الأولى التي تنطلق من سيناء تجاه فلسطين المحتلة منذ اندلاع الثورة المصرية، وهي أكبر عملية داخل فلسطين
تكون نقطة انطلاقها من خارج فلسطين منذ عملية الطائرة الشراعية عام 1987م.

وتشير أصابع الاتهام الصهيونية إلى لجان المقاومة الشعبية في قطاع غزة، بالرغم من أن جنسية وعدد المنفذين وعدد الشهداء الدقيق ما زال غير واضحاً لحد الآن، وسط تقارير ومعلومات وأرقام متضاربة، وتصاعدت فوراً التهديدات الصهيونية الموجهة لحركة حماس ولقطاع غزة، ليقوم طيران الاحتلال في وقت لاحق باغتيال أمين عام لجان المقاومة الشعبية الشهيد أبو عوض النيرب.

في ظل هذه المعطيات صدر بيان عن حركة حماس يوم الخميس ليحذر الاحتلال الصهيوني من استهداف قطاع غزة، وينفي مسؤولية الحركة عن العملية وتؤكد على أن ميدان عملها المقاوم داخل فلسطين المحتلة وليس خارجها، مما دفع البعض للتساؤل عن سبب هذه اللغة الجديدة في خطاب الحركة، بل وزعم البعض أنها خطوة جديدة من الحركة تجاه إتباع سياسة مماثلة حركة فتح التي ترفض العمل المقاوم وإدامة التهدئة للأبد.

إلا أن ما غاب عن ذهن هؤلاء أن موقف حماس ليس بالجديد، فمنذ نشأتها تحرص حركة حماس على عدم الدخول في صدام مع الأنظمة العربية وخصوصاً في دول الطوق، لذلك تتبع سياسة عدم تنفيذ عمليات ضد الاحتلال الصهيوني خارج فلسطين أو انطلاقاً من خارج فلسطين، ليس لأنها تخاف الاحتلال الصهيوني بل لأنها لا تريد الدخول في صدام مع الأنظمة العربية يحرف بوصلتها عن معركتها الحقيقية ضد الاحتلال الصهيوني.

هذه السياسة كانت موجودة في أواخر الثمانينات وفي التسعينات وطوال انتفاضة الأقصى، لم تتغير ولا يبدو أن حماس تتجه نحو تغييرها على المدى المنظور، وهي سياسة نابعة مما تراه الحركة استخلاص العبر من تجارب منظمة التحرير سواء في الأردن أو لبنان، سياسة نابعة من الحساسية المفرطة في الدول العربية من اتخاذ أراضيها منطلقاً لعمليات مقاومة ضد الاحتلال الصهيوني بما تراه توريطاً لها في معركة ليس أوانها.

وقد رأينا كيف رفضت الدول العربية مسيرات العودة وطلب المجلس العسكري من الثوار المصريين إلغاء مسيرة العودة المصرية، وفي لبنان قررت الحكومة منع مسيرة العودة الثانية، فإن كانت مسيرات شبابية سلمية تستفز الأنظمة العربية ولا تقبل بها فكيف بعمليات مقاومة مسلحة؟

لذلك فضلت المقاومة الفلسطينية عموماً وحماس تحديداً في السنوات العشرين الماضية أن تستخدم دول الطوق كممر وقاعدة خلفية لدعم المقاومة في الضفة والقطاع سواء من خلال تهريب السلاح أو التدريب وما إلى ذلك، والكثير من هذه النشاطات لا تتم بموافقة رسمية لهذه الحكومات والأنظمة بل بشكل من أشكال التغاضي أو المنع غير المشدد، وبعض هذه النشاطات يتم بموافقة الأنظمة بشرط أن لا يكون علنياً وأن لا يحرج هذه الأنظمة، لذا فأي استفزاز أو تجاوز للخطوط الحمراء قد يطيح بالقواعد الخلفية الضرورية للعمل المقاوم المسلح ذاته داخل فلسطين.

صحيح أن مصر ما بعد الثورة تغيرت ولم تعد حارس الحدود الصهيونية، لكن هنالك اعتبارين يجب أخذهما بالحسبان: الأول يجب أن ندرك محدودية ما يمكن لمصر أن تقدمه في هذه المرحلة، وكما يقول المثل الشعبي "إذا حبيبك عسل ما تلحسه كله"، والثاني أن الثورة المضادة وبقايا النظام السابق ما زالوا موجودين في الإدارة المصرية المدنية والعسكرية وهم يتربصون أي فرصة لكي يحرضوا ضد الدولة المصرية، فلا يجوز أن تقدم لهم الحجج والذرائع على طبق من ذهب.

وبالتالي لا معنى لاتهام حماس بأنها تغير من سياستها، لأن هذه السياسة بالذات وكما رأينا هي سياسة قديمة ولها أسبابها وفوائدها على المقاومة المسلحة نفسها، ربما يجادل البعض بأن هنالك مبالغة أو أن القضية الفلسطينية هي قضية كل العرب ولا يجب غلق الحدود، وأنا من أنصار تسخين الحدود مع الاحتلال الصهيوني وفتح جبهات جديدة للمقاومة واستنزاف العدو الصهيوني، لكن بدون الدخول بمواجهة مع الحكومات العربية تضيع بوصلة المقاومة، وأسهل وصفة للصدام مع هذه الحكومات هو العمل العلني واستفزازها بالتبني العملي لهذه العمليات.

فلماذا لا تكون عمليات ينفذها مجهولون وتقيد ضد مجهولين؟ ما المانع؟ ألم تصل الرسالة إلى الصهاينة؟ ألم يتم استنزافهم نفسياً وعسكرياً ومالياً؟ أليس هذا هو المطلوب؟ لماذا يطلب من حماس أن تتباهى بالعملية بشكل يحرج ويستفز النظام المصري؟ هل هذا هو المطلب؟ هل خصومة حماس مع النظام المصري أم الاحتلال الصهيوني؟

كما أن بيان حماس واضح وضوح الشمس في البند الأول والبند الثالث عندما يحمل الاحتلال مسؤولية العملية، وأنه ما دام احتلال فهنالك مقاومة، وهو كلام أكده في وقت سابق من صباح الخميس الدكتور صلاح البردويل، عندما قال أنه ليس من سياسة حماس العمل من الخارج وبالتالي ليست هي المنفذة، لكن وجود الاحتلال يعني وجود المقاومة.

فالخوف الذي يتبادر لذهن البعض بأن حماس بدأت بالتهرب من نهج المقاومة وأنها ربما غير راضية عن العملية ليس في مكانه، وإلا فما معنى أن جميع وسائل الإعلام التابعة لحماس المرئية والمقروءة والمسموعة كانت وما زالت تحتفل وتتغنى بهذه العملية؟ وما معنى تحميل الاحتلال مسؤولية العملية وأنها رد فعل طبيعي على وجود الاحتلال؟

والأكثر من ذلك أن الجهة المتهمة بتنفيذ العملية وهي لجان المقاومة الشعبية معروف عنها قربها الشديد لحركة حماس، وربما أقرب تنظيم فلسطيني لحركة حماس في قطاع غزة هي اللجان، وأكثر المحللين وقادة الاحتلال يقولون أن اللجان ليست إلا أداة تستخدمها حماس لتنفيذ العمليات عندما لا تريد أن تكون هي بالواجهة، أو بكلام آخر تستخدم علاقتها باللجان من أجل توزيع الأدوار، وأن اللجان لا تنفذ عمليات بدون إذن وموافقة حماس.

فهل نفذت اللجان هذه العملية بالذات بعلم حماس؟ أم كانت مبادرة فردية من بعض عناصر اللجان؟ أم كان هنالك إذن بعملية أصغر حجماً لكن الظروف تهيأت لتكون بمثل هذه القوة؟ أم أن اللجان لا علاقة لها أصلاً بالعملية من قريب أو من بعيد؟ هذه أمور من الصعب التكهن بها في هذه المرحلة، لكن الأمر الثابت هو أنه لا داعي لأن تتبنى حماس لغة تتبنى العملية أو تدافع عنها بشكل فاقع ومبهرج كما يطالبها البعض، فلتبقى الأمور مقيدة ضد مجهول وليتحمل الاحتلال مسؤولية أي تصعيد يحصل.

الخميس، 11 أغسطس، 2011

الملك عبد الله: الخطاب غير المناسب في الزمان غير المناسب

ما فشل به الإعلام الرسمي السوري على مدار خمسة شهور هي عمر انتفاضة الشعب السوري، قدمه له الملك السعودي عبد الله بن عبد العزيز على طبق من ذهب، وهي حجة تقنع البعض بأن ما يحصل في سوريا هو مؤامرة خارجية تحاك ضد "نظام المقاومة"، وذلك لأن الجميع يعلم أن السعودية لا تتحرك إلا بإذن أمريكا، ولأن الجميع شاهد كيف آوى النظام السعودي كل من زين العابدين بن علي وعلي عبد الله صالح، وكيف تآمر لإطالة عمر كل من حسني مبارك وعلي عبد الله صالح.

فلماذا الآن تكلم الملك عبد الله؟ وهل يحكم أصلاً السعودية نظام يحترم آدمية الإنسان حتى يعطي الآخرين دروساً في حقوق المواطن؟ ربما لا يقصف الجيش السعودي شعبه (لحد الآن) لكنه ليس أفضل كثيراً من نظام الأسد لا من حيث حقوق الإنسان ولا حرية التعبير ولا الفساد والنزاهة والعدل.

هل سيؤثر سحب السفير السعودي من دمشق أو خطاب الملك عبد الله على النظام؟ التأثير بكل تأكيد سيكون عكسياً وباتجاه تقوية نظام الأسد - العدو القديم للنظام السعودي حيث لم تكن علاقتهما ودية في أي يوم من الأيام، مثل هذا الخطاب سيدفع مؤيدي النظام للتماسك من حوله أكثر وأكثر وسيستخدم البعث فزاعة المؤامرة "الوهابية الأمريكية" لشد أزر مؤيديه وإقناعهم أنهم يخوضون معركة ضد الاستعمار وليس ضد أبناء شعبهم.

الملك عبد الله لن يقدم على خطوات عملية تنقذ الثورة السورية، فهي فقط مجرد كلمات تبيعهم أملاً زائفاً، ويبدو لي أن الخطاب هو نتيجة لنصائح من مستشاري الملك (تلاميذ توماس فريدمان وغيره من المحافظون الجدد)، حيث يظن أولئك أنه يمكن لملك السعودية أن يختطف الثورة السورية وأن يكون بطل الثورات العربية.

وواضح أن الملك السعودي ومستشاريه يعيشون وهم الدراسات الأمريكية التي تنبأت بان تطيح الثورات بالجمهوريات وتبقي على الملكيات، وننصحهم بالابتعاد عن الأحكام الجاهزة التي تأتيهم من أمريكا، فبشار الأسد ظن قبلهم أنه بمنأى عن الثورات لأنه "نظام مقاوم" ليكتشف بعدها أنه هو التالي.

ربما لا يدرك حكام السعودية أن نظام الأسد هو صمام الأمان لهم ولكافة أنظمة الاستبداد، لأنه منذ اندلاع الثورة السورية ساد الجمود على أكثر الساحات العربية، حيث ترتقب الجماهير نتائج ثورات ليبيا واليمن وسوريا، ولا شك أن انتصار الثورة السورية على أعتى آلة قمع وأكثر أنظمة الاستبداد تماسكاً سيمد باقي الشعوب بالأمل وسيحرضها على الثورة، والشعب السعودي ليس بعيد كثيراً عن ذلك.

لكنها الأوهام والظن الخاطئ بأن كل ما يحصل هو مجرد تصفية حسابات بين محور وآخر: "أطاحوا لنا بمبارك وبن علي وحان الأوان لنرد لهم الصاع صاعين، ولأن نكسب شعبية بين الجماهير العربية".

إن أردت أن تكسب شعبية فأبدأ ببلدك وأصلح الفساد وأنظر للمهمشين في المناطق النائية وأنظر لمدينة جدة التي تغرق كل عام في الفيضانات، ولتطلق سراح المعتقلين السياسيين ولتبدأ عملية إصلاح سياسي واسعة النطاق، هذا ما سيجعلك بطلاً، لا أن تزايد على نظام هو شريك لك في الاستبداد.

ونصيحتي للثوار السوريين لا تراهنوا لا على الملك عبد الله ولا على المجتمع الدولي، فكل الثورات انتصرت من داخل حدود بلدانهم والدعم الخارجي مجرد عامل تكميلي لا يفيد كثيراً، ما يهمكم هو تفتيت النظام من الداخل واستمالة الشرفاء منه وتحريضهم على آل الأسد وحزب البعث، وخطابات مثل خطاب الملك عبد الله تنفر وتخيف الشرفاء وتجعلهم يتعاضدوا مع مجرمي النظام ضد ما يصور لهم على أنه مؤامرة سعودية-أمريكية.

حمى الله الثورة السورية من جميع من يتاجر بإسمها ويستغلها لتصفية حساباته الضيقة.

الأربعاء، 10 أغسطس، 2011

بين شبيحة الأسد وزعران السلطة: ألا من متعظ؟

بالرغم من وقوف السلطة الفلسطينية رسمياً على الحياد بما يخص الثورات العربية إلا أن المزاج العام في أروقة السلطة وبين قسم كبير من مؤيديها هو التشكيك بالثورات العربية وبأهدافها وجدواها، وهو ما نلمسه في أحاديثهم الخاصة أو تعليقاتهم في المنتديات وصفحات الفيسبوك أو على المواقع التابعة لحركة فتح، وأحياناً نستشعرها بالتلميحات المبطنة لمسؤولي حركة فتح والسلطة.

إلا أن موقف فتح وإعلامها ومؤيديها من الثورة السورية يختلف اختلافاً جوهرياً، فهو داعم وبكل شدة للثورة، ويراها الموقعة الفاصلة بين الحق والباطل، ولا يتوانى القوم عن الغمز واللمز من موقف حماس المحايد بما يخص سوريا بل ويتهمون حماس بالانحياز إلى جانب النظام السوري.
والموقف الفتحاوي من الثورة السورية لا ينطلق من مبادئ أو ثوابت ولا حباً بالشعب السوري، ليس فقط بسبب موقفه المناقض تجاه الثورات العربية الأخرى، بل أيضاً لأن السلطة الفلسطينية وفتح يرتكبون نفس أخطاء النظام السوري ويكررون نفس الممارسات التي أدت لثورة الشعب السوري ضد نظام البعث.

ويبدو أن السلطة الفلسطينية تعيش وهم أن الثورة السورية ما هي إلا تصفية حسابات مع "محور الممانعة والمقاومة"، متجاهلة أن الشعب السوري لم ينتفض ضد المقاومة، ومتجاهلة أن النظام السوري سبق وأن أخطأ نفس خطأها عندما اعتبر الثورة المصرية نصراً لمحور المقاومة وبالتالي ظن نفسه محصناً تجاه أي انتفاضة شعبية.

وقد سبق وأن حذرت من وهم أن الثورات تحصل فقط في دول الاعتدال (بعيد سقوط نظام مبارك)، وأن تبني خيار المقاومة لا يشكل حصانة لأي نظام، واليوم من الضروري التنبيه بأن اعتقاد السلطة أن الغطاء الصهيوني والأمريكي يحميها من أي ردة فعل شعبية هو وهم آخر يجب أن تتخلص منه قبل أن يفوت الأوان.

وبدلاً من تخلص السلطة من الممارسات التي كانت سبباً في انتفاضة الشعب السوري، نجدها تتقرب في مسلكياتها من النظام السوري أكثر وأكثر، وإن كان الشعب السوري يتندر من عدد الأجهزة الأمنية السورية والتي يصل عددها كما يقولون بضع وثلاثون جهازاً، فالسلطة تمتلك أعداداً كبيرة أيضاً من الأجهزة الأمنية (المخابرات العامة، والأمن الوقائي، والاستخبارات العسكرية، وأمن الرئاسة، والأمن الوطني، وقوات حفظ النظام والتدخل السريع، والشرطة السياحية، والشرطة البحرية، والشرطة العسكرية، الخ.)

وإن كان السوريون يعتبرون مشاركة المخابرات الجوية في قمع المتظاهرين من العجائب، فيبدو أنهم لم يسمعوا بمشاركة الشرطة البحرية بقمع مظاهرات طلابية في جامعة النجاح بمدينة نابلس عام 1997م (مدينة نابلس الجبلية تبعد عن البحر مسافة ستين كيلومتر تقريباً). ومثلما الحال في سوريا من حيث ارتباط العمل والوظيفة بالانتماء إلى حزب البعث، فنجد نفس العلاقة بين حركة فتح والعمل في الضفة الغربية.

إلا أن التشابه الأكثر خطورة هو في مدى تدخل الأجهزة الأمنية بحياة الناس اليومية، وطريقة ملاحقتهم في معيشتهم وحياتهم وأفكارهم، فكما أن افتتاح دكان لبيع الفلافل في سوريا يحتاج لموافقة الأجهزة الأمنية، فنجد قائمة المهن والوظائف التي تحتاج لموافقة الأجهزة الأمنية في الضفة (أو ما يعرف بحسن السير والسلوك) تزداد يوماً بعد يوم، فوصلت إلى المهن الحرة مثل رخص قيادة المركبات العمومية، أو محلات تصريف العملة والتي تخضع لرقابة شديدة لكل فلس يخرج ويدخل إليها.

ومصادرة أملاك المعارضين السياسيين هي ممارسة أخرى تعلمتها الأجهزة الأمنية في الضفة من نظيرتها السورية، بل وتتوسع يوماً بعد يوم باستخدامها، حيث تجبر المعتقلين السياسيين على التنازل عن ما يملكونه من أموال خاصة، وذلك تحت شبهة أنه ربما استخدمت أو ستستخدم في دعم حماس أو أي من نشاطاتها المختلفة، وتستخدم كافة أساليب الترهيب والترغيب وأكثرها شيوعاً احتجاز الشخص لدى أحد الأجهزة وعدم الإفراج عنه حتى يتنازل عن آخر مليم من ما يملكه.

أتذكرون طل الملوحي الفتاة السورية التي سجنها النظام لمدة خمس سنوات وهي لم تتجاوز الـ19 عاماً بسبب كتاباتها على الانترنت؟ ووجهت لها تهمة الاتصال مع جهات خارجية (يبدو أن الانترنت للنظام السوري يعني جهات خارجية). حسناً يوجد اليوم لها نظير فلسطيني، الفتى عبد العزيز مرعي (17 عاماً) والذي اعتقلته المخابرات العامة وسيقدم للمحاكمة الشهر القادم بتهم شتم وتحقير السلطة، بسبب كتابات له على صفحته بالفيسبوك ومشاركاته بمواقع إلكترونية مختلفة. لاحظوا نفس النسق: أشخاص في المرحلة الانتقالية بين المراهقة والشباب يقدمون للمحاكمة بسبب كتابات لهم على الانترنت.

مجدولين حسونة صحفية من بيت أمرين نابلس، يلاحقها جهاز الأمن الوقائي منذ أكثر من أسبوع، وقدم لها استدعاء للحضور إلى مقره حيث رفضت الحضور، فقام باعتقال شقيقيها لعدة أيام كوسيلة ضغط عليها (وسابقاً اعتقل زوج الكاتبة لمى خاطر للضغط عليها)؛ مثل هذه الممارسات لا نراها إلا في الدول التي تحكمها عصابات مثل سوريا.

جريمة مجدولين أنها قامت بتصوير اعتصام لأهالي المعتقلين السياسيين في نابلس، وهو عمل طبيعي كونها صحفية وهذه مهنتها، لكن يبدو أن الأمن الوقائي اشتبه أنها حمساوية كونها قامت بالتغطية الإعلامية لهكذا حدث، مع أنها ليست مقربة من حماس ولا حتى محجبة (معلومات يجب تأكيدها في هذا المقام لأن كلمة حمساوي في الضفة الغربية كفيلة بتجريدك من إنسانيتك وتحويلك لمواطن من الدرجة العاشرة). لو أنها كانت تعيش في سوريا لخرجت علينا الفضائية السورية بصور لنقاب وجدته الأجهزة الأمنية في بيتها، كانت تلبسه بصورة سرية كونها سلفية مندسة تعمل بغطاء صحفي.

في سوريا يعتبر تغطية جرائم النظام عملاً مشبوهاً لا يقوم به إلا المندسون أصحاب الأجندات، فقام أنصار النظام بمهاجمة منزل المذيعة بقناة الجزيرة رولا إبراهيم، وفي الضفة فتغطية جرائم السلطة عمل مشبوه لا يقوم به إلا الإنقلابيون الظلاميون.

وأخيراً بينما يمارس النظام السوري جرائمه على الأرض بنفس الوقت الذي يعلن فيه عن إصلاحات ومبادرات، يتقمص تلامذته "سلطة محمود عباس" الدور بإتقان، ففي نفس اليوم الذي اتفقت عليه فتح وحماس على إفراغ سجون الضفة وغزة من المعتقلين السياسيين شن جهاز الأمن الوقائي حملة اعتقالات في الخليل ومناطق مختلفة من الضفة.

لكن يبدو أن محمود عباس يصر على العيش في عالمٍ آخر، فهو لا يرى سلطته وهي تزداد قرباً بتصرفاتها من تصرفات النظام السوري، وهو لم يتعلم بكل تأكيد من أخطاء غيره ويصر على أن الكيان الصهيوني يمثل ضمانة له ولسلطته وبالتالي لا يضيره لو استمر وصعد من ممارساته بالضفة الغربية.

في سوريا يسمون الذراع الهمجية للنظام بالشبيحة وفي فلسطين يسموهم بالزعران، والمسميات فقط تختلف أما الجوهر فهو نفسه، والمصير سيكون نفسه بإذن الله، الفروقات بين تونس ومصر وسوريا وليبيا وفلسطين فقط في التفاصيل، أما الجوهر فهو واحد.

الجمعة، 5 أغسطس، 2011

ما هو موقف حماس من استحقاق أيلول؟

بقي حوالي شهر لما يسمى استحقاق أيلول، حيث ينوي محمود عباس التوجه إلى الأمم المتحدة من أجل الإعلان عن الدولة الفلسطينية والحصول على الاعتراف الدولي بها ضمن حدود الرابع من حزيران، والحدث ظاهريا هو حدث مهم وخطير، وربما (وأؤكد على ربما) تكون له تداعيات وتطورات على أرض الواقع، ولذا نرى تجند أمريكا والكيان الصهيوني من أجل اجهاض الخطوة، وذلك بالرغم من أن للكيان سوابق كثيرة بتجاهل قرارات الأمم المتحدة.

عند هذه المحطة يفترض أن يكون لحركة حماس موقفٌ واضحٌ ومحددّ من الاستحقاق، ومن الدولة الفلسطينية التي قد يتم الاعلان عنها، فهل ستعترف بها الحركة؟ وهل ستقبل بالالتزامات الجديدة التي سيأتي بها محمود عباس؟ وكيف ستتعامل مع كافة الاحتمالات الممكنة؟ سواء كان الحديث عن الوصول إلى الدولة أو اندلاع مواجهات وانتفاضة شعبية في الضفة الغربية أو صفقة من تحت الطاولة بين السلطة والكيان الصهيوني.

لحد الآن كل ما سمعناه من مسؤولي وقيادي حركة حماس هو التشكيك بجدوى خطوة الذهاب إلى الأمم المتحدة (وبدرجات متفاوتة) والكل تقريباً مجمع على أنها مناورة فاشلة من محمود عباس في وجه الكيان الصهيوني، وهي نتيجة قد يتفق معها الكثيرون، لكنها لا تكفي فقيادات حركة حماس ليسوا محللين سياسيين لنكتفي برأيهم إن كانت الخطوة ستنجح أو لا.

قيادات حماس يفترض أنهم يمثلون حركة حازت على أغلبية الأصوات في انتخابات عام 2006م، وهي قطب أساسي على الساحة الفلسطينية في الضفة والقطاع والخارج، وقرارها سيكون له انعكاس على الأرض، وهذا يقتضي بالتالي أن يكون لها موقف واضح ومحدد.

في المواجهة بين السلطة من جهة، والكيان الصهيوني وأمريكا من جهة أخرى، لا يقبل من حماس أن تترك السلطة لوحدها (بالرغم من التحفظات والمآخذ الأخرى)، عندما تكون هنالك مواجهة بين فلسطيني وصهيوني يجب أن نقف بجانب الفلسطيني، مثلما وقفت حماس بجانب عرفات عندما حاصره الصهاينة، بالرغم من كل تاريخه وكل مآخذها عليه. فهل حماس تدعم موقف السلطة في مواجهة المحتل الصهيوني؟ ماذا سيفهم العالم من حماس عندما تكرر السخرية من ذهاب السلطة إلى الأمم المتحدة في لحظة يفعل الصهاينة كل جهدهم لإجهاض الخطوة؟

هل حماس تؤيد قيام دولة فلسطينية والإعلان عنها؟ من المفترض أن مشكلة حماس هو مع الثمن المدفوع وليس مع تحصيل أي من حقوق الشعب الفلسطيني، وهذه يجب أن تعلنها حماس وبشكل واضح وجلي، أما أن تصدر إشارات غير واضحة قد تفهم أنها ضد إعلان الدولة الفلسطينية ستوقع الحركة بمشاكل مستقبلية، سواء إن كان فيما يتعلق بتعامل حماس مع الدولة مستقبلاً (وتكرار نفس خطأ تعاملها مع السلطة الفلسطينية)، أو تكرار ما حصل مع تقرير غولدستون عندما شكك بعض قادة الحركة بجدوى التحقيق في بدايته، ثم ثارت ثائرة حماس عندما أجلت السلطة التصويت عليه في مجلس حقوق الإنسان.

عندما توجهت السلطة إلى مفاوضات كامب ديفيد عام 2000م كان هنالك توجه لدى حماس لاتخاذ موقف من الدولة الفلسطينية يقوم على الاعتراف بها ضمن شروط، وهي: أن تكون دولة ذات سيادة حقيقية، وأن تكون على كامل الأراضي المحتلة عام 1967م، وأن لا يعني ذلك التخلي عن باقي حقوق الشعب الفلسطيني.

ومثل ذلك ألا يمكن أن يكون للحركة موقفاً مماثلاً من استحقاق أيلول؟ سنعترف بالدولة بشرط أن تكون دولة ذات سيادة حقيقية وبدون التخلي عن حقوق الشعب الفلسطيني وأولها حق عودة اللاجئين. هذا موقف واضح وجلي ويأخذ بالحسبان أغلب الاحتمالات.

فلو وافقت الأمم المتحدة على الدولة وأصبحت واقعاً (وهو أمر مستبعد للغاية) فيمكن لحماس أن تشارك بها وفق برنامج تحرير ما تبقى من فلسطين، ولو تمت تسوية تحت الطاولة لتأجيل القرار بين السلطة والكيان فيمكن لحماس وبكل قوة أن تعترض وستعتبر خيانة من السلطة لمن مد لها يد العون في مواجهة الصهاينة، ولو كانت دولة كرتونية هزيلة فسترفضها حماس لأنها لا تفي بالشروط التي وضعتها.

وموقف الحركة لا يجب أن يبقى عند نقطة ردة الفعل، بل يجب الانتقال للمبادرة وخصوصاً في ظل ترجيح فشل مساعي السلطة؛ سواء كان من خلال صفقة تحت الطاولة أو تفريغ القرار من مضمونه أو العراقيل التي سيضعها الصهاينة والأمريكان، أو بكل بساطة رفض الكيان الصهيوني لتنفيذ القرار.

كل هذه احتمالات لها معاني وتداعيات هامة، يجب أن تستغلها حماس وأن لا تترك الفرصة لتعود بعدها سلطة محمود عباس إلى المفاوضات العبثية مع الكيان الصهيوني. فعند فشل مسعى إعلان الدولة (مهما كان شكل هذا الفشل)، فهذا يعني فشل خيار التسوية، وانتهاء الفرصة التي منحت لمحمود عباس، وتعني أيضاً الوقت لاستحقاق آخر وعد به محمود عباس وهو الثورة الشعبية السلمية (مع التشكيك بجدية طرحه هذا).

هل أعدت حماس العدة لما بعد فشل استحقاق أيلول؟ ألا يعتبر الفشل فرصة لإشعال المقاومة الشعبية في الضفة الغربية؟ هل ستقود حماس هذه المقاومة؟ هل ستشارك فتح في المسيرات والمواجهات أن قررت الأخيرة التصعيد؟ هل ستنهي حماس تفويضها لمحمود عباس بالتفاوض باسم الشعب الفلسطيني؟ كلها أسئلة يجب أن تكون واضحة من اليوم.