الأحد، 30 أكتوبر، 2011

في ظلال الصفقة: عندما تتفق مواقف الاحتلال وإدارة جامعة النجاح


عندما انتقدت حماس الطريقة التي ذهب بها عباس إلى الأمم المتحدة لتقديم طلب عضوية فلسطين في المنظمة الدولية، ثارت ثائرة السلطة وإعلامها ورددت مقولة أنه ما دام الكيان الصهيوني يعارض استحقاق أيلول فأي معارضة لها هو تماهي مع الاحتلال، بالرغم من أن اعتراض حماس كان على انخفاض سقف عباس بينما الصهاينة على النقيض تماماً لا يريدون دولة فلسطينية إطلاقاً ويريدون فقط المزيد من الوقت لكي يرسخوا الاسيتطان ويهودوا القدس.


إلا أننا افتقدنا هذه الحمية الزائفة عندما أقدمت إدارة جامعة النجاح الأسبوع الماضي بتقديم أربعة طلاب من الجامعة إلى لجنة تأديبية (ويوجد خمسة آخرون مهددون بالتحويل إليها) والتهمة هي توزيع بيانات للكتلة الإسلامية تهنيء الشعب الفلسطيني بمناسبة نجاح صفقة التبادل، فهل كانت إدارة النجاح غاضبة لأنها كانت تأمل بشمول عدد أكبر في الصفقة ووجدت التهنئة "استفزازاً لمشاعر الملايين من أبناء الشعب الفلسطيني الغاضبين من الصفقة الهزيلة؟ أم أنها عملت بتوجيهات من الأجهزة الأمنية التي أصبحت الآمر الناهي داخل الجامعة منذ أن أصبح رامي الحمد الله رئيساً لها؟


يتماهى موقف إدارة الجامعة مع موقف سلطات الاحتلال والتي حولت أيضاً إلى المحاكمة عدداً من الفلسطينيين داخل فلسطين المحتلة عام 1948م لأنهم رفعوا شعارات تطالب بخطف المزيد من الجنود أثناء مظاهرة تضامنية مع الأسرى أمام سجن هشارون، الاحتلال يحاكم الفلسطيني عندما يطالب باختطاف الجنود لتحرير الأسرى، وإدارة النجاح تحاكم الطلاب عندما يهنئون شعبهم بالإفراج عن الأسرى!


أم أن إدارة جامعة النجاح تعتبر الكتلة الإسلامية تنظيماً محظوراً لا يجوز له العمل داخل أسوار الجامعة؟ الكتلة لم تنظم اعتصاماً ولم تعلق الدوام ولم تحرق إطارات السيارات كل ما فعلته هو توزيع بيانات، يعني مجرد كلمات ومن يعترض عليها يعني يعترض على كلماتها، كيف تفسر إدارة جامعة النجاح تصرفها؟


لو عدنا لعام 1997م عندما اقتحمت الأجهزة الأمنية جامعة النجاح واعتدت بالضرب على الطلاب، انتفضت كل جامعات الضفة وزحف الطلبة من كافة الإتجاهات بما فيها حركة فتح نحو المقاطعة وأجبروا ياسر عرفات على الخروج إليهم ومخاطبتهم، أما اليوم فإدارة جامعة النجاح لا تكتفي بالتستر على تجاوزات الأجهزة الأمنية وإطلاق منتسبيها النار على الطلاب واعتقالهم وقتلهم داخل الحرم الجامعي، بل تنافس هذه الأجهزة في القمع سواء عندما فصلت عبد الستار قاسم أو عندما تقدم الطلبة لمجالس تأديبية بسبب بيان يفترض أنه يمثل قضية إجماع فلسطيني!!


أكثر إدارات الجامعات الفلسطينية بما فيه جامعة الأزهر في غزة مرتبطة بسلطة رام الله وحركة فتح، وتخدم مصالحها بطريقة أو بأخرى، لكن ضمن حدود لا تتجاوزها، ولم تصل بأي حال من الأحوال لأن تعتبر الكتلة الإسلامية إطاراً غير مشروع يعاقب منتسبوها، ولم تصل بأي حال من الأحوال أن تستنفر بسبب بيان يشيد بصفقة تبادل الأسرى، لقد تجاوزت إدارة النجاح كل الخطوط الحمراء حتى في ظل الأعراف المعمول بها في الضفة بعد عام 2007م.


تعيش الضفة الغربية هذه الأيام أجواء جماهيرية قوية أعادت الثقة لأبناء الحركة الإسلامية، وكما يحرص الاحتلال على التقليل من ضرر الصفقة تصر جامعة النجاح على مساعدته بذلك، ورسالتنا لأبناء النجاح ولأبناء الكتل الإسلامية في كل جامعات الضفة مثلما ترفضون الخضوع للمحتل وتواجهون قمعه بمزيد من الالتزام وبمزيد من الإصرار فردكم على إدارة النجاح وسلطة محمود عباس يجب أن تكون المزيد من الإصرار والتحدي، فلا يعقل أن تتحدوا الاحتلال وأن تخافوا من هو أدنى من الاحتلال.


الجمعة، 28 أكتوبر، 2011

توضيحات ضرورية بالنسبة لانتخابات تونس وقائمة العريضة

أثار إلغاء نتيجة العريضة الشعبية في بعض الدوائر الانتخابية التونسية موجة من الجدل، استغلها أنصار الثورة المضادة محاولين تشويه الثورات العربية وبث البلبلة وخلط الأوراق، ومع أن أهل تونس هم أدرى منا بالعريضة الشعبية ورئيسها الهاشمي الحامدي وليسوا بحاجة لمن يوضح لهم، إلا أن الانتخابات التونسية تهم كل العرب خاصة وأنها خطوة أخرى على طريق الانتصار النهائي للثورة التونسية ونافذة أمل لكل العرب، وبالتالي كان من الضروري توضيح ملابسات ما حصل.


قائمة العريضة الشعبية يقودها مليونير يعيش في لندن يدعى الهاشمي الحامدي وهو عضو سابق بالنهضة، وقائمته الحزبية حققت مفاجأة انتخابية بتقدمها ومنافستها على المركز الثالث بعد أن كانت قائمة مجهولة وغير معروفة. وفازت بحوالي نصف مقاعد سيدي بوزيد المنطقة التي شهدت شرارة الثورة التونسية.


وبعد إلغاء النتائج للعريضة في عدد من الدوائر خرجت مظاهرات في سيدي بوزيد وأحرقت مقرات انتخابية لحركة النهضة، وفي ظل هذه المعطيات المجتزأة استغل مؤيدو الثورة المضادة ومندوبو المخابرات العربية؛ لبث التشويش وتشويه صورة الثورات العربية كلها وليس فقط الثورة التونسية.


فبدأؤوا يركزون على "الإقصاء" وزعموا أنه تم إقصاء القائمة حسداً وحقداً لأنها حققت نجاحاً غير متوقع، وزعموا أن أهل الثورة (أي سيدي بوزيد) أختاروا العريضة وأنها خيار الثورة، وأن حركة النهضة بدأت تمارس الإقصاء، وهنا لا بد من الرد على كل هذه المزاعم والمغالطات.


أولاً: الهاشمي الحامدي كان عضواً بالنهضة لكنه خرج منها بعد أن أغراه زين العابدين بن علي وأصبح من المقربين له، وهنالك مقاطع فيديو له بآخر الموضوع وهو يمدح بن علي بطريقة مقززة في برنامج الاتجاه المعاكس ويطلب من التونسيين أن يعطوه فرصة وأن يربوا أطفالهم كما تربيهم ليلى الطرابلسي (زوجة الرئيس المخلوع).


ثانياً: العريضة لم يكن لها أي أمل بدخول الحكومة حتى لو تلغى أي من نتائجها، فهي حصلت على 27 مقعداً من بين 217 مقعد، ألغي منها 8 مقاعد وبقي لها 19 مقعد. في حين أن النهضة حصلت على 90 مقعد وفي المرتبة الثانية جاء المؤتمر مع 30 مقعد وبعدهم التكتل مع 21 مقعد. (والمؤتمر والتكتل يتوقع أن يتحالفا مع النهضة والثلاثة لديهم 141 مقعد أي أكثر من النصف بكثير ولا حاجة لهم بمقاعد العريضة).


ثالثاً: سبب اكتساح العريضة لمقاعد سيدي بوزيد هو أن الهاشمي الحامدي ينحدر من هذه المحافظة، فقد تم انتخاب قائمته لدواعي جهوية وليس لدواعي فكرية أو برامجية، والمظاهرات التي خرجت كانت بدافع جهوي أيضاً وما حشد الناس هو نعرات جهوية تتعلق بثنائية الساحل والداخل التونسي وما يقال عن تهميش مناطق الداخل بما فيه سيدي بوزيد. والعصبية والنعرات الجهوية على الرغم من انتشارها الواسع في العالم العربي إلا أن معالجتها ومحاصرتها سهل ولا يشكل تحدياً (إلا أن صاحبتها نعرات وعصبيات طائفية أو عرقية وهو غير موجود بحالة سيدي بوزيد).


رابعاً: من ألغى النتيجة هو لجنة الانتخابات العليا ولا علاقة لها بحركة النهضة أو أي من حلفائها، وسبب الإلغاء هو ترشح قيادات سابقة في الحزب الدستوري (حزب بن علي) ومخالفات انتخابية أخرى، وذلك حسب القانون المعمول به. بل أكثر من ذلك اخترقت قائمة العريضة القانون عندما استخدم الهاشمي فضائيته "المستقلة" للدعاية والترويج لقائمته في مخالفة للقانون الذي يمنع استخدام الفضائيات في الدعاية الانتخابية.


في النهاية قد يجادل البعض بأن الثورة لا يجب أن تقصي أحد حتى لو كان من فلول نظام بن علي، وخاصة أن "قائمة الفلول" حصلت على نتيجة متواضعة وغير مميزة، وهذه وجهة نظر تحترم سواء اختلفنا معها أو قبلناها، لكن ما لا نقبله هو تزوير الحقائق وتشويهها.


مرفق مقطعي فيديو للهاشمي الحامدي وهو يكيل المدح لبن علي.


الهاشمي الحامدي يطلب من الغنوشي والنهضة والشعب التونسي إعطاء بن علي فرصة:



 الهاشمي يدعو التونسيات للاقتداء بليلى الطرابلسي:




الثلاثاء، 25 أكتوبر، 2011

لماذا لا نستفيد من التجربة التركية؟

تدور في أوساط النخب العربية نقاشات مطولة حول التجربة التركية بين من يقول أنها تصلح للتطبيق في الدول العربية ومن يقول أن هنالك خصوصية للوضع التركي لا تجعلها صالحة لدولنا العربية، والكلام طبعاً هو عن علاقة مشروع أردوغان بالدولة العلمانية، لكن لا أحد يناقش الجانب الأكثر أهمية في المشروع التركي ألا وهو الجانب الاقتصادي.

في كل المقابلات والمناسبات يؤكد أردوغان على أن أهم أسباب نجاح مشروعه هو مكافحة الفساد الاقتصادي كشرط ضروري لتطوير الاقتصاد والرقي بمستوى الناس المعيشي، وأن مكافحة هدر المال العام وفر على الخزينة التركية أموالاً طائلة استخدمت في التنمية، وهو ما رأينا نتائجه تنعكس على الاقتصاد التركي وعلى ازدياد النفوذ السياسي والحضاري التركي في المنطقة وازدياد قوتها وحضورها في مواجهة المشروع الصهيوني.

وبدلاً من الانشغال بدراسة هذا الجانب البسيط والواضح والمهم بنفس الوقت من التجربة التركية، دخلنا في جدل عميق حول علاقة التيار الإسلامي بالدولة والعلمانية والديموقراطية وكيف يمكن التوفيق بين الحريات والمشروع الإسلامي، وكلام طويل عن التسامح واستيعاب وقبول الآخر ودور الدين في الدولة.

أحياناً الحل يكمن في أبسط الأشياء وأوضحها، وبدلاً من الجدل حول القيم العليا والعقائد يكون الحل أمامنا في الحياة اليومية وفي تفاصيل صغيرة قد تبدو غير مهمة للكثيرين، لذا نتساءل لماذا لا ندرس التجربة التركية في التنمية الاقتصادية؟ لما لا ندرس التجربة التركية في مكافحة الفساد؟

الإشكالية التي يقع فيها الكثيرون أنهم يعتبرون أن محاربة الفساد والتنمية الاقتصادية هي من المسلمات وبالتالي لا داعي لنقاشها، وكأنها ستتحقق بشكل تلقائي لو وصلت هذه الجهة أو تلك إلى الحكم والقيادة، ودوماً كان الاصطدام بجدار الواقع المرير أن الفساد مستشر في أركان الدولة بحيث لا يمكن إزالته بقرار رئاسي أو برلماني، وبينما الكل يلعن الفساد والكل يعلن التزامه بتوفير سبل الحياة الاقتصادية الكريمة للمواطن نجد عجزاً مزمناً بالوفاء بهذه الالتزامات.

المشكلة تكمن في التبسيط المخل لمسألة محاربة الفساد، والاعتقاد الخاطئ أنه أمر ممكن فقط من خلال النوايا الحسنة، صحيح أن النية ضرورية لكنها لا تكفي، يجب أن تكون هنالك آليات للمحاسبة والمراقبة ويجب أن تكون هنالك ثقافة عامة صحيحة وسليمة تساعد على محاصرة الفساد المالي.

والفساد لا يقتصر على أشكاله الفجة والمباشرة مثل الرشاوي والاختلاسات والسرقة والمحسوبية والواسطة، بل يأتي بأشكال غير مباشرة لكنها خبيثة وأكثر خطراً، مثل ما يسمى بفحص السلامة الأمنية (أو حسن السيرة والسلوك) الذي تستخدمه الأنظمة العربية لجعل الوظيفة العمومية تحت رحمة الأجهزة الأمنية وحكراً على أعضاء الحزب الحاكم، ومثل الطريقة التي تتحكم بها الأنظمة العربية المعاصرة بتراخيص الصناعة والتجارة تحت مسميات مختلفة مثل مكافحة النفوذ الأجنبي أو التخطيط المركزي أو منع الاحتكار بينما النتيجة تكون معاكسة تماماً بحيث تحتكر مجموعة فاسدة (من داخل النظام الحاكم) كل الاقتصاد الوطني وتتعامل مع الدولة وكأنها مزرعة خاصة تملكها.

وكل هذا يجري تحت إطار ثقافي يشجع الفساد بكافة أشكاله، ففي ثقافتنا السياسية العربية نعتبر المال العام ملكاً شخصياً لرأس النظام فنتكلم عن "مكرمة" حكومية أو مكرمة ملكية أو مكرمة رئاسية، ونعتبر أن الحاكم مخول بالتصرف بالمال العام بدون محاسبة، ولذا فإن ظن الكثيرين بأن الثورات العربية ستأتي بالرخاء الاقتصادي بمجرد إتاحة حرية الرأي والاختيار الحر للقيادة السياسية لهو ظن خاطئ وقاصر.

للأسف لا يوجد نقاش جدي حول طرق الرقابة على المال العام وطرق مكافحة الفساد كخطوة على طريق تشجيع التنمية الاقتصادية، فهنالك علم كامل متكامل جعل من الغرب دولاً مزدهرة بالرغم من أن خلفيتهم الفكرية والثقافية تعتبر الفضيلة أمراً ثانوياً وغير مهم، لكن ومن خلال التجربة الذاتية توصل الغربيون إلى آليات وطرق للمحاسبة والرقابة ولجعل الدولة خادمة لشعبها وليس العكس.

ولعله من المفيد أيضاً في هذا المقام أن نستفيد من التجربة الأمريكية (وللأسف نقلد الأمريكان في كل شيء إلا ما يمكن أن يكون مفيداً لنا)، فالثورة الأمريكية كانت شرارتها الاعتراض على الضرائب التي كان يفرضها ملك بريطانية دون أن يرى الأمريكان أنهم يستفيدون منها، ورفعوا وقتها شعار "لا ضرائب بدون تمثيل"، أي أنه يجب أن يكون هنالك رقابة من نواب عن الشعب على كل دولار تنفقه الحكومة، فلا يكفي أن ننتخبك لتكون رئيساً بل يجب أن نراقب أداءك وأن نراقب أداءك المالي وأين ستصرف أموالنا.

ما توصل له الأمريكان وغيرهم من خلال تجربتهم الذاتية هو من جوهر شريعتنا الإسلامية إلا أننا لم نترجمه على الأرض، واكتفينا بالمطالبة بتطبيق الحدود وبعض المظاهر والقشور التي تؤكد على إسلامية المجتمع، فقد حرم العلماء في القرون الوسطى الجمارك والمكوس لأنها أكل لمال الناس بالباطل، فما يملكه المسلم لا يجوز أن يأخذه الحاكم لجيبه الخاص، واشترطوا لأخذ مال الناس أن ينفق في مصلحة الناس أنفسهم وأن لا يكون للدولة موارد أخرى.

تركيا كانت دولة غارقة في الفساد وتنتشر فيها المفاهيم الخاطئة حول الشأن العام والمال العام، فكان من الطبيعي أن تكون دولة متخلفة اقتصادية مثلها مثل الدول العربية اليوم، لكن منذ أن جاء أردوغان بدأ من الاقتصاد وبدأ من تحسين ظروف الناس المعيشية وحتى يحقق ذلك فكان عليه أن يقضي على بؤر الفساد وأن يقضي على الثقافة التي تعزز الفساد وتديمه.

فاستطاع أن يحقق قفزات ونمواً اقتصادياً كبيراً، واستطاع أن يحاصر العلمانيين ويقضي على الكثير من معاقلهم ويقلص من القيود والأغلال التي فرضوها منذ أيام أتاتورك، واستطاع أن يطبق جزءاً من الشريعة الإسلامية (أليست محاربة الفساد والسرقة من الشريعة؟).

وكان من نتيجة ازدهار الاقتصاد التركي أن أصبحت قوة سياسية، فما دام جميع العالم يمتلك علاقات اقتصادية معها وما دامت الحكومة تتمتع بدعم شعبي واسع وما دامت دولة غنية (نسبياً) فبإمكانها أن تخوض مواجهة مع الكيان الصهيوني دون أن تخشى أي تبعات أو عقوبات.

أما نحن فدوماً نبحث عن الحل من أعلى نريد دولة قوية عسكرياً ونريد أن نبحث عقيدة الدولة وشكل الحاكم وشكل القوانين وأن نزاحم الدول الكبرى لكن نفشل دوماً، والسؤال لماذا لا نبدأ من حيث بدأ أردوغان والأتراك؟ لنبدأ من الاقتصاد، لنبدأ من مكافحة الفساد، لنرسل من يدرس التجربة التركية في التنمية الاقتصادية ونستفيد منها، لننشر ثقافة سليمة ولنرسخ في أذهان الناس أن الدولة ليست ملكاً لأفراد ولا لأحزاب بل ملك للجميع، وأن ما يجمع من ضرائب أو عوائد البترول هو ملك للجميع وليست مالاً سائباً يمكن الاعتداء عليه بطرق وأشكال مختلفة.


السبت، 22 أكتوبر، 2011

رداً على شبيحة الأسد: توضيحات بخصوص ملابسات الإفراج عن وئام عماشة



أثناء بحثي عن معلومات تتعلق بالأسير المحرر وئام عماشة من الجولان السوري المحتل، والذي أفرج عنه في صفقة التبادل مع الاحتلال الصهيوني (صفقة الوفاء للأحرار) وجدت مقالاً بعنوان "بين سمير قنطار ووئام عماشة ما بين الحر والمأجور"، وللوهلة الأولى ظننت المقصود بالمأجور هو سمير القنطار قبل أن أنتبه أن الموقع هو لشبيحة الأسد الإعلاميين.

سبب حقدهم على الأسير المحرر وئام عماشة أنه أيد الثورة السورية بعد خروجه من السجن، وأضرب عن الطعام وهو في السجن بشهر أيار الماضي تضامناً مع الثورة، وكعادة البعض فجروا بخصومتهم له، ليشككوا بوطنيته ويتساءلوا "لماذا أطلق الاحتلال سراحه من دون كل أسرى الجولان الآخرين". وكأن باقي الأسرى سيؤيدون نظام آل الأسد!!

والرد بكل بساطة أن الذي أختار اسم وئام وباقي الأسرى في الدفعة الأولى لصفقة التبادل هي حركة حماس، والاحتلال لا علاقة له بالقوائم أو وضع الأسماء، الاحتلال اعترض على بعض أسماء القادة الفلسطينيين وعطل إطلاق سراحهم، وبعد مفاوضات طويلة تمكنت حماس من تقليل عدد الذين لن تشملهم الصفقة. لكن بالنسبة لأسرى الجولان فلم يكن سوى اسم واحد طرحته حماس وهو اسم وئام عماشة.


أما لماذا اختارت حماس اسمه دون أسرى الجولان، فمن الضروري التوضيح بأن حماس ليس كالنظام السوري الغارق في الفساد، فتأكدوا أن أهله لم يدفعوا رشاوى لقادة حماس لكي يدرج اسمه في الصفقة، وتأكدوا أنه لم يسجد لصورة خالد مشعل كما يفعل سفهاء الأسد، وتأكدوا أنه لم يكن يهتف "الله، حماس، ومشعل وبس".


معايير حماس لاختيار الصفقة كانت اختيار الأحكام العالية ومن بقي فترة طويلة للإفراج عنهم، والأسير عماشة كان محكوماً بالسجن لمدة عشرين عاماً، وبقي له 14 عاماً، بينما باقي المعتقلين من الجولان المحتل أحكامهم إما أقل منه أو بقي فترة بسيطة للإفراج عنهم مثلما هو الحال مع الأسير صدقي المقت والمحكوم 27 عاماً فمحكوميته تنتهي العام القادم (وربما يفرج عنه في الدفعة الثانية من الصفقة).


فإذا كان شبيحة الأٍسد ممن يبيعون ويشترون الولاءات فليس كل الناس مثلهم، وأنصحهم بدلاً من المتاجرة بالوطنية ووصف الأسير المحرر بأنه يقف في صف الأمبريالية والصهيونية ضد النظام أن يشغلوا عقولهم وأن لا يستمروا بالدفاع الأعمى عن الأسرة الملكية الأسدية.


آل الأسد أصبحوا عبئاً على المقاومة، وإن كان لهم في يوم من الأيام دور في دعم المقاومة فمشكورين وهذا واجبهم، أما اليوم فقد أصبحوا عبئاً على المقاومة ومن المعيب محاولة تجيير المقاومة من أجل خدمة مصالح شخصية ومنافع لعائلة فاسدة حتى النخاع.


ويا ليتهم ما استدلوا بالقنطار لأنه عندما كان في سجون الاحتلال كان مقرباً ومتحالفاً مع منظمة التحرير (حركة فتح والأصفار التي تدور في فلكها) ويوفر الغطاء الأخلاقي لتجاوزات السلطة وتبعيتها للاحتلال الصهيوني، أم أن الولاء والبراء في ميزانكم مرتبط بالولاء لآل الأسد؟ من كان بيته من زجاج لا يرمي الآخرين بالحجارة.


الجمعة، 21 أكتوبر، 2011

في ظلال صفقة التبادل: القائد القسامي سعيد بدارنة من حبل المشنقة إلى أجنحة الحرية



القائد القسامي سعيد بدارنة من يعبد القسام (البلدة التي كانت أحراجها مسرحاً للوقفة البطولية الأخيرة للشهيد عز الدين القسام في مواجهة الجيش البريطاني قبل 76عاماً) ودرس القائد بدارنة (مواليد عام 1972م) في مدرسة عز الدين القسام في البلدة، وبدأ بالعمل الوطني مبكراً حيث انضم وهو في الرابعة عشر من عمره إلى الجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين.


إلا أنه ومع اندلاع الانتفاضة الأولى عام 1987م حدث عنده انقلاب فكري فانتقل من الفكر الماركسي إلى الفكر الإسلامي وكان من المؤسسين الأوائل لحماس في بلدته يعبد، وبدأ عمله الجهادي بتشكيل مجموعات "للسواعد الرامية" وهي الذراع الشعبي لحركة حماس في الانتفاضة الأولى والمكلف بمواجهة الاحتلال بالحجارة والزجاجات الحارقة والمواجهات الشعبية.


وبعدها انتقل إلى تصنيع العبوات الناسفة وتفجيرها في الدوريات الصهيونية، ونفذ عدة عمليات ضد قوات الاحتلال والمستوطنين في شمال الضفة الغربية، إلا أن النقلة النوعية في عمله الجهادي أتت في وقت لاحق.


لفترة طويلة كان المقاومون داخل فلسطين يستخدمون الأسمدة الزراعية والكبريت لتصنيع عبوات ناسفة، إلا أن فاعليتها كانت عادة ضعيفة والخسائر التي تلحقها بجيش الاحتلال بسيطة، إلى أن جاء المهندس يحيى عياش في بداية التسعينات وبدأ يعمل على تطوير المتفجرات باستخدام المواد الكيماوية المتوفرة بشكل تجاري في السوق، وكانت أولى محاولاته تفجير سيارة مفخخة في مستوطنة رمات إفعال شمالي القدس المحتلة عام 1992م.


إلا أن القفزة النوعية كانت بالسيارة المفخخة التي فجرها الاستشهادي رائد زكارنة وسط مدينة العفولة ليقتل 7 من الصهاينة ويصيب العشرات، انتقاماً لمجزرة المسجد الإبراهيمي (عام 1994م) وبعد مرور أقل من أسبوع أرسل القائد سعيد بدارنة الاستشهادي عمار عمارنة إلى محطة الحافلات مدينة الخضيرة بعد أن قام بتركيب الحزام الناسف على جسده، كما زوده بحقيبة تحتوي على عبوة متفجرة لتنفجر بشكل منفصل بحيث تكون عملية مزدوجة (الحزام الناسف + الحقيبة).


قتل في عملية الخضيرة 5 صهاينة وأصيب العشرات، وأصيب الصهاينة بالجنون فقد بدأ عهد الاستشهاديين وبدأ عهد الضربات الموجعة، لكن بدارنة لم يبق في ساحات الوغى بعدها طويلاً وسرعان ما اعتقله الاحتلال، وقدمه للمحاكمة العسكرية حيث صدر بحقه حكماً بالإعدام وهو قرار غير مألوف، فالصهاينة لم تصدر محاكمهم أي حكم بالإعدام سوى مرة واحدة بحق المسؤول النازي أدولف آيخمان والذي خطفوه من الأرجنتين في الستينات بتهمة المشاركة بإبادة اليهود، فكان أول وآخر شخص يعدمه الصهاينة بقرار من المحكمة، ولنضع خطين تحت كلمة محكمة لأن الصهاينة أعدموا العشرات والمئات خارج إطار المحاكم سواء من خلال سياسة الاغتيالات أو التعذيب والضرب حتى الموت بعد الاعتقال.


إلا أن القائد بدارنة رفض أن يقدم استئنافاً على الحكم وقرر تحدي الاحتلال وقبول الشهادة على أعواد المشانق، فما كان من وزير الحرب الصهيوني آنذاك اسحق رابين إلا أن طلب بنفسه إعادة محاكمته ليصبح الحكم بالسجن المؤبد بالإضافة لـ15 عاماً، فقد خشي رابين أن يصبح بدارنة رمزاً للمقاومة وخوفاً من استفزاز مشاعر الشعب الفلسطيني وردات الفعل العنيفة المرتبطة بذلك.


ربما ظن رابين أن سعيد بدارنة سيبقى حتى مماته في السجن، وأنه سيموت قهراً وكمداً تحت سياط السجان كل يوم ولباقي سني حياته، ولربما لو كان حياً لندم أشد الندم على ما قام به، لكن المؤكد أن هنالك من نواب الكنيست من بدأ يعمل لسن قانون يجبر المحاكم العسكرية على تنفيذ عقوبة الإعدام بحق أبطال المقاومة، لكي لا يأتي يوم يرون فيه شمس الحرية كما حصل مع القائد سعيد بدارنة.


سعيد بدارنة كان من رواد العمل المقاوم المسلح، وانتقل من مرحلة المقاومة الشعبية إلى المقاومة المسلحة وحقق قفزة نوعية جنباً إلى جنب مع الشهيد يحيى عياش، سعيد بدارنة كان من الذين هندسوا تغيير معادلة الصراع مع الكيان الصهيوني، فاستشعر الصهاينة خطره ولذا أرادوا تعليقه على حبل المشنقة كما علقوا ايخمان من قبله، فقد رأوا فيه خطراً داهماً على كيانهم المسخ.


واليوم يحلق سعيد بدارنة بعيداً عن قضبان السجن، ويفرج عنه عزيزاً وإن كان أبعد عن يعبد القسام وعن المسجد الأقصى فإنه سيعود حتماً بإذن واحد أحد، كان للأسير المحرر محطات عديدة مع القسام، فقد ولد في يعبد القسام، ودرس بمدرسة عز الدين القسام، وانضم لكتائب القسام، وكان من الرواد الذين أدخلوا القسام إلى عصر العمليات الاستشهادية، وكان تحريره على يد القسام، فيا ترى ما هي المحطة القسامية الجديدة مع البطل سعيد بدارنة؟


الثلاثاء، 18 أكتوبر، 2011

الشعب الجزائري يتولى تمويل حراسة المستوطنين


لا تتفاجئوا من العنوان لأن هذا ما تكشفه لنا آخر فضيحة مالية أثارتها الصحافة الجزائرية وتتعلق بمليونين ونصف دولار جمعت كأموال الزكاة من الشعب الجزائري مقدمة لضحايا القصف الصهيوني على قطاع غزة، وقام الهلال الأحمر الجزائري بتسليمها إلى السفارة الفلسطينية بالجزائر منتصف العام الحالي، إلا أنها لم تصل إلى وجهتها.


وبعد التقصي تبين أن سلطة رام الله قامت بالاستيلاء على المبلغ، بدون توضيح كيف صرفت الأموال، وهو لم يكن التصرف الأول من نوعه، ففي عام 2006م وبعدما قرار القمة العربية بتقديم الدعم المالي للحكومة الفلسطينية (بقيادة إسماعيل هنية) من أجل مساعدتها على الخروج من الحصار المفروض أمريكياً وصهيونياً، قدمت الحكومة الجزائرية مبلغ 30 مليون دولار أودعتها في حساب الحكومة الفلسطينية عبر البنك العربي، إلا أن البنك قام باحتجاز المبلغ بتعليمات من رئيس السلطة محمود عباس، من أجل تسديد ديون سابقة على السلطة الفلسطينية.


وطوال الأعوام الماضية والسلطة تتلقى الدعم المالي من الدول العربية، هذا الدعم الذي تقرر لدعم صمود حكومة إسماعيل هنية في مواجهة الاحتلال، إلا أن الأموال تذهب إلى حكومة سلام فياض والتي ليست في مواجهة مع سلطات الاحتلال، وهي أموال تذهب إلى الخزينة العام للحكومة ولا يوجد أي رقابة على طريقة صرفها.


وبدلاً من أن تذهب الأموال لمساعدة ضحايا القصف في غزة أو تعزيز صمود الشعب الفلسطيني في الضفة والقطاع، فإنها تذهب لتمويل حكومة فياض، لتمويل تجنيد عشرات الآلاف في الأجهزة الأمنية مهمتهم محاربة المقاومة الفلسطينية ومنع تنفيذ العمليات ضد الاحتلال الصهيوني، وإعادة الكلبة "لولا" عندما تهرب من مالكيها المستوطنين إلى مخيم الجلزون، وإعادة المستوطنين الذين يضلون طريقهم ويدخلون المناطق الفلسطينية.


كما تذهب هذه الأموال رواتباً خيالية لمستشارين في حكومة فياض، وتذهب لحراسة المستوطنين الذين يدخلون مدينة نابلس بالتنسيق بين السلطة والاحتلال من أجل إقامة الصلوات اليهودية داخل مقام يوسف، المقام الذي سقط من أجل الحفاظ على إسلاميته عشرات الشهداء في بداية انتفاضة الأقصى.


ولا تكتفي السلطة بتحويل الأموال عن المصارف التي خصصت لها، بل أنها لا تتذكر أن هنالك دول عربية تتبرع وتدفع إلا عندما تكون في مأزق مالي، من أجل أن تلوم الدول العربية على التأخر بالوفاء بالتزاماتها المالية، وفي المقابل عندما تفاوض حماس في جلسات الحوار تريد فرض سلام فياض رئيساً للوزراء وتريد إبقاء التنسيق الأمني مع الاحتلال، لأن بقاء فياض وبقاء التنسيق الأمني مع الاحتلال (المصطلح الملطف للعمالة) هو شرط لاستمرار تدفق المساعدات على السلطة.


فهل حقاً هذا شرط الدول العربية؟ وهل هذا شرط الشعب الجزائري؟ وهل هذا شرط الشعوب العربية؟ أم أنها شروط أوروبا وأمريكا والرباعية الدولية؟ لماذا تمول الدول العربية أجهزة أمنية مهمتها توفير الحماية للمستوطنين؟ ألم يئن الأوان أن تتم محاسبة السلطة؟ ألم يئن الأوان لأن تفرض رقابة على طرق صرف الأموال؟


المساعدات الأمريكية والأوروبية لا تذهب مباشرة إلى خزينة السلطة، بل يشترط الأمريكان والأوروبيين وجود مشاريع ويقومون بالدفع مباشرة إلى الجهات المنفذة للمشاريع، وهم لا يثقون بالسلطة ولا يسلموها أي دولار لأنهم يعرفون أن الأموال لن تصل إلى الأماكن المخصصة.


وحتى في ظل أزمة الحكومة الفلسطينية عامي 2006م و2007م قبل الحسم العسكري وتشكيل حكومة فياض، وعندما قرر الاتحاد الأوروبي دفع رواتب العاملين في وزارتي التعليم والصحة (نظراً لتجميد حسابات السلطة)، فإنه رفض دفع المبلغ لخزينة السلطة وكان يودع الأموال مباشرة في حسابات العاملين.


إذا كانت الدول العربية تريد دعم ميزانية السلطة من أجل تعزيز صمود الشعب الفلسطيني فهذا أمر جميل، وإذا كانت لا تريد الدخول في مشاكل فتح وحماس وصراع الصلاحيات فهذا أمر مشروع ومنطقي، لكن من واجب الحكومات العربية أن تكون أمينة على أموال شعوبها وأن تعلم إلى أين تذهب هذه الأموال، ويمكن أن تشترط مثلاً أن تذهب الأموال رواتباً إلى العاملين في التربية أو العاملين في الأوقاف (كما تدفع الحكومة الأردنية رواتب موظفي الأوقاف في القدس) أو أن تذهب مساعدات مالية للمسجلين في الشؤون الاجتماعية، وأن يكون هنالك رقابة على الصرف وأن تدفع الأموال في المكان الصحيح.


أما أن تدفع الحكومات والشعوب العربية فاتورة حراسة أمن الاحتلال والمستوطنات، وأن يذهب الصيت والفضل إلى الأوروبيين والأمريكان، وأن يلام العرب على فشل حكومة فياض بإدارة الشأن المالي، فهذا وضع غير سليم وغير مقبول.

الاثنين، 17 أكتوبر، 2011

في ظلال صفقة التبادل: هل يتحقق للأسير أحمد النجار ما تمناه؟

كتب الأسير القسامي أحمد النجار قبل ثلاثة شهور رسالة إلى الرأي العام والمؤسسات الحقوقية قال فيها: "إن عجزتم عن إخراجي حيًا فلا تسمحوا بإبعادي ميتًا"، فهو مصاب بسرطان الحنجرة وفقد القدرة على الكلام بعد استئصال الورم، ويخضع لجلسات علاج لم تستطع شفائه بشكل تام كما رفضت سلطات سجون الاحتلال السماح له بتركيب جهاز يعينه على النطق.



لم يكن هم الأسير وقتها أن يستجدي علاجاً يمد في عمره، ولا أن يستعطف العالم عليه، بل كان همه الأول هو أن لا يدفن بعيداً عن فلسطين، فهو ولد بأمريكا ولم يكن يحمل الهوية الفلسطينية، ووفقاً لقوانين الاحتلال لا يمكن دفنه في فلسطين ويجب إبعاد جثته لتدفن في أي مكان لكن بعيداً عن فلسطين، لكنه رجل ولد من أجل فلسطين وعاش لأجل فلسطين ويريد أن يموت لأجل فلسطين.


كتب في رسالته: "وطني سكن قلبي منذ أن ولدت وأنا لم أولد فيه"، وأضاف "إن عجزتم عن إخراجي حيًا فلا تسمحوا بإبعادي ميتًا عن وطني، فإني قد وهبت جسدي حين يبلى ترابًا أعزز فيه تراب بلدي"، فتفكيره كان يدور حول كيف يساهم بالجهاد والمقاومة ضد الاحتلال بعد موته، وهو ليس مستغرباً من رجل وهب حياته لأجل فلسطين.


فأحمد النجار قدم إلى فلسطين زائراً مع أهله، ووفق قوانين الاحتلال لا يحق للفلسطيني أن يقيم على أرضه ما لم يحمل بطاقة الهوية التي يتحكم الاحتلال بإصدارها، مع ذلك بقي النجار بصورة مخالفة لقانون الاحتلال بعد انتهاء فترة التأشيرة، تشبثاً بأرض أهله وأجداد.


ولم يكتف بذلك بل انخرط منذ فترة مبكرة من حياته في كتائب القسام وشارك بالتخطيط لعمليات تهدف إلى تحرير الأسرى واعتقل المرة الأولى عام 1998م وحكم بالسجن أربع سنوات ونصف بسبب نشاطه العسكري، وبعد الإفراج عنه عام 2002م في ذروة انتفاضة الأقصى لم ينتظر إلا أياماً قليلة وتوجه هو وقريبه مازن النجار إلى رفاقهم في كتائب القسام وطلبا منهم استئناف نشاطهم المسلح، ورفضا أن ينتظرا لبضعة أسابيع كما حاولوا إقناعهم، ورفضا أي فترة نقاهة أو استراحة.


وبالفعل قاما بتشكيل خلية سلواد وترأسها أحمد النجار والتي كانت جزءاً من خلية أكبر كانت من أعقد خلايا القسام وأكثرها خطورة في الضفة الغربية، ونفذوا عدداً من العمليات المسلحة ضد المستوطنين وجنود الاحتلال في منطقة رام الله وعلى الطريق الاستيطاني رقم 60 والذي عرفه الصهاينة بطريق الموت بسبب العمليات التي كانت تنفذها خلية سلواد، لتبلغ عمليات الخلية ذروتها في عملية عين يبرود عام 2003 فقتلوا أفراد دورية راجلة واستولوا على سلاحهم.


اعتقل النجار وأفراد الخلية بعدها بقليل أثناء تخطيطهم لقتل واختطاف جنود صهاينة من أجل مبادلتهم بأسرى فلسطينيون، وحكم عليه بالسجن المؤبد 7 مرات لكن همته لم تفتر، كيف لا وقد عرف عنه الجدية وعدم حبه للهو أو المزاح، وكأن لسان حاله يقول كيف أضحك والأقصى أسير؟ كيف أضحك وفلسطين سليبة؟ نعم فحرية الأقصى أهم لديه من حرية جسده.


ولفرط حبه للجهاد والمقاومة لا نبالغ عندما نقول أن المنغص الوحيد عليه في السجن كان بعده عن ساحات الوغى، لذلك كان همه الأول والأخير وهو يكتب رسالته كيف يكون شوكة في حلق الصهاينة وهو ميت مثلما كان شوكة في حلقهم وهو حي.


لقد فهم هذا القسامي الشامخ جوهر الصراع مع الكيان الصهيوني، فصراعنا ليس صراع حدود ولا صراع من أجل أن يكون لدينا علم وعملة ونشيد وطني، بل هو صراع على هوية هذه الأرض: هل هي أرض إسلامية عربية، أم يهودية تنتمي للعالم الغربي؟


أراد أن يكون قبره في فلسطين تأكيداً على عروبة وإسلامية هذه الأرض في الوقت الذي يحرص الصهاينة على اقتلاع كل أثر إسلامي بهذه الأرض، مثلما يعملون بتفجريفهم لمقبرة مأمن الله بمدينة القدس والتي تحوي قبور الصحابة ومئات العلماء والقادة المسلمون منذ الفتح العمري وحتى حلول نكبة فلسطين عام 1948م.


ولما كان تفكير أحمد النجار الدائم وخبزه اليومي كيف يحارب هذا المحتل وكيف يحافظ على إسلامية وعروبة فلسطين، فقد وصل لنتيجة أن يدفن في هذه الأرض وأن يرابط بها ميتاً مثلما رابط وجاهد حياً.


لم يكن يأمل كثيراً بالإفراج عنه عندما كتب الرسالة، فصفقة شاليط كانت معلقة ومعطلة وقتها، وهو من الذين أثخنوا بالاحتلال الصهيوني ولم يمض على سجنه سوى 8 سنوات إلا قليلاً، فكانت رسالته هذه وكانت جملته هذه، لكن شاء الله أن يكون اسمه ضمن صفقة الوفاء للأحرار، وأن يتحقق شرطه الأول "أن تحرروني".


سيخرج أحمد من سجون الاحتلال إلى غزة أو إلى الخارج (لا نعلم بعد)، وأياً كان المكان فهو لن يعدم الوسيلة ليمارس هوايته وعشقه وغرامه الأول: مقارعة المحتل ومحاربته، ولن يهدأ له بال حتى يعود إلى أرض فلسطين ليموت فيها وليدفن فيها، فتتحق بذلك رغبته مرتين: الأولى عندما تحرر والثانية عندما يموت ويدفن على أرض فلسطين.


لو كان كل منا مثل أحمد النجار لأصبح تحرير فلسطين على مرمى حجر؛ عندما نفهم أن صراعنا مع الاحتلال هو على هوية الأرض فلا هو من أجل الحدود ولا من أجل تحسين ظروف المعيشة ولا من أجل علم ولا من أجل نشيد وطني، بل من أجل هوية فلسطين ومن أجل إسلامية هذه الأرض وطهارة المسجد الأقصى، وكل خطوة نخطوها يجب أن تقربنا من هذا الهدف وإلا فهي عبث.


سيصبح تحرير فلسطين على مرمى حجر عندما يكون الجهاد والمقاومة (بكافة أشكالها المسلحة وغير المسلحة) هو فطورنا وغداءنا وعشاءنا وسحورنا اليومي، فهل نستطيع الارتقاء إلى هذا المستوى؟ أم نفضل حياة التيه والمنافي والذل والمهانة؟


صفقة الوفاء للأحرار لن ترفع المعاناة والذل والألم عن 1027 أسير وعائلاتهم فحسب، ولن تعيد بعضهم (أو أكثرهم) إلى ساحات الوغى ليقارعوا المحتل من جديد فحسب، بل تعلمنا أيضاً أن "الحياة مقاومة"، ومن أراد الحياة فليتبع درب الشهداء كما تبعهم الأسير أحمد النجار.

بين مجزرة الأقصى وإضراب الأسرى: ما الذي اختلف؟


مرت الذكرى العشرون لمجزرة الأقصى بقليل من الاهتمام الإعلامي والشعبي، المجزرة التي ارتكبتها قوات الاحتلال داخل المسجد الأقصى في 8/10/1990م والتي أدت لارتقاء أكثر من عشرين شهيداً ومئات الجرحى من المدنيين العزل والذين لم يملكوا إلا بعض الحجارة يدافعون بها عن أنفسهم، وفيما ينشغل النشطاء والحقوقيون بملاحقة مجرمي الحرب الذي شاركوا بالعدوان على غزة عام 2009م أو قتلة الشهيد صلاح شحادة (والذي قتل معه أكثر من عشرين مواطناً بينهم أطفال ونساء) ويرفعون عليهم القضايا في المحاكم الأوروبية، يتناسون أمر قتلة مجزرة المسجد أو غيرهم من مرتكبي مجازر الانتفاضة الأولى، فضلاً عن الصفح والعفو عن مرتكبي أكبر المجازر وأكثرها وحشية عام 1948م بل ومنحهم جوائز نوبل للسلام مثلما كان الأمر مع جزار دير ياسين مناحيم بيغين.

وواضح سبب ذلك فكلما مرت مدة ارتكب الصهاينة جريمة جديدة فالتهينا بها ونسينا ما قبلها، ودائماً ما يقولون لنا لا تعيشوا في الماضي ولا تحملوا أحقاد الماضي وكونوا عمليين، حسناً لقد بدؤوا بمجازر دير ياسين والطنطورة والدوايمة ومسجد دهمش وغيرها الكثير في حرب عام 1948م، ثم كانت مذابح خانيونس والسموع وقبية في الخمسينات، ثم إعدام الأسرى واختفائهم في سجون الاحتلال بعد حرب عام 1967م، ثم صبرا وشاتيلا، وفي الانتفاضة الأولى كانت مجزرة حوسان والمسجد الأقصى وغيرها، ولتأتي مجزرة مخيم جنين وغيرها خلال انتفاضة الأقصى، وأخيراً كانت حرب غزة.

وكل مرة يقال لنا أنسوا الماضي ولتفكروا بالمستقبل، ومصلحة الأحياء أهم من الانتقام للشهداء، والبعض يتبرع في الفترات الفاصلة بين موجات المجازر بالتغني بديموقراطية وإنسانية الاحتلال وأنه أكثر رأفة بالشعب الفلسطيني من بعض الأنظمة العربية، ولعل تزامن اضراب الأسرى في سجون الاحتلال مع ذكرى مجزرة الأقصى أبلغ رد على هذه المزاعم.

الأسرى يضربون عن الطعام بسبب ظروفهم الصعبة وأبرزها السجن الانفرادي (أو العزل) والذي يطال عدد من قيادات الأسرى ومنهم من هو معزول منذ سنوات طويلة مثل إبراهيم حامد وجمال أبو الهيجا، والعزل لا يعني السجن بعيداً عن باقي الأسرى فحسب بل سلسلة إجراءات لإهانة الأسير وإذلاله مثل حرمانه من متابعة وسائل الإعلام أو استلام الرسائل من أهله والخروج إلى الفورة مكبلاً وغيرها.

والإذلال والإهانات اليومية لا يعاني منها الأسرى المعزولون فقط، بل يعاني الجميع من إجراءات تنكيلية مختلفة مثل الحرمان من زيارة الأهل ولفترات تمتد لعدة سنوات، وتحديد عدد قطع الملابس التي يدخلها أهل الأسير له بما في ذلك الملابس الداخلية، أما الكتب فكل ما يتكلم بالسياسة ممنوع وكل ما زاد سمك جلدته عن حد معين ممنوع وكل كتاب يدخل يجب أن يخرج بديلاً عنه، وبالنهاية أي مشكلة مع السجانين قد تعني الحرمان نهائياً من الكتب.

ولا ننسى نقليات الأسرى التي تأخذهم من سجن إلى آخر أو من السجن إلى المحكمة وبالعكس (البوسطة)، فكل يوم بالبوسطة يرون فيه ذلاً يساوي سنة سجن، أما حرس البوسطة والمعروفون بقوة النحشون، يقومون بمهمتهم على أتم وجه فأي كلمة يقولها الأسير قد تعني كسر ذراعه أو فقدانه السمع أو البصر أو شج رأسه، غير الشتائم والإهانات.

اليوم نسي أكثر الناس مجزرة الأقصى، وبدؤوا يتناسون مجازر حرب غزة، ويفكرون بإضراب الأسرى عن الطعام وغداً يأتي حدث جديد ينسينا الأسرى، هذا فضلاً عن أحداث يومية تمر علينا لا نتوقف عندها كثيراً مثل حرق وتدنيس المساجد والمقابر في الضفة الغربية وداخل فلسطين المحتلة والهدم اليومي للمساكن في القدس والأغوار والقرار الأخير القاضي بترحيل 30 ألف فلسطيني من صحراء النقب.

ما دام هنالك احتلال فستتوالى هذه الانتهاكات، وجرائمه ليست مجرد ذكرى حزينة، بل هي وقائع وأحداث تتكرر كل يوم وكل لحظة وكل ثانية، وبينما نحن نتعامل مع الأمور بردود أفعال، فإن الاحتلال يرتكب الجريمة وينتظر حتى ننسى ونتناسى ليرتكب جريمة جديدة، وعلى مدار عشرين عاماً منذ مجزرة الأقصى والاحتلال يستولي على محيط المسجد وعلى المناطق المحاذية له ويحولها لمعالم يهودية، وعلى مدار ستين عاماً يقوم الاحتلال بتدمير قبور الصحابة والمسلمين في مقبرة مأمن الله، كل عام يدمرون جزءاً حتى لم يبق إلا جزءاً يسيراً منها.

يجب أن نتحرك وفق مخطط ورؤية ومبادرة بدون أن ننتظر جريمة وبعيداً عن ردود أفعال لحظية، وإلا فإننا سنلاقي نفس المصير الذي واجهناه طوال ستين عاماً من الجرائم المتوالية، وسنبقى نودع جريمة ونستقبل أختها ونحن نندب ونبكي.

الأحد، 16 أكتوبر، 2011

الله، عباس والضفة وبس!!




في مقابلة لفضائية البي بي سي مع رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو الأسبوع الماضي، سأله المحاور عن شكل الدولة الفلسطينية إذا كان الصهاينة سيتحكمون بالمعابر ولن يسمحوا بقيام جيش فلسطيني، فأجابه نتنياهو سيكون لهذه الدولة علم وعملة فلسطينية وحكومة وشرطة وأجهزة أمن (المخابرات العامة والأمن الوقائي حاضرين دوماً)، أما الجيش فلا.

وأضح نتنياهو أن دولاً كثيرة لا يوجد لها جيش مثل كوستاريكا (أحد بلدان أمريكا الوسطى)، وحتى لا يذهب ظننا بعيداً ونعتقد أن دولتنا الفلسطينية ستكون لها السيادة على الأرض مثلما تمارس كوستاريكا السيادة على أرضها، أضاف نتنياهو أن لكل بلد حالته الخاصة وظروفها الخاصة، وحتى لا يكلفنا عناء التفكير بماهية هذه الظروف الخاصة التي ستحكم الدولة الفلسطينية الموعودة أكد على حق الكيان الصهيوني بمراقبة ما يدخل إلى الدولة الفلسطينية حتى لا يتم تهريب السلاح إليها؛ أي بكلام آخر التحكم بالمعابر والحدود.


ولا أدري كيف فات نتنياهو أن يذكرنا بأنه سيمنّ على الشعب الفلسطيني وسيوافق على أن يكون للدولة قائداً ملهماً لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ربما لأن الشعب الفلسطيني حصل على هذا القائد قبل أن يحصل على الدولة، وهذا ما نشاهده في التمجيد المبالغ به لمحمود عباس واستقباله استقبال الفاتحين.


ومن يرى اللافتات المعلقة في مدن وقرى الضفة لا يرى ذكراً للدولة الموعودة (إلا ما ندر) بل يرى صوراً لعباس وعبارات مديح تكال له بلا رقيب ولا حسيب، فيما يتبارى المحللون والكتاب لوصف حكمته وذكاء وحنكته السياسية، وهو الذي تحدى أوباما ووقف أمام الجمعية العامة متحدثاً. طبعاً لم يفسر لنا المحللون لماذا ترفض السلطة حملة مقاطعة مؤسسة الـ يو أس أيد التابعة للحكومة الأمريكية، والتي انطلقت رداً على تهديد أمريكا باستخدام حق النقض الفيتو، ولماذا تحاول السلطة عرقلة الحملة؟


هل نتجه نحو استنساخ تجارب غيرنا من الدول العربية؟ ألا ننتظر قيام الدولة بالأول قبل أن نبايع الأصنام؟ ربما تستعجل السلطة الأمور لأنها تعلم أننا لن نرى الدولة (على الأقل لن نراها في ظل الحكم السديد للقائد الصنديد وصاحب الحكمة والفهم الرشيد - أطال الله عمره المديد)، وكما يقولون بالعامية: "ريحة الدولة ولا العدم".


أصر نتنياهو على مواصلة الاستيطان، واستهجن طلب عباس وقف الاستيطان وقال لنا 18 عاماً نتفاوض بدون وقف للاستيطان فلماذا يريدون منا الآن وقف الاستيطان؟ حسناً هذه مجرد تفاصيل لا تهم ما دام الأخ القائد ذهب إلى الأمم المتحدة وألقى الخطاب التاريخي، وليكن من بعد ذلك الطوفان.

وتجنب نتنياهو الكلام عن الأرض مثلما تتجنب السلطة الكلام عنها، وكأن دولتنا ستقوم بالهواء: سيكون لها علم وعملة خاصة بها وحكومة وشرطة لتنظيم السير ولا ننسى أجهزة الأمن والتي ستكون مهمتها الاستمرار بالتنسيق الأمني (الشيء الوحيد في اتفاقية أوسلو الذي لم يتعطل ولو ليوم واحد طيلة الـ18 عاماً الماضية)، أما الأرض لا ذكر لها في كل هذه الزوبعة.


الأرض يا سادة يا كرام، أين هي الأرض التي ستقام عليها الدولة الفلسطينية؟ أين هي الأرض التي سنمارس عليها السيادة الفلسطينية كما يمارس شعب كوستاريكا سيادته على أرضه؟ يبدو أن الشيء الوحيد الذي يراد لنا أن نقلد به شعب كوستاريكا هو أن نكون بلا جيش، وأكيد لن يمانع نتنياهو لو كنا جمهورية موز تدور في فلك الكيان الصهيوني، كما تدور كوستاريكا في فلك أمريكا "وفش حدا أحسن من حدا".


ماذا لو وقف عباس على باب الكنيسيت حافياً كسيراً ذليلاً، وقال لقادة الكيان: "لقد استسلمنا لكل شروطكم، فقط نريد دولة (أي دولة) ومواصفاتها تركناها لكم لكن أعطونا دولة"، أتخيل المشهد وقتذاك وقد قيل له أرجع بخفي حنين فلن تأخذ أكثر من علم وعملة؛ يا ترى هل قصد نتنياهو عملة حقيقية قابلة للتداولة أم مجرد عملة تذكارية؟

ويبقى استحقاق أيلول هو استحقاق محمود عباس وليس استحقاق الدولة، ونتساءل هل آن الأوان لأن يهتف الناس: "الله عباس والضفة وبس"، كما هتفوا لغيره ذات يوم؟ أيعقل أن تندلع ثورة تطلب خلع النظام قبل أن تكون لنا دولة؟ أم أن الأحداث ستتجاوزه نحو تجديد الصراع بين الشعب الفلسطيني والكيان الصهيوني؟ ما هو أكيد أن الربيع العربي لم يصل لدولة أيلول، وانتهى أيلول ولم تر الدولة النور بل هي قاب قوسين أو أدنى من الموت في دهاليز النسيان.

ماذا لو .... ؟؟


روي عن الإمام العادل عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) قوله: "اللهم أشكو إليك جلد الفاجر وعجز الثقة"، ولعلها مشكلة عابرة للأزمان والأوطان فنرى الظاهرة تتكرر في أكثر من موقف وأكثر من مكان وأكثر من زمان، فنرى أهل الحق والمبدأ يعانون عجزاً يقهر المحبين وأهل الباطل يمتلكون عزيمة تهد الجبال؛ فهل من علاج؟ ألا يمكن أن نكون بمثل عزيمتهم وجلدهم وصبرهم؟ بماذا هم أحسن من أهل الحق؟

من يتابع أخبار الثورة الليبية يعجب من جلد رجال القذافي، وكأن عمر كان يتابع أخبارهم عندما قال مقولته الشهيرة، فنراهم يقاتلون حتى الرمق الأخير بالرغم من أن كل شيء انتهى وتقهقروا وحوصروا من البر والجو والبحر، وتساقطت حصونهم الواحد تلو الآخر وهرب قادتهم إلى الجزائر والنيجر وتونس و تحت الأرض، لكن الجنود ما زالوا يقاتلون وببسالة.

ومن أجل ماذا يقاتلون؟ من أجل آل القذافي ومجدهم التليد؟ أيعقل أنهم ما زالوا مقتنعين بعودة القذافي للحكم ليرثها من بعده أبناؤه وأبناء أبنائه؟ الأكيد أنهم ما زالوا يقاتلون حتى آخر قطرة دماء تنزل منهم، ولسنا بصدد مناقشة أسباب استماتتهم في القتال لهذا الحد، لكن نريد أن نفهم أعجزنا أن نكون في جلدهم وصبرهم وعنادهم وإصرارهم؟ أعجزنا ونحن نحمل أهدافاً سامية (وأولها تحرير فلسطين) أن نكون في مثل عزيمة حفنة من المقاتلين يدافعون عن أسرة ظلمت العباد وخربت البلاد؟

ماذا لو كان عندنا رجال بهذه العزيمة؟ ماذا لو كان عندنا إصرار على الوصول إلى الأقصى كل يوم مهما كان الثمن ومهما كانت التضحيات؟ ماذا لو كان لدى أبناء الضفة نفس الجلد في مقارعة المستوطنين؟ ماذا لو كان لدى شباب الضفة نفس العزيمة في رفض إرهاب السلطة؟

ماذا لو أن كل من فصل من عمله بسبب انتمائه السياسي طرق جميع الأبواب وبنفس درجة العناد مطالباً بحقه المسلوب؟ ماذا لو أن كل أهل سجين سياسي خرجوا للشوارع يطالبون بحقهم؟ ماذا لو أن كل من وصله استدعاء من السلطة رفض الذهاب إليه مهما كان الثمن؟ ماذا لو أن كل من سجن عند الصهاينة خرج ثاني يوم من الإفراج عنه ليعود إلى العمل المقاوم؟ ماذا لو أن كل سجين سياسي يخرج من عند السلطة يقولها مدوية "لن ألبس طربوشكم"؟ ماذا لو قام شباب الكتلة بإعادة تعليق اللافتات كل ما مزقها مندوبي الأجهزة بدون كلل ولا ملل؟

ماذا لو عسكر شباب مصر وشباب الأردن أمام سفارة الكيان وقالوها لن نرحل حتى ترحل السفارة؟ ماذا لو خرج اللاجئون في الأردن وسوريا ولبنان وكل مكان بالعالم إلى الشوارع وقالوا لن نعود إلا إلى فلسطين؟ ماذا لو قاطع كل منا البضاعة الصهيوني؟ ماذا لو خرج أهل الضفة إلى الحواجز ليقولوا للمحتل ارحل؟ وماذا لو رفضوا الخضوع لرجال أمن السلطة وهم يحولون بينهم وبين جنود الاحتلال؟ ماذا لو خرج المسلمون في العالم إلى الشوارع ليقولوا لن نعود إلا بعد أن تزال معالم التهويد عن القدس القديمة وعن المسجد الأقصى؟

الجواب الذي نسمعه دوماً والذي مللناه من كثرة تكراره، وما الفائدة؟ ما الذي سنجنيه؟ نحن خاسرون ولن ننجح، لكن لماذا لم يقل رجال القذافي هذا الكلام؟ لماذا يملك رجاله هذا الجلد وهذا الصبر وهذا العناد؟ وهم أهل باطل يحاربون دفاعاً عن أسرة مالكة، يدافعون عن رجل يريد الانتقام لكرسي ضاع منه، يحاربون حتى آخر قطرة دم تسقط منهم، ونحن؟ أليست فلسطين لنا؟ ألا تهمنا كرامتنا؟ أليس الأقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين؟ لماذا هذا العجز؟ لماذا هذا اليأس؟ لماذا هذا الخمول؟ لماذا هذا التواكل؟ لماذا نعيش في كوكب آخر؟

آخٍ منك أيها العاجز. قف وتحدى ... انفض عنك غبار اليأس ... استنهض عزيمتك وتخلى عن تواكلك ... احترم ذاتك وتعرف على قدراتك واعقد العزم وتوكل على الواحد الأحد الفرد الصمد ... لا تبالي بالمهام العظام التي يوسوس لك الشيطان بأنها فوق طاقة الإنسان ... ونذكرك: "ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين " ... ولتكن على يقين فالفاجر ليس أفضل منك ولا يجوز أن تتركه يكون أفضل منك.

توضيح لا بد منه:


قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المؤمن القويُّ خير وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍ خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، فإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا و كذا، ولكن قل: قدَّر الله، وما شاء فعل، فإنَّ لو تفتح عمل الشيطان.

نقل ابن حجر في الفتح عن القرطبي أنه قال في المفهم: محل النهي عن إطلاقها ـ يعني لو ـ إنما هو فيما إذا أطلقت معارضة للقدر مع اعتقاد أن ذلك المانع لو ارتفع لوقع خلاف المقدور؛ لا ما إذا أخبر بالمانع على جهة أن يتعلق به فائدة في المستقبل، فإن مثل هذا لا يختلف في جواز إطلاقه، وليس فيه فتح لعمل الشيطان، ولا ما يفضي إلى تحريم.

هدايا مقدسية في ظل استحقاق أيلول


فيما كانت المقاطعة تحتفل بالنصر العظيم والفتح المبين لمحمود عباس والخطوة الأولى على طريق الألف ميل نحو مقعد فلسطين في الأمم المتحدة، كان الصهاينة يقدمون التهاني على طريقتهم الخاصة، وقدموا عدة هدايا مرة كالعلقم ليؤكدوا مرة أخرى أن الدولة الفلسطينية لن تقوم لها قائمة ما داموا أصحاب الكلمة النهائية وأصحاب اليد العليا.

فكان اختطاف النائب أحمد عطون من داخل مقر الصليب الأحمر، وذلك بعد أن تكلم عنه عباس في خطابه (المسمى بالتاريخي) وعن زملائه المعتصمين رفضاً لقرار إبعادهم عن القدس المحتلة، وكأن الصهاينة يقولون لعباس: "ليس فقط لن تكون القدس جزءاً من الدولة الفلسطينية (الموعودة) بل سنمارس حقنا في طرد الضيوف غير المرغوب بهم من القدس المحتلة"، والضيوف غير المرغوب بهم هم أهالي القدس من أبناء الشعب الفلسطيني، فهم حسب القانون الصهيوني مجرد مقيمين في مدينة القدس، وللاحتلال سحب هذا الامتياز متى شاء وترحيلهم.

ويوم أمس الأول كانت الهدية الثانية قرار روتيني ببناء مئات الوحدات السكنية جديدة للمستوطنين في القدس المحتلة (وتحديداً في القدس الشرقية عاصمة الدولة التي يحلم بها عباس)، وقرار بمصادرة أراضي داخل الضفة الغربية في منطقة بيت لحم، وذلك تحدياً للشرط الواحد والوحيد الذي وضعه عباس لاستئناف المفاوضات أي وقف الاستيطان.

فعندما وقعت منظمة التحرير على اتفاقية أوسلو كان المبرر الأساسي هو إنقاذ ما يمكن إنقاذه من أرض فلسطينية في الضفة والقطاع وحماية ما تبقى من أرض من السرطان الاستيطاني، إلا أن الاستيطان لم يتوقف ولا حتى ليوم واحد، وخاصة في القدس المحتلة والتي تشهد تهويداً على قدم وساق وتزويراً للتاريخ وسلخاً للمدينة عن تاريخها وحاضرها العربي والإسلامي.

وما زلنا حتى اليوم وبعد 18 عاماً من أوسلو ونحن عاجزون عن وقف الاستيطان (السبب الأساسي للتوقيع على الاتفاقية) وفيما الأمور تزداد تدهوراً على الأرض نلتهي باحتفالات المقاطعة والخطاب التاريخي، وفيما يهودون القدس والضفة شبراً شبراً وزنقة زنقة نرد عليهم بخطابات تاريخية.


الإنجازات الوحيدة التي تحققت في مواجهة الاستيطان كانت نتيجة لحرب مسلحة شرسة شنت ضد المستوطنين الصهاينة خلال سنوات انتفاضة الأقصى، فتباطأت وتيرة الاستيطان في الضفة الغربية، وأخليت مستوطنات غزة عام 2005م و4 مستوطنات في شمال الضفة الغربية، وما أن انخفضت وتيرة عمليات المقاومة وبدأت السلطة بتطبيق "التزاماتها الأمنية" حتى عاد الاستيطان لوتيرته الأولى.


أما القدس فلم تتأثر فيها عملية التهويد مطلقاً بل على العكس تزداد شراسة عاماً بعد عام، وما اعتقال النائب عطون تمهيداً لإبعاده ووجود قائمة بحوالي 400 من القيادات المقدسية مرشحة للإبعاد إلا جزءاً من عملية تهويد القدس، والسؤال المطروح هو ما الذي فعلناه لهم؟ وما الذي فعلناه للنواب المهددين للإبعاد؟ وما الذي فعلناه للمسجد الأقصى الذي أصبحت جدرانه الخارجية كنساً يهودية تمهيداً للاستيلاء عليه من الداخل؟ وما الذي فعلناه لوقف الاستيطان في القدس وفي الضفة؟

هذه الأسئلة ليست موجهة فقط إلى عباس بل أيضاً إلى حماس والجهاد والمواطن الفلسطيني العادي وللعرب والمسلمين، فالقدس هي محور الصراع مع الكيان الصهيوني، والأقصى هو أولى القبلتين وثالث الحرمين، فهل ارتقينا جميعاً إلى مستوى التحدي الذي تفرضه المدينة المقدسة؟ هذه واحدة من أقدس المدن الإسلامية وبنفس الوقت تتعرض لأشرس عملية تهويد ونزع للصفة الإسلامية عنها، يجب أن نؤمن بأننا أمام كارثة بحاجة لتصرف عاجل.

ما نحتاجه ليس الخطابات المنمقة وليس المناكفات الحزبية، نحتاج لأن نجعل القدس محور اهتمامنا كما هي محور اهتمام حكومة الاحتلال التي تركتنا نلتهي باستحقاق أيلول فيما هي تخطط وتنفذ الخطوة تلو الخطوة لتهويد المسجد الأقصى ولبناء المستوطنات واختطاف رموز المدينة المقدسة ولهدم قبور الصحابة في مقبرة مأمن الله، ونحتاج بعد ذلك إلى تسخير كل ما لدينا من إمكانيات لجعل العدو الصهيوني يدفع الثمن مقابل ما يقوم به في القدس.

والصهاينة لن يستسلموا بسهولة في معركة القدس لذا فليس المطلوب مجرد هبة لأيام معدودة أو مسيرات شموع، الأمر يحتاج لطول نفس ولضربات متلاحقة تستنزف العدو الصهيوني داخل المدينة المقدسة وحولها، ضربات تتنوع بأشكال مختلفة فإما على شكل مقاومة شعبية، أو على شكل مقاومة مسلحة، أو على شكل حملة مقاطعة دولية ضد الكيان الصهيوني بسبب اختطاف النواب وإبعادهم عن موطنهم، أو على شكل دعاوى قضائية للمطالبة باسترداد أملاك اللاجئين في القدس الغربية، أو على شكل اعتصامات أمام سفارات الكيان في مصر والأردن وأوروبا احتجاجاً على الاعتداءات اليومية على المسجد الأقصى، أو على شكل عصيان مدني في القدس.

يوجد ألف أسلوب وأسلوب كي نمارس الضغط على الاحتلال ونجبره في نهاية المطاف على التراجع، لكن هل توجد الإرادة؟ هل يوجد تطبيق؟ أم أننا سنكتفي بترداد الخطابات التاريخية أو تكرار البكائيات الروتينية عن قمع السلطة للمقاومين؟

حسناً آمل أن لا نطيل التفكير لأن الخيارات والفرص تضيق يوماً بعد يوم.

خاص لأصحاب نظريات المؤامرة: ليبيا والصفقات السرية بين الثوار والغرب


يتحفنا أصحاب نظريات المؤامرة بالكلام عن صفقات كثيرة بدليل وبدون دليل، بين ثوار ليبيا ودول الناتو، كمكافأة للناتو على دوره بالإطاحة في القذافي.

ويصوروا لنا المجلس الانتقالي على أنه مجرد حكومة دمية مثلما هي حكومة المالكي في العراق. حكومة المالكي في العراق لا تستطيع حماية أي مطلوب لأمريكا ولا عصيان أي طلب لأمريكا، فهل هذا نفس الشيء بالنسبة لثوار ليبيا؟

محمد العلاقي المسؤول عن ملف العدل في المجلس الانتقالي قال أن موضوع عبد الباسط المقرحي منتهي ولا مجال لفتحه مجدداً، وكان المقرحي أفرج عنه من سجون بريطانيا بسبب إصابته بالسرطان واقترب لحظة موته (حسب تقارير الأطباء)، لكن نظام القذافي استقبله بحفاوة وتكريم ويعيش منذ وقتها في ليبيا بصحة وعافية.

قبل اندلاع الثورة الليبية كان البريطانيون احتجوا على الحفاوة هذه، وبعضهم طالب باستعادته ليكمل الحكم بالسجن المؤبد، ولو كان الثوار تابعين للغرب لكان أول شيء إعلانهم الاستعداد لبحث ملف المقرحي، وليس أن يقول مسؤول ملف العدل أن قضيته غير قابلة للنقاش، مع العلم بأن المقرحي من أزلام القذافي وظهر مؤيداً له على الفضائيات خلال الثورة الليبية.

الانجاز غير المسبوق لمحمود عباس


كيف تصنع من لا شي إنجازاً ضخماً وفتحاً مبيناً؟ وكيف تعود بخفي حنين إلى وطنك ويستقبلك الناس استقبال الفاتحين والمحررين؟ وكيف تقنع الناس بأن أم الهزائم هي في الحقيقة ليست إلا أم الانتصارات؟ وأن الكلمات العادية التي يرددها أي خطيب في صلاة الجمعة أصبحت على لسان القائد الملهم خطاباً مبجلاً يقسم التاريخ إلى ما قبل الخطاب وما بعده؟

إذا بحثتم عمن يتقن هذه الصنعة أكثر من سلطة محمود عباس فلن تجدوا، فلا تتعبوا أنفسكم وأجلسوا وتعلموا: فمنذ عامين بدأت السلطة بالإعداد لهذا الفتح المبين، وقالوا بأنهم يعدون العدة لإعلان الدولة في أيلول عام 2011م رضي الصهاينة أم لم يرضوا، وبدأوا بناء مؤسسات الدولة، وكأننا كنا محرومين منها لأننا شعب متخلف لا نستطيع إدارة أنفسنا، وعندما اقتربت لحظة الحقيقة اكتشفت السلطة أن للدولة ثمناً وأنها ستقود حتماً نحو الصدام مع الاحتلال.

حاول مفاوضو السلطة وفكروا وخططوا وتكتكوا نريد انجازاً نعود به للشارع الفلسطيني، نريد شيئاً نقول للناس أننا انتصرنا، وبدأ الوسطاء بالدخول على الخط، والكيان الصهيوني ثابت على مواقفه: لا دولة كاملة العضوية ولا منقوصة العضوية، ولا تجميد للاستيطان ولا التزام بمبدأ الدولة على أراضي الـ67 (حتى مع بحث تبادل الأراضي).

ما كان (وما زال) معروضاً على السلطة هو العودة لبيت الطاعة صاغرة ذليلة، والعودة من جديد إلى طاولة المفاوضات، لكن كيف يواجه عباس أهله؟ كيف يواجههم بحقيقته العارية وأنه قد فشل؟ ألم يعدنا ألف مرة بأنه سيستقيل إن فشل بتحقيق إنجاز الدولة؟ هل يعقل أن يترك كرسي الرئاسة؟ هل يعقل أن يترك السفينة بلا ربان؟

لا توجد ثورة شعبية عارمة في ميادين الضفة، وذلك لحسن حظ السلطة (وربما لسوء حظها)، لذا ما زال أمام الرئيس الفرصة كي يشتري الوقت ويعطي لنفسه المهلة تلو المهلة (تلك المهل التي رفض الشعب المصري منحها لمبارك).


تجندت كل أجهزة إعلام السلطة وراء هدف واحد ووحيد: تخوين كل من يشكك بخطوات الرئيس وحكمته وكلمته التاريخية، وبينما كان هنالك تيارات عديدة معارضة لخطوته لكنها اختزلتها بإمارة الظلام "حماس"، ووضعت حماس في سلة واحدة مع أمريكا والكيان الصهيوني.

وعندما انتقدت حماس ذهاب محمود عباس منفرداً للأمم المتحدة وعدم مشاورته أي من الفصائل أو القوى الفلسطينية، شبهوا موقف حماس بموقف الصهاينة الذين رفضوا الخطوة الأحادية، فهؤلاء قالوا منفردة وهؤلاء قالوا انفرادية، والمنفردة والانفرادية أخوات من أب لغوي واحد، (وكأن فلسطين هي مزرعة خاصة للأخ القائد لا يجوز مساءلته عنها).

تجاهلت وسائل إعلام السلطة الفرق بين حماس والكيان، فالكيان هو عدو وعندما يسلب العدو حقوقك ولم تفلح المفاوضات والتفاهم باسترجاعها فمن المنطقي أن تشتكي عليه وبدون مشاورته، أما حماس فهدفها نفس هدفكم (تحرير فلسطين واستعادة الحقوق) والخلاف في الوسيلة والطريقة، وطلب التشاور والاتفاق ضروري حتى تقوي موقفك يا أبا مازن، لكن تقوية الموقف آخر ما يفكر به محمود عباس، فسقفه هو الرضا الصهيو – أمريكي وما دون ذلك فهو لغو لا لزوم له.

وقف محمود عباس أمام الكاميرات، ولأننا كنا معتادين على خطبه التهريجية وكلامه بالعامية ونكته الكثيرة وسقف مطالبه المتدني، فقد تفاجأ الجميع بكلامه الرصين وتصعيده ضد الاحتلال الصهيوني واستعراضه لمعاناة الشعب الفلسطيني، وهذا أسلوب معتاد في الخطاب السلطوي: البدء بسقف مرتفع تمهيداً للانخفاض والتراجع وتقديم التنازلات.

الناس انبهرت بكلام عباس ونبرته المرتفعة، وقالوا هذا ليس عباس الذي نعرفه، وذلك بالرغم من هبوط مستوى مطالبه في الجزء الأخير من خطابه؟ ورغم استعداده للرجوع إلى المفاوضات؟ ورغم تفهمه لاحتياجات الاحتلال؟ وكأن لسان حالهم يقول: على الأقل هنالك تطور بخطاب عباس.

حسناً لا يوجد أي تطور فعباس اختار التصعيد عندما تكلم عن الماضي، أما الحاضر والمستقبل فقد اختار كلامه التقليدي المرضي للأمريكان، فلتبك يا عباس كما شئت على ماضي الشعب الفلسطيني فالمهم هو المستقبل، ماذا ستفعل لاستعادة الحق الفلسطيني (أو جزءاً منه)؟ ماذا ستفعل لترجمة الدولة على أرض الواقع؟ ما هو التغيير الملموس على الأرض؟

ماكنة إعلام السلطة تتدبر الأمور فلا تقلقوا، واستعرضت لنا باحتفالية تسليم محمود عباس طلب العضوية إلى بان كي مون، ولا يهم إن تواطأت السلطة على دفن الطلب تحت ستار المشاورات والكولسات لأسابيع عدة، وبعد انتهاء الأسابيع تصبح أشهراً وعند أيلول القادم سنعود لنفس المسرحية ونفس الإخراج، فيما الدولة ما زالت تحت البحث والتشاور (بالضبط كما دفنوا تقرير غولدستون).

يذكرنا هذا الموقف بحادثة رواها الرئيس اللبناني أميل لحود عندما انسحب الصهاينة من جنوب لبنان عام 2000م واكتشف أن الحدود التي رسمها الصهاينة بعد انسحابهم ليست دقيقة وأنهم أكلوا 25 كيلومتر مربع من الأراضي اللبنانية، وبينما كان مجلس الأمن يتباحث إصدار بيان بأن الصهاينة التزموا بما عليهم وانسحبوا من كامل الجنوب اللبناني، قرر لحود رفض الموافقة على البيان حتى ينسحبوا من كل الأراضي.

يومها اتصلت وزيرة الخارجية الأمريكية مع لحود وحاولت بشتى الطرق إقناعه لكي يتنازل ويقبل بالبيان كما هو، ومن بين اقتراحاتها هو أن يخرج للإعلام ويقول للشعب اللبناني أنه يرفض التصويت لكن في مجلس الأمن يوافق على التصويت! فشلت أولبرايت بإقناعه وأجبر ثباته الأمم المتحدة على إرسال بعثة لترسيم الحدود واستعادة الأراضي المسلوبة، لكن يبدو أن مثل هذه النصيحة قد أخذ بها عباس!!!

فأمام الشعب الفلسطيني والشعوب المؤيدة للقضية الفلسطينية قام عباس بالواجب الملقى على كاهله وقدم طلب العضوية وتباكى على حقوق الشعب الفلسطيني المسلوبة، وبعد أن ينفض السامر وتنتهي الاحتفالات بالنصر المؤزر والفتح المبين، ستعود السلطة لطاولة المفاوضات دون تحقيق أي طلب من طلباتها، ولا حتى الاستجابة الرمزية لها، ستعود السلطة للتفاوض على الأمن والحدود كما تفاوضت أيام رؤية بوش (هل تذكرونها)، وستطبق السلطة جانبها الأمني وسيتملص الصهاينة من جانبهم المتعلق بالاستيطان والحدود (وهذه المرة يرفض الصهاينة حتى مجرد مناقشة هذه الأمور).

وحتى تضمن أجهزة إعلام السلطة خط الرجعة أمام أي شخص يمتلك الذاكرة وقد يسائلها بعد عدة أسابيع أو أشهر عن الدولة ويسأل السؤال المحرج: "لماذا لم تعلن حتى الآن؟"، حرصت هذه الأجهزة على التأكيد بأن هذه أول مرة يعترف العالم بالشعب الفلسطيني (وكأننا مجموعة من اللقطاء نبحث عن نسب ننتسب إليه)، وهذه أول مرة يسمع العالم وجهة النظر الفلسطينية (وكأن مشكلتنا مع العالم أنه لم يفهمنا حتى اليوم). هذه انجازات تعاد كل مرة تريد الإقدام على تنازل جديد، عندما وقعوا على أوسلو قالوها وعندما وقف عرفات أمام الأمم المتحدة عام 1974م قالوها، وعندما قبلوا رؤية بوش قالوها، في كل مرحلة يعيدون نفس الانجازات.

حسناً العالم سمعنا وعرف مظالمنا والاحتلال سمعنا وعرف مظالمنا، لكن الاحتلال لن يزول ولن يرحل إلا بعد أن يفهمنا كما فهم بن علي الشعب التونسي.

معارضو استحقاق أيلول وبعض المخاوف غير المبررة


أثار قرار محمود عباس بالتوجه إلى الأمم المتحدة للمطالبة باستقلال دولة فلسطين والحصول على العضوية الكاملة في المنظمة الدولية الكثير من الجدل بين مؤيد ومعارض، ونريد هنا الوقوف عند بعض أسباب المعارضين الذين اعترضوا على قضايا ليست هي لب المشكلة.

في البداية لا بد من التأكيد على أن الكثير من الاعتراضات والتحفظات هي صحيحة ويجب طرحها، سواء كانت الاعتراض على نية عباس العودة لمفاوضاته العقيمة مع الاحتلال الصهيوني، أو غموض تحركات وتفاصيل ما سيقدم عليه عباس وسلطته وانفراد كهنوت ما يسمى بمؤسسة الرئاسة بقرارات تمس مصير الشعب الفلسطيني كله، أو المخاوف من الإقدام على تنازلات تضر القضية الفلسطينية، أو الاعتراض على جملة "نحن لا نسعى لنزع الشرعية عن إسرائيل". فكلها اعتراضات مشروعة وفي مكانها وفي وقتها.

لكن ما يستوقفنا هو بعض المبررات التي تساق لرفض خطوة الذهاب إلى الأمم المتحدة، وأبرزها ما يقال عن أن قيام دولة فلسطينية على الأراضي المحتلة عام 1967م يعني إلغاء حق العودة والتفريط بما تبقى من فلسطين، فمن الضروري التوضيح بأن مبدأ إعلان قيام دولة أو استعادة أي حق من حقوق الشعب الفلسطيني ليس مرفوضاً بحد ذاته، وإنما ما هي التبعات والأثمان التي قد تدفع مقابل ذلك، لذا يجب معرفة طبيعة الأثمان والالتزامات المرافقة لذلك قبل أن نحكم عليها بالرفض أو القبول.

مشكلة هذا الطرح أنه يصف المشكلة بشكل خاطئ، وأنه يمهد الطريق للسلطة من أجل الخضوع للضغوط الأمريكية والتنازل عن الدولة مقابل العودة للمفاوضات، وأنه يكبل الشعب الفلسطيني ويعقد الأمور بلا أي داعٍ أو مبرر.

فالقول بأن قيام دولة فلسطينية على الضفة والقطاع يلغي حق اللاجئين الفلسطينيين بالعودة لأرضهم التي هجروا منها لأنه أصبح لديهم دولة، هو قول خاطئ ولا أساس له قانونياً أو منطقياً، فاللاجئون ليسوا مجموعة من المتسولين الباحثين عن جنسية أو جواز سفر حتى نرضيهم بجواز سفر "ضفاوي"، هم أصحاب حقوق وأملاك داخل فلسطين المحتلة، وهي ستبقى أملاكهم وحقهم بغض النظر عن شكل الدولة الفلسطينية، سواء قامت الدولة أم لم تقم.

فمن أساسيات أي قانون سماوي أو أرضي أن صاحب الملكية لا يفقدها بمجرد طرده أو هجرته (الطوعية أو القسرية)، وحتى الكيان الصهيوني نفسه يعترف بملكية اللاجئين لأراضيهم وممتلكاتهم ويضعها كلها تحت إدارة مؤسسة حكومية صهيوني تسمى "حارس أملاك الغائبين"، وحتى من يسكنها من الصهاينة لا يتملكها بل تبقى تحت تصرف حكومة الاحتلال.

رفض عودة اللاجئين ليس مرتبطاً بإعلان الدولة الفلسطينية ولا يجب أن نربطه نحن ونقيد أنفسنا بهذا القيد الثقيل الذي لا يفيد إلا الصهاينة. لو راجعنا مواقف الصهاينة ومن يدعمهم فهنالك ثلاث مبررات تساق لرفض عودة اللاجئين: المبرر الأول هو أن عودة اللاجئين يضر بالأغلبية اليهودية داخل فلسطين، وهذا مبدأ عنصري قائم على نظريات النقاء العرقي والأصل أن يرفضه العالم جملة وتفصيلاً.

المبرر الثاني هو أن اللاجئين هم نتيجة خسارة العرب لحربهم مع الكيان الصهيوني عام 1948م ويجب أن يتحملوا نتيجة خسارتهم، وهنا نقول لهم نحن لها بإذن الله ونستطيع أيضاً أن نلعب نفس اللعبة.

والمبرر الثالث هو ما يقوله الصهاينة بأن مقابل اللاجئين الفلسطينيين هنالك اليهود القادمين من الدول العربية إلى الكيان الصهيوني والذين صودرت أملاكهم بعد هجرتهم للكيان، وأن هذه بتلك ويمكن توطينهم مكان اليهود الذين هاجروا من الدول العربية. وهذه معادلة أخرى غير مقبولة فمن ناحية ترجعنا لنفس إسطوانة التطهير العرقي، ومن ناحية أخرى تساوي بين من هجروا قسراً وبين من هاجروا طوعاً، ومن ناحية ثالثة يوجد اختلال بالنسبة والتناسب: فعدد اللاجئين الفلسطينيين (داخل وخارج فلسطين) يتجاوز 7.5 مليون بينما اليهود الشرقيون لا يصل عددهم إلى ثلاثة ملايين.

وبالتالي نرى أنه لا يوجد أي رابط بين قيام دولة فلسطينية والمبررات الثلاث، فأن نأتي ونتبرع للصهاينة بمبرر رابع ونقول أنه متى ما قامت الدولة الفلسطينية فسيسقط تلقائياً حق عودة اللاجئين فهذا قيد ثقيل لا لزوم له، فمشروع الدولة ليس مشروع عباس وحده، وإن لم يكن مستأمناً على هذه الخطوة فهذا لا يعني أن نرفض مبدأ قيام الدولة.

ما المشكلة أن تكون لنا دولة ولنسمها فلسطين المحررة (أو فلسطين الحرة) حتى نؤكد على أن هنالك فلسطين محتلة يجب تحريرها؟ ألم يئن الأوان لنفكر بكيفية استرجاع فلسطين؟ ألا يحتاج ذلك للاستفادة من أي تراجع صهيوني على الأرض؟ صلاح الدين حرر القدس وأجزاء كبيرة من فلسطين وبلاد الشام لكنه وقع على صلح الرملة مع الصليبيين والتي منحتهم المنطقة الممتدة من مدينة يافا حتى مدينة صور، لم يقل أحد أنه تنازل عن حقنا في هذه المنطقة، ولم تتحرر هذه المنطقة إلا بعد أكثر من مئة عام على يد السلطان المملوكي الأشرف خليل بن قلاوون.

أما أن نقول لنحافظ على الوضع القائم وليبقى كل لاجئ في مكانه إلى أن تأتي الجيوش الجرارة وتحرر فلسطين كل فلسطين فهذه أحلام يقظة لن توصلنا إلى أي مكان، فصراعنا مع الاحتلال الصهيوني معقد وطويل الأمد ويحتاج لأن نفتح كل الجبهات الممكنة مع الكيان لا أن نريحه ونبقي على الوضع الراهن بحجة أننا لا نريد خسارة ما تبقى لنا من حقوق.

من الضروري أن ندرك ونحن نقارع المحتل الصهيوني أن استعادة أي جزء من الحقوق لا يعني التفريط بباقي الحقوق، حتى لو كان ذلك من خلال الأمم المتحدة، وليس صحيحاً أنه إذا قبلنا قراراً أممياً فيجب أن نقبل بكل شيء بما فيه حق الكيان الصهيوني بالوجود، وهنا نشير إلى أن الصهاينة اعترفوا بقرار التقسيم لكنهم أخذوا الجانب الذي يلائمهم وأكلوا الدولة الفلسطينية الواردة بقرار التقسيم، كما أن قرار الامم المتحدة الذي أعترف بدولة إسرائيل اشترط تطبيق الكيان للقرار 194 والذي ينص على عودة اللاجئين، بمعنى أن قيام الكيان الصهيوني مرتبط بعودة اللاجئين حسب قرار الأمم المتحدة، لكن عملياً كل العالم اعترف بدولة الاحتلال، أما القرار 194 فلا يرفض الكيان تطبيقه فحسب بل يرفض مجرد نقاشه.

فإن كان الصهاينة لا يلزمون أنفسهم إلا بما يلائمهم من قرارات دولية، وحتى نفس القرار يختارون ما يلائمهم ويرفضون ما لا يلائمهم، لماذا نلزم أنفسنا بها بعجرها وبجرها؟ سيقول البعض أن الكيان الصهيوني يقوم بذلك لأنه يستقوي وصاحب اليد العليا، إذاً الخلل ليس في المطالبة بحقوقنا من الأمم المتحدة (أو غير الأمم المتحدة) بل كيف نطالب بها، والخلل يأتي أيضاً عندما لا تقترن المطالب بقوة تجبر الآخرين على منحها لنا.

فالمطالبة بدولة فلسطينية مستقلة ليس مرفوضاً بحد ذاته، والمطالبة ببعض حقوقنا لا يعني التنازل عن باقي حقوقنا، وإذا أردنا الاعتراض على خطوات محمود عباس فلنعترض على ما هو خطأ: لنعترض على الالتزام بعدم نزع الشرعية عن الكيان الصهيوني، لنعترض على "الرغبة الصادقة" بدولة فلسطينية تعيش بسلام مع جيرانها الصهاينة، لنعترض على التنازل عن حق العودة أو التلميح بإمكانية التنازل عنه، لنعترض على من يعترف بحق الكيان الصهيوني بالوجود.

قراءة في غزوة السفارة وتداعياتها


في مصر ما بعد الثورة هنالك حملة تستهدف كل ما يمثل حقبة مبارك، وهي حملة تتم برعاية رسمية حيث يتبارى الجميع ثواراً ومن تسلقوا على اكتاف الثورة على التبرؤ من الحقبة المباركية ومحاكمة رموز تلك الحقبة، ومحاربة كل ما يمت له بصلة وكل ما يمت لعهد الفساد والاستبداد، إلا أن العلاقات مع الكيان الصهيوني بقيت مستثناة وخارج هذه الحملة (على الأقل خارج الحملة الرسمية).



والمتتبع لأيام مبارك الأخيرة بالحكم يجد أن الأمريكان كان همهم الأول والأخير علاقة مصر مع الكيان الصهيوني والحفاظ على معاهدة كامب ديفيد، حيث قدم المجلس العسكري الضمانات التي تطمئن الأمريكان أن انتقال مبارك لا يعني المساس بالمعاهدة أو العلاقات مع الكيان.



بالنسبة للثوار والأحزاب السياسية وبالرغم من وجود إجماع لديهم على رفض كامب ديفيد ورفض وجود السفارة في القاهرة، إلا أنهم فضلوا تأجيل الموضوع إلى ما بعد المرحلة الانتقالية، مدركين حساسية الأمر لدى المجلس العسكري وفي قبوله لحجة أن الحكومات الانتقالية لا تقدم على خطوات مصيرية مثل إلغاء المعاهدة أو إغلاق السفارة وإنما عملها هو تسيير الأعمال.



جاءت عملية إيلات ورد الفعل الصهيوني عليها وقتله لجنود مصريين لتنبش الملف، وتوفر ذريعة لكل من قبل على مضض بتأجيل نقاش ملف السفارة من أجل إعادة فتحه والمطالبة بالرد من خلال إغلاق السفارة، وبدأت بعض الجماعات الشبابية بتنظيم الاعتصامات أمام السفارة وإنزال العلم الصهيوني أول مرة، ليعاد رفعه وليبنى جدار خرساني من أجل حماية السفارة.

 وبدلاً من أن يحمي الجدار السفارة استفز الجماعات الشبابية واستفز المواطن المصري العادي، ونظم اعتصام جديد الجمعة الماضي وكان مقرراً أن يكون للاحتجاج على وجود الجدار لكنه تطور إلى هدم الجدار ثم إنزال العلم ثم اقتحام السفارة وإلقاء وثائقها من النوافذ.



ساد الخوف لدى الكثيرين من هذه الخطوة غير المسبوقة، وحرصت المجموعات المنظمة للاعتصام والتشكيلات المختلفة للثوار على النأي بنفسها عن هذه الخطوة، مع تأكيدها على تحميل مسؤولية ما حصل للمجلس العسكري الذي لم يتخذ إجراءات تردع الاحتلال الصهيوني وبدلاً من ذلك قام ببناء جدار خرساني لحماية السفارة، مما أستفز الناس وأدى لهذه الأحداث.


بالرغم من عفوية ما حصل في السفارة إلا أنها نتيجة متوقعة، فما كان يحمي السفارة هو نظام مبارك والنظام قد زال، وكل ما دون النظام في مصر كان يكره السفارة وكان معبأً إلى أقصى الحدود ضد الكيان الصهيوني، وإن كانت الأحزاب السياسية تتفهم الاعتبارات التي تدفع المجلس العسكري للحفاظ على العلاقات الديبلوماسية في المرحلة الانتقالية، إلا أن المواطن العادي من الصعب عليه أن يستوعب لماذا تبقى السفارة وسط القاهرة، ومن الصعب عليه أن يفهم لماذا تمت إزالة كل ما يمت لمبارك بصلة مع استثناء السفارة، ومن الصعب عليه (كما هو من الصعب علينا) أن يفهم لماذا يعطى الكيان الصهيوني هذه الحصانة في مرحلة ما بعد الثورات العربية.


ألم يكن يقال لنا أن الحكام العرب هم من يحمون الكيان، وأنهم هم من يوفرون له الغطاء، وأنهم من يروجون للتطبيع والعلاقات الديبلوماسية، أما وقد زال الحاكم في مصر فما مبررات بقاء كل هذه الأمور؟


وعلى عكس ما توقع البعض جاءت ردة فعل الكيان الصهيوني على الحدث باهتة، وهذا تصرف طبيعي لأن الكيان يدرك أن التصعيد هو مراد من قام بمهاجمة السفارة كما يدرك الكيان أن مبارك لم يعد موجوداً ليغطي على جرائم الاحتلال وأن المزاج الشعبي في مصر نزق وعصبي ولا يتحمل أدنى استفزاز من الكيان (بل وربما نجد من يتعمد الاستفزاز بالكيان كما فعل مهاجمو السفارة).
 يقف الصهاينة في عصر الربيع العربي أمام خيارات صعبة أحلاها مر، فهي تخسر حلفاءها وكل الضمانات الأمريكية تبدو بلا أدنى قيمة، وبدلاً من توسعها سياسياً واقتصادياً فهي تتراجع وتحاصر سياسياً شيئاً فشيئاً، وعلى المدى البعيد يتوقع أن يتطور هذا الحصار ليصبح حصاراً عسكرياً خانقاً، فهل تصمت أم ترد؟ من ناحية لا يستطيع الصهاينة السكوت والتظاهر بأن لا شيء يحصل، ومن الناحية الأخرى أي رد فعل سيستفز الطرف الآخر وسيسارع من عملية حصار الكيان والتحريض عليه عربياً.


يحاول الصهاينة التظاهر بأن ما يحصل في الدول العربية لا يعنيهم ولا يؤثر عليهم، وأنهم مع الديموقراطية ومع خيارات الشعوب، لكن كله كلام للتسويق الإعلامي، وكلام يخفي مخاوف حقيقية لأن الكيان يدرك أنه نبتة غريبة عن المنطقة، وأن وجود الكيان هو أحد عقدتين عانت منها الشعوب العربية طوال القرن الماضي، والعقدة الأخرى كانت الأنظمة الاستبدادية والفاسدة، وبعد تخلص الشعوب العربية من عقدة الأنظمة المستبدة الفاسدة فلا بد أنها ستلتفت للعقدة الأخرى، وإن كان هنالك مستعجلون لمعالجة عقدة الكيان مثل مهاجمو سفارة الكيان، فما يراه البعض مجرد هجوم لتنفيس الغضب هو مجرد البداية وما هو قادم أكبر وأخطر.


ومثلما يواجه الصهاينة خيارات صعبة تواجه حليفتهم الاستراتيجية خيارات صعبة (وإن لم تكن مصيرية مثلما هو الحال مع الكيان)، فأمريكا اختارت أن تنحاز للطرف الفائز وأن تدعم الثورات العربية وأن تبيع حلفاءها السابقين بثمن بخس، لكن الاختبار الحقيقي هو عندما تضطر للاختيار بين الثورات وبين الكيان، ولعل تصريح أوباما ليلة اقتحام السفارة وتهافت الإدارة الأمريكية لنصرة الكيان الصهيوني في هذه الأزمة هدم الكثير مما قامت الإدارة الأمريكية ببنائه والاستثمار به منذ إعلانها الانحياز إلى ثورات الشعوب العربية.


ما زالت أمريكا بعيدة عن لحظة الاضطرار إلى الاختيار، لكنها قادمة لا محالة وعلى الأرجح ستضطر أمريكا للتخلي عن حليفتها الاستراتيجية إن وجدت حزماً وقوة عربية وإن كانت حليفتها ضعيفة وغير قادرة على الانتصار والمقاومة.

 أما في الوقت الحالي فكل ما باستطاعة الكيان والأمريكان فعله فهو تأجيل لحظة الحقيقة، ومحاولة إطالة المرحلة الانتقالية وشراء الوقت، وإن كان هنالك دعوات داخل الكيان (وربما أبرزها ما قاله شاؤول موفاز قبل فترة) من أجل تدارك الوقت والتوصل إلى تسوية مع السلطة الفلسطينية قبل أن تواجه عدواً مصمماً وعنيداً (مثل من رأيناهم في غزوة السفارة)، لكن لم تترجم هذه الدعوات إلى فعل حقيقي وما زالت عنجهية الصهاينة تمنعهم من تقديم تنازلات تتيح التوصل لتسوية مع السلطة.




كل ما رأيناه حتى الآن من الصهاينة هو ابتلاع الإهانات القادمة من أسطنبول والقاهرة، بالإضافة لعدم الإقدام على اعتداءات واسعة النطاق على قطاع غزة، لكن السؤال كيف سيتصرف الصهاينة عندما تُسدّد إليهم اللكمات بدل الإهانات؟