السبت، 31 ديسمبر، 2011

في ظلال الثورات العربية: نموذج جديد لتحرر المرأة




تشهد المجتمعات العربية ثورة واسعة النطاق لكن هادئة على مستوى مشاركة المرأة في المجال السياسي، وذلك بعد عشرات السنوات من جهود غير مثمرة للمنظمات النسوية والجماعات الليبرالية من أجل "تحرير" المرأة العربية ومساواتها بالرجل وإزالة قيود وأغلال التخلف والعادات والتقاليد.


لكن اللافت للنظر أن ما نجحت به الثورات العربية يتم بعيداً عن المنطلقات الفكرية للمنظمات النسوية والتيار الليبرالي، فما نراه هو نموذج أقرب للقيم العربية والإسلامية منه للقيم الغربية والليبرالية.

وبدلاً من أن يكون محور تحرير المرأة هو تحريرها من القيم الإسلامية، وبدلاً من النموذج الغربي لتحرر المرأة القائم على استقلالية المرأة التامة عن الرجل والوقوف بندية وتنافسية أمامه، نجد نموذجاً يحرر المرأة من التخلف ويسعى للارتقاء بها، بدون المساس بالمنظومة الاجتماعية أو جوهر العلاقة بين الرجل والمرأة كما تراها الشريعة الإسلامية.



الأربعاء، 28 ديسمبر، 2011

موقف حماس من الثورة السورية




أثارت تصريحات خالد مشعل بخصوص موقف حركته من الثورة السورية، ومن قبلها بيان حركة حماس الذي صدر بعد تفجيرات دمشق، جدلاً بين من يصف هذه المواقف بالمتوازنة والدقيقة ومن يصفها بأنها لم ترق إلى مستوى الحدث ولم تلب مطالب الشعب السوري.


كما اعتبر البعض أن توقيت بيان حركة حماس بعد تفجيرات دمشق لم يكن موفقاً، لأنهم رأوا فيه موقفاً داعماً للنظام، بالرغم من أن التفجيرات أدانها ثوار سوريا بل وذهب بعضهم لاتهام النظام بتدبيرها.


بداية من الضروري التأكيد على أن كلام مشعل وبيان حماس لا يحملان مواقف مؤيدة لما يقوم به النظام ضد الشعب السوري، وأن اللوم والعتب بسبب عدم دعم حماس الثورة السورية بكل وضوح وصراحة.



الاثنين، 26 ديسمبر، 2011

هل يستطيع العراق تفادي السقوط في الهاوية




كشفت الأزمة الأخيرة في العراق أن الاحتلال الأمريكي لم يكن العائق الوحيد أمام بناء عراق جديد يخدم جميع أبنائه، وإن كان الاحتلال سبباً في ما وصلت إليه الأمور بالعراق اليوم، إلا أن رحيله لا يعني الحل التلقائي لكل مشاكل العراق.


البعض يظن أن الأمريكان يريدون امتصاص ثروات العراق ونفطه أو إقامة قواعد عسكرية يستغلوها، هذا كان طموحهم عند احتلال العراق قبل أكثر من ثمانية أعوام، لكنهم تخلو عن هذه الطموحات تحت ضربات المقاومة العراقية، وتحول العراق إلى عبء مالي وأمني على الولايات المتحدة، فقررت التخلص منه والانسحاب من العراق وإنهاء الاحتلال.



الاثنين، 19 ديسمبر، 2011

في ظلال الثورات العربية: المؤسسة الأمنية كيف نريدها؟



شكلت الأجهزة الأمنية في العالم العربي أهم أذرع القمع التي استخدمتها الأنظمة المستبدة لترسيخ سلطتها، بحيث باتت الأجهزة الأمنية في عدد من الدول العربية بمثابة قوة احتلال مهمتها ترويع المواطنين، وحاولت الأنظمة العربية طوال العقود الماضية تسويق نظرية أن الأمن والاستقرار أولاً، وأنه لولا القمع الأمني لانحدرت البلاد في منزلقات لا يحمد عقباها.

وتعامل الكثير من أنصار الأنظمة (وبعضهم ما زال كذلك لليوم) على أن الأجهزة الأمنية شر لا بد منه، وأن ضحايا الأجهزة الأمنية هم ضريبة يجب دفعها من أجل الأمن والأمان، وأن تسجن ألف بريء خير من "ترك البلاد مستباحة لأعداء الدولة ولأعداء الشعب".

وبالرغم من الإطاحة بعدد من أنظمة الاستبداد، إلا أن أجهزتها الأمنية بقيت، وواضح من المواجهات في ميدان التحرير (الشرطة العسكرية تحديداً) ومن قبلها في تونس أن تجاوزات الأجهزة الأمنية ما زالت كما هي تقريباً.
وهذا أمر متوقع، ليس فقط لأن الأفراد المكونين لهذه الأجهزة ما زالوا كما هم وخاصة الصفوف الوسطى والدنيا، بل أيضاً لأن جزء من مشكلة الأجهزة الأمنية في الدول العربية هي عدم المهنية وقلة الوعي والتدريب، مما يدفع رجل الأمن لحل أي مشكلة بالضرب، فالضرب أسهل شيء ولا يحتاج لكثير تدريب (هذا إن احتاج أصلاً لتدريب).

فعندما يوجد متظاهر لا يريد فتح الشارع فأسهل علاج له هو ضربه ولا يهم لو كسرت رقبته أو رجله، المهم أن يقوم رجل الأمن بما يلزم، وإن كان هنالك متهم لا يريد التكلم فأسهل شيء أمام المحقق هو الضرب والتعذيب الجسدي، واستخدام التعذيب في التحقيق لا يشكل امتهاناً لكرامة الناس فحسب، بل يؤدي في كثير من الأحيان لإدانة الأبرياء وترك المجرم الحقيقي طليقاً في الشارع.

فأحد المهمات العاجلة في الدول بعد نجاح الثورات هو إعادة تأهيل أفراد الأجهزة الأمنية، ورفع كفاءتهم وتدريبهم على طرق التعامل الحضاري مع المواطنين، وجعل حقوق المواطن جزءً أساسياً من عملية تدريب وتكوين رجال الأمن.

وفي الواقع خضعت الأجهزة الأمنية في عدد من الدول العربية والإسلامية سابقاً لمعالجات وإعادة تأهيل في الأعوام الماضية (بدون ثورات)، مما أسهم بحصول تحسن ملموس على هذا الصعيد بهذه الدول، فبعد أن اكتسبت سمعة قذرة بقمع معارضيها بأشبع الوسائل والطرق، تم إدخال إصلاحات في الأجهزة الأمنية في المغرب والبحرين وتركيا، مما يجعل المهمة سهلة وممكنة خاصة في الدول التي حصلت فيها ثورات.

هنالك جانب آخر أكثر أهمية لمشكلة الأجهزة الأمنية، وهو حجم الصلاحيات الواسع الذي تتمتع به هذه الأجهزة، وتحت ذرائع متعددة تتدخل بحياة الناس وخصوصياتهم، وأبرز أشكال التدخل يتجلى بما يسمى بالسلامة الأمنية أو حسن السير والسلوك أو الفحص الأمني، وهي سلسلة إجراءات ومعاملات يقدمها المواطن إلى الأجهزة الأمنية عندما يتقدم من أجل وظيفة عمومية أو حتى الحصول على رخصة لمزاولة مهنة حرة أو القيام بمشروع وتختلف التفاصيل من دولة عربية إلى أخرى، لكن جوهرها واحد وهو إعطاء الأجهزة الأمنية حق الاعتراض على توظيف أو إعطاء رخصة لمن ترى فيه خطر على البلد أو الدولة.

مشكلة السلامة الأمنية أنها تطلق يد الأجهزة الأمنية للتدخل في حياة الناس وفي أمور ليست من صلب عمل أجهزة الأمن، ففي بعض الدول العربية مثلاً الزواج يحتاج لموافقة الأجهزة الأمنية!! فإذا كان الشخص المتقدم لوظيفة أو لطلب رخصة يعتبر خطراً على الأمن القومي أو أمن البلد لماذا هو طليق وليس وراء القضبان؟ وهل كل الوظائف تحتاج فعلاً لفحص أمني وضمان عدم توليها أشخاص يتعاملون مع جهات مشبوهة؟ وهل جعل ذلك دولنا العربية محصنة ضد الاختراق الخارجي؟

وهنا ننتقل للسؤال الأهم: ما هي المعايير التي تتبعها الأجهزة الأمنية في تصنيف الناس وخطرهم؟ بعض الدول العربية تعتبر كل من يرفض الانضمام للحزب الحاكم خطراً على الدولة والمجتمع، فهو "بكل تأكيد شخص عميل ومشبوه ولهذا يرفض الانضمام للحزب"!! وفي دول أخرى يحاسب على آرائه وأقواله وربما بسبب تردده على المساجد أو إطلاقه اللحية.

في الممارسة العملية نجد أن الأجهزة الأمنية تعدت بكثير مهمتها الأصلية في عملية السلامة الأمنية، ويجب أن تلغى تماماً فلا يوجد ما يستوجب الفحص الأمني للمتقدمين إلى الوظائف أو الرخص (باستثناء الانضمام إلى بعض الأجهزة العسكرية والأمنية الحساسة)، ومن يكتشف أنه جاسوس أو عميل أو مرتكب لتجاوزات أمنية فليعتقل وليقدم للمحاكمة.

وهنا نشير إلى المطالبات باستبعاد فلول زين العابدين ومبارك من الانتخابات في تونس ومصر، حيث لم يتم الاستجابة لهذه الطلبات ولسبب وجيه ومقنع وهو أنك لا تستطيع إدانة الناس بالانتماء إلى الفلول بدون أن تظلم الكثير منهم، حيث ستكثر التقارير الكيدية والتأويلات، يجب أن تترك هذه الأمور للقضاء.

وقد شارك الفلول وحققوا بعض النتائج الهزيلة التي لا تؤثر على مسار الثورة سواء في تونس أو مصر، وبالتالي الخطر الذي كان يخشى منه لم يتحقق، والمضرة التي كانت ستحصل لو نفذ قرار المنع تم تفاديها.
طبعاً يوجد مخاطر عندما تسمح للناس بالمشاركة بدون رقابة أمنية لصيقة، لكن مفاسد الرقابة اللصيقة أكبر من منافعها، فهذا ما علمتنا إياه التجربة العملية في أكثر الدول العربية خلال العقود الماضية، يجب أن يبقى اهتمام رجل الأمن بالأمن فقط، لا يجوز له أن يتدخل بالوظيفة العمومية ولا بالمهن ولا الصناعة ولا التجارة ولا السياسة.

لا يجوز أن نعامل الناس على أنهم متهمين حتى تثبت براءتهم، فهذا يدمر المجتمع ويخلق مجتمع من الشكاكين والمهووسين أمنياً، ويخلق مناخاً مزدهراً للفساد والإفساد والإقصاء والاستبداد، فلنتحمل مخاطر وجود جاسوس أو مدسوس بيننا فهذا أقل سوءاً وأقل ضرراً.

الثلاثاء، 13 ديسمبر، 2011

رداً على المغالطات التاريخية لمرشح الرئاسة الأمريكية جينجرتش ومزاعمه بأن الشعب الفلسطيني تم اختراعه



أثارت كلمات مرشح الرئاسة الأمريكية نيوت جينجرتش عن الشعب الفلسطيني ضجة  كبيرة نظراً لما تحمل من جهل مدقع بالتاريخ وتحريضه على الشعب الفلسطيني وتبرير عمليات الإبادة العرقية التي تعرض لها الشعب الفلسطيني.

جوهر كلام جينجرتش يدور حول أنه لم يكن هنالك شعب فلسطيني قبل عام 1948م وأنه تم اختراعه من قبل "الجيران الأشرار للإسرائيليين المساكين"، حتى يكون أداة لمحاربة دولة إسرائيل.

وأود التنبيه إلى أنني لن أرد على جميع مغالطاته التاريخية، حيث يفضل أن يرد عليه باللغة الإنجليزية فما يحمله من أفكار منتشر بين الأمريكان والغربيين بشكل كبير وبحاجة لمن يوضح الصورة ويصححها، ولن أتكلم عن كيف قامت "دولة إسرائيل" على أنقاض شعب آخر بعد أكبر عملية تطهير عرقي شملت طرد مئات الآلاف من بيوتهم قهراً وبالقوة ومنعهم من العودة بحجة الحفاظ على يهودية الدولة، ولن أتكلم عن الحق التاريخي بفلسطين فهذا يطول الكلام فيه.

أريد تناول حديثه من زاوية محددة تتعلق بالرواية التاريخية المزورة التي يحملها، والتي تنكر أنه كان هنالك شيء اسمه فلسطين أو الشعب الفلسطيني قبل المشروع الصهيوني، والتي تنكر أن هنالك شعباً قائماً بحد ذاته كان يعيش على الأرض، وأن الفلسطينيين بالتالي مجرد وافدين عرب على هذه الأرض، و"قد أساؤوا أدب الضيافة فاستحق طردهم".

وللعلم فقد تخلى أغلب الصهاينة عن هذه الرواية التاريخية لركاكتها ومناقضتها لأبسط بديهيات التاريخ، ويتبنون رواية أكثر واقعية وصراحة وأيضاً أكثر وقاحة، وهي أن الشعب الفلسطيني خاض حرب وخسرها والخاسر يجب أن يدفع الثمن.

سميت هذه الأرض بفلسطين نسبة إلى القبائل التي أتت من بحر إيجة واختلطت بالكنعانيين ويبدو أن الغلبة والسيطرة كانت لهم، فأصبحت تعرف الأرض باسمهم، وقد خاضوا في وقت لاحق حروب مع اليهود، وللمفارقة التاريخية كان الفلسطينيون وقتها يتمركزون في الساحل بينما اليهود في المناطق الجبلية، على العكس تماماً من يومنا هذا حيث يتمركز اليهود في الساحل وتحديداً ما حول تل أبيب وهي مناطق لم تكن يوماً تحت حكم اليهود حسب إجماع الروايات التاريخية، فيما يتمركز الفلسطينيون في المناطق الجبلية بالضفة الغربية ومرتفعات الجليل (المنطقة التي قامت عليها مملكتي يهودا وإسرائيل في العصور القديمة).

وكان الرومان من رسخوا اسم فلسطين وعندما جاء العرب استخدموا أيضاً اسم فلسطين، مثلما نجد مثلاً في الفلس الأموي بالصورة أدناه، وقد كتب عليه أنه ضرب في فلسطين، فقد كانت فلسطين في العصر الأموي ولاية مستقلة، واهتم الأمويون العرب بفلسطين حيث شهدت في العصر الأموي عصر ازدهار كبير، وما زالت آثارهم باقية حتى اليوم، ومن بينها القصور الأموية الأربعة الملاصقة للجدار الجنوبي للمسجد الأقصى والتي استولى عليها الصهاينة تمهيداً لضمها لمشاريع تهويدية مع تغيير معالمها وتاريخها.

والقبائل العربية سكنت فلسطين قبل الفتح الإسلامي، عندما استقرت قبيلتي لخم وجذام في فلسطين، بالإضافة لقضاعة وعاملة وغيرها من القبائل التي نزحت من اليمن وجنوب الجزيرة بعد خراب سد مأرب، وقد سماها بعض المؤرخون المعاصرون لتلك الفترة ببلاد لخم وجذام، وقدمت القبائل العربية التي تعود أصولها إلى شمال الجزيرة إلى فلسطين مع الفتوح الإسلامية، وعرفت القبائل القادمة من جنوب الجزيرة باليمنية والقادمة من شمال الجزيرة بالقيسية.

ولحد يومنا هذا أغلب العائلات والعشائر الفلسطينية هي مقسومة بين القيسية واليمنية، مع وجود نسبة اختلاط ومصاهرة كبيرة بينهم، بما فيها تلك العشائر والعائلات من الأصول غير العربية والتي وفدت إلى فلسطين في عصور لاحقة، فقد اندمج الجميع في نظام اجتماعي عشائري لم يتغير كثيراً منذ الفتح الإسلامي.

وإن لم تكن هنالك دولة مستقلة باسم فلسطين طوال هذه السنوات فهذا لا يلغي وجود كيان فلسطيني، فعلى مدار التاريخ الإسلامي كانت ولاية مستقلة وانتهاء بالعهد العثماني، حيث كانت تعرف بسنجق القدس، وإن كان جينجرتش يقول أن فلسطين كانت تابعة للدولة العثمانية ولم تكن دولة مستقلة، فهل كانت فارغة من السكان وأصبحت أرضاً مشاع بعد زوال حكم العثمانيين؟

وهنا نتوقف مع أكبر المفارقات في طرح جينجرتش، فعند قدوم الاحتلال البريطاني وإعطائه لليهود وعد بلفور، والبدء بتنفيذ المشروع الصهيوني وبنائه، كان المهاجرون الصهاينة يستخدمون مسمى فلسطين في معاملاتهم وأشغالهم وحتى مطالبهم السياسية، فهل كانوا هم أيضاً جزءً من مؤامرة اختراع الشعب الفلسطيني؟



ولمن يتكلم عن شعب تم اختراعه أريد أن أحيله إلى صورة عملة الجنيه الفلسطيني أدناه، وهي ليست عملة فلسطين أثناء الاحتلال البريطاني، بل هي أول عملة لدولة "إسرائيل"! وهي صورة مأخوذة من موقع "بنك إسرائيل" الحكومي المسؤول عن إصدار العملة في الكيان الصهيوني.

ويروي الموقع قصة هذه العملة وسبب تسميتها بالجنيه الفلسطيني (مما يتناقض مع سعي الصهاينة بعد عام 1948م لطمس كل ما يشير إلى فلسطين وحذفه)، فعندما كان الصهاينة يحضرون لقيام دولتهم عام 1947م قرروا أن يرسلوا لأحد المطابع المختصة في أوروبا لكي تطبع عملة دولتهم الجديدة، لكن واجهتهم مشكلة وهي أنه لم يكونوا قد استقروا على اسم هذه الدولة بعد، فاتفقوا على طباعتها حسب اسم العملة الموجودة أي الجنيه الفلسطيني.

فاعتمدوا مسمى الجنيه الفلسطيني واستمرت هذه العملة بالتداول لحد عام 1955م عندما استبدلت بعملة تخفي أي إشارة لفلسطين، بمعنى آخر لم يكن الصهاينة يعرفون ماذا سيسمون دولتهم حتى آخر لحظة، ولم يكن لهم شيء يبنون عليهم حاضرهم سوى فلسطين التي أخذوها غنيمة حرب بعد أن طردوا أهلها وشردوهم شر تشريد.

الاثنين، 5 ديسمبر، 2011

هل فكرت يوماً أن تمد يدك؟

كم منا فكر في يوم من الأيام بأن يمد يده لمساعدة الآخرين؟ كم منا فكر بأن يخدم مجتمعه بدون مقابل أو مكافأة؟ دائماً نقول الحكومة يجب أن تفعل كذا وكذا، والحكومة يجب أن تهتم بتوفير الوظائف للعاطلين عن العمل، والحكومة يجب أن تبني المساكن للفقراء، ويجب ويجب ويجب.


الحكومة من واجبها رعاية مصالح الشعب، وكلنا يذكر مقولة الإمام العادل عمر بن الخطاب "لو عثرت بغلة في العراق لسألني الله تعالى عنها"، لكن الكثيرين ينسون مسؤولية الفرد ومسؤولية كل واحد منا تجاه الآخرين، فالزكاة مثلاً هي بالدرجة الأولى عبادة يؤديها الفرد من تلقاء نفسه، والدولة تحاسبه إن قصر لكن بالنهاية هي مسؤوليته كفرد تجاه المجتمع كما حدده المولى عز وجل. وإن قصرت الدولة فهذا لا يعفي الفرد من أداء الزكاة.


وفي السنة النبوية الشريفة الأحاديث الكثيرة التي تشجع على البذل والعطاء وأداء الأفراد لواجب مساعدة الآخرين من البشر وحتى من غير البشر، كما جاء في الحديث الذي رواه البخاري بعد أن روى قصة الرجل الذي سقى كلباً عطشاً الماء، "في كل كبد رطبة أجر."


ولعبت مؤسسة "الأوقاف" طوال عهود الدولة الإسلامية دوراً محورياً في مساعدة فقراء المسلمين والإنفاق على المساجد ومراكز العلم، وأغلب الوقت كانت الأوقاف بمثابة مؤسسات أهلية (بلغة عصرنا هذا) أي لا تشرف عليها الدولة، بل يقوم عليها أفراد وعائلات ومتطوعون، فساهم المواطن المسلم ببناء مجتمعه إلى جانب الدولة الإسلامية.


وعند قدوم الاستعمار قام بتأميم الأوقاف وجعلها تابعةً للدولة، حتى يتحكم بحياة المواطنين ويفقد الشعوب العربية والإسلامية استقلاليتها واكتفائها بذاتها، وبعد خروج الاستعمار وقيام الدولة الحديثة لم يعد للأوقاف دورها السابق ولم تشأ الحكومات أن تفرط بأملاك الأوقاف التي ورثتها، فكان أن وئدت الأوقاف تحت وطأة البيروقراطية والفساد.


ولم تكتف أنظمة الاستبداد بالاستيلاء على مقدرات الأوقاف وإلغاء دورها كمؤسسة عمل أهلي، بل ضيقت على كل أشكال العمل التطوعي، وخصوصاً الأنظمة الثورية التي رأت في الاشتراكية والعلمانية حلولاً لكل مشاكل الشعوب العربية والإسلامية وما ترتب على ذلك من مصادرة العمل والأهلي التطوعي وتأميمه، فأي جمعية خيرية وأي مبادرة فردية للمساعدة وأي تجمع شبابي أو غير شبابي هو مؤامرة مشبوهة لأحزاب سياسية.


وأشاعت أنظمة الاستبداد ثقافة "اللهم نفسي"، إلى درجة أصبح المجتمع يصور كل من يفكر بمساعدة الآخرين والقيام بعمل طوعي أنه إما انتهازي يريد مصلحة مادية أو أنه حالم ساذج لا يعيش في الواقع، ورسخت هذه الأنظمة ثقافة أن من أراد العيش فيجب أن يطلب ذلك من الدولة لأنها هي وحدها المسؤولة عن الجميع، وفي ظل الفساد والاستبداد المستشريين أصبح هذا يعني أن من أراد الحياة فعليه تملق المؤسسة الحاكمة والتوسل إليها.


فأصبحنا أمام دولة فاسدة ومعطلة لا تقدم شيئاً لمجتمعاتها ولا تسمح للمجتمع بأن يقوم بدوره المطلوب منه، في حين أن أكثر الدول الغنية والمتقدمة تقدم الخدمات لمواطنيها وتفتح المجال لمؤسسات العمل التطوعي لتساعد المحتاجين وبشكل مفتوح وبدون قيد أو رقيب. ولهذا لن نجد ثورات عنيفة في أمريكا والتي يعيش بها عشرات ملايين المشردين، لأن هنالك عشرات المؤسسات الطوعية التي تقوم على خدمتهم وبدون أي عوائق تضعها الحكومة.


ويشير المطلعون على الوضع التركي الداخلي إلى أن مؤسسات العمل الأهلي والتطوعي تلعب دوراً هاماً يوازي دور الدولة، وهنا مكمن خوف الأنظمة المستبدة فهي لا تريد أي قوة تبرز سواها حتى لو كان دورها خدمة الفقراء والمحتاجين أو تنظيف الشوارع وحتى لو سبح القائمون عليها بحمد الحاكم، فإما أن يكنس النظام الشوارع أو لتبقى قذرة بدون تنظيف.


فكان وأد العمل الطوعي هو أحد الضحايا الجانبيين للاستبداد السياسي، ولذا في عصر الثورات العربية يجب أن نعيد للعمل التطوعي والأهلي دوره الأصيل في حياتنا كمسلمين وكأمة إسلامية، طبعاً لا يستطيع كلنا إنشاء جمعيات خيرية أو مؤسسات أهلية فقد لا يملك المرء الإمكانيات أو المؤهلات وربما بعضنا ما زال يعيش في ظل أنظمة لم تتعلم الدرس ممن سبقها، لكن كل هذا لا يهم فهذه مجرد تفاصيل، ما يهمنا هو المبدأ، ما يهمنا فكرة أن نمد يدنا لمساعدة غيرنا.

ليبدأ كل منا بما يستطيع عليه، لنفكر فيما حولنا، كيف يمكنني مساعدة من حولي؟ كيف يمكنني مد يد المساعدة لجاري أو لقريبي أو لصديقي؟ كيف يمكنني أن أعمل فرقاً في المجتمع ولو من خلال كلمة خير أقولها، أو دعوة صلاح أدعو لها؟ فهذا زمن الحرية وزمن تحرير أنفسنا من حب الذات.