الأربعاء، 24 يوليو 2013

هل سيحاكم الرئيس محمد مرسي بتهمة محاولة الانقلاب على النظام؟!





لطالما تعامل النظام المصري منذ عهد جمال عبد الناصر مع جماعة الإخوان المسلمين على أنها جماعة انقلابية تريد القفز على نظام الحكم وتغييره، وعندما دار الزمن وجاء الإخوان المسلمون إلى الحكم من خلال صندوق الاقتراع لم تقتنع المؤسسة العسكرية ولا الدولة العميقة ولا الطبقة الحاكمة بأن الوقت قد حان ليتغير النظام ولا حتى لكي تتغير نوعية الحاكم.

وهكذا بدا مشهدًا ممجوجًا بالنسبة لهم التعامل مع هذا القادم من المريخ، فضلًا عن أن يأخذوا الأوامر والتعليمات منه، وهكذا تعاملوا مع محمد مرسي على أنه شخص دخيل على النظام المصري، حتى لو أخذ أغلبية في الانتخابات وحتى لو اعترف به كل العالم رئيسًا لجمهورية مصر العربية.

وعلى هذا الأساس تعاملوا معه طوال عامٍ كامل، وفي الوقت الذي كان الكثير من السطحيين لا يستوعبون حقيقة أن النظام القديم لم يرحل وأنه فقط رأس النظام الذي تغير، ولم يدركوا أن مرسي انتزع الحكومة من العسكر مقابل صفقة أبقى لهم الجيش وميزانية الجيش لا يتدخل بهما، وحتى الدستور الذي تم إقراره ضمن لهم الاستقلالية شبه التامة عن باقي مؤسسات الدولة.
 
وحتى تعيين السيسي ووزير الداخلية لم يكن لثقة مرسي بهما بل لإرضاء العسكر ولإرضاء النظام القائم، لأنه كان يدرك أنهم أصحاب القرار الحقيقي وأنهم قادرون على تعطيل أي شيء، وبغض النظر إن كان هذا النوع من التسويات مقبولًا لدى البعض أو لا، أو إن كان تصرفه حكيمًا أو لا (ولي رأي في ذلك سأتكلم عنه لاحقًا في مقال مستقل)، فما يهمنا هنا أن مرسي كان دخيلًا على نظام لم يرتح له، وكما تبين لاحقًا لم يشأ التعاون معه وعمل على إفشاله بكل الطرق الممكنة.

إلقاء التحية العسكرية لجمال مبارك

ولربما كان منظر رجال الشرطة وهم يلقون التحية العسكرية على جمال مبارك أو مساعدي حبيب العادلي في المحكمة الأكثر تعبيرًا عن مشاعر النظام القديم (والذي لم يتغير منه شيء تقريبًا) وعن حقيقة شعوره، فهذا المسجون وراء القضبان هو الرئيس الحقيقي أما محمد مرسي فلم يكن أكثر من دخيل.

وعندما عزل مرسي طنطاوي وسامي عنان جاء بالسيسي من داخل المؤسسة العسكرية لكي يشتري سكوتها، وليغير باقي مؤسسات الدولة كما يراه مناسبًا، لكنه كان يواجه في كل عملية تغيير لمسؤول كبير ألف عقبة وعقبة، وبدلًا من أن تساعده قوى الثورة الأخرى (أو ما يعرف بالمعارضة) كانوا عبئًا عظيمًا عليه غير مدركين (أو ربما مدركين ومتواطئين) أن نظام مبارك إذا لم يتم تغييره فورًا فسيعود وبشكل أسوأ مما كان، ومرة أخرى ربما أخطأ مرسي أو أصاب لكني هنا أصف واقعًا حصل.

ويصف الكاتب صلاح حميدة ثورة 30 يونيو بأنها ثورة البشوات، الإقطاع المصري الجديد الذي نشأ بعد عام 1952م، والمكون من تحالف بين إقطاعية عسكرية طاغية مع نخبة متغربة فكريًا، والذي لا يختلف عن إقطاع العهد الملكي إلا في أنه نظام مفتوح يستطيع أي شخص أن يتسلق هرمه ما دام يجيد تقبيل الجزم المناسبة في الزمان والمكان المناسبين.

والمتتبع لتصريحاتهم وحقدهم الذي يقطر سمًا تجاه رئيس "يأخذ أوامره من المرشد"، وكأن المرشد إبليس رجيم (ولا يهمني صحة هذا الاتهام في هذا المقام)، واحتقارهم لهذا القروي الساذج الذي أصبح في يوم وليلة رئيسًا لأكبر وأهم دولة عربية (وهي الصورة التي حرص الإعلام المصري على وضعه فيه طوال عام من حكمه وحتى قبل ذلك أثناء الحملة الانتخابية)، وتكرار مقولة أن "مصر أكبر من مرسي" و"رئاسة مصر كبيرة عليه"، كلها مؤشرات تدل على نظرة استعلاء تجاه مرسي وما يمثله، وأنه مجرد "وضيع" دخيل على النظام الإقطاعي القائم منذ ما تسمى بثورة 23 يوليو عام 1952م.

بل نجد أن الإعلام يحرص على تقديم صورة لزوجته على أنها أمية جاهلة جلست في البيت لتربي أولادها (لتأكيد الصورة النمطية عن المحجبات)، رغم أنها أكملت دبلوم ترجمة فورية، وعملت أثناء وجودها مع زوجها في أمريكا بمركز إسلامي من أجل مساعدة الأمريكيات المعتنقات حديثًا للإسلام والترجمة لهن، ورغم وجود باع طويل لها في العمل التطوعي، ولو كانت متبرجة ليبرالية لقيل عنها ناشطة في مجال العمل التطوعي والخيري ومثقفة وما إلى ذلك من أوصاف لا يخلعها الإعلام المصري إلا على شكل محدد من الناس.

ولهذا كان مجرمًا في نظرهم لأنه حاول (أو لأنه كان ينوي) تغيير النظام القائم وتغيير الشخوص القائمين، وربما لو يسع لتغيير النظام القائم وأقنعهم أنه لا ينوي التغيير لقبلوه، وتغاضوا عن "باقي عيوبه"، لكنهم أحسوا منه ذلك في أكثر من مواجهة ومحطة، وكونه من خارج الدولة العميقة وكونه إخوانيًا عزز لديهم القناعة بأنه لو ترك فمع الزمن سيغير الدولة ويقلب نظام الحكم القائم، وقد قالها صراحة السيسي في خطابه اليوم أنه كان ضد وجود مرشح من خلفية دينية (إسلامية).

السيسي: مرسي لم يسمع كلامي
ولهذا جاء انقلاب السيسي ولهذا لم ينتظروا الانتخابات القادمة، فالمطلوب الحفاظ على النظام القائم وعدم السماح بتغييره حتى لو كان بشكل تدريجي، والسيسي قالها بصراحة أنه كان يملي على مرسي خطاباته وأن مرسي "لم يكن يطيعه"!

فهذا سبب الحقد الأسود تجاه مرسي من جانب الجماعة الانقلابية (تحالف العسكر مع النخبة العلمانية)، ولهذا تم إخفاؤه قسرًا حتى اليوم، لذا أقترح عليهم أن يحاكموه بالتهمة الحقيقية وهي محاولته قلب نظام الحكم.

وللأسباب سالفة الذكر نجد اليوم تيارات واسعة اختلفت مع مرسي والإخوان المسلمين الذين خرجوا من حكومته (مثل الوزير محمد محسوب من حزب الوسط، وعماد عبد الغفور مستشاره السابق من حزب الوطن)، ونجد آلاف المواطنين العاديين من غير المؤطرين أو المنتمين للأحزاب والكثير منهم غير إسلامي، فهم يدركون أن ما تسمى بثورة 30 يونيو ليست إلا ثورة مضادة، وهم يدركون أن نظام مبارك لم يتغير، وأنهم إن لم يتحركوا اليوم فسيأتي ما هو أسوأ من نظام مبارك، ولهذا كله فهم مصممون إلى آخر درجة على عدم السماح بانتصار الانقلاب، وليس حبًا في محمد مرسي أو الإخوان.

ليست هناك تعليقات: